تجربة فريدة بكل المقاييس أن يتولى عنصر نسائي إدارة مدرسة ثانوية للبنين، كونها مرحلة تحتاج إلى حزم وشدة في قيادة مئات الطلبة الذكور، وهذا ماحدث مع أمينة إبراهيم النيادي التي تتولى إدارة مدرسة ثانوية دبي للبنين في تجربة هي الأولى من نوعها في الدولة، التي يتطلع إليها المجتمع التربوي بكل تفاصيلها بشكل حذر خشية عدم تمكنها من حل المشاكل، التي يمر بها الطلبة، ولتوليها تلك المهمة الصعبة لم يكن من السهل الدخول في غمار هذه التجربة، فقد خضع ملفها التربوي إلى دراسة عميقة إلا أن شخصيتها الحازمة وعملها كونها معلمة للحلقة الثانية بنين والتعامل مع الطلبة الذكور كان شفيعاً لها في اختيارها عن جدارة.

23 عاماً وبعد انقضاء فصل دراسي كامل من توليها الإدارة زارت «البيان» المدرسة، ووجدت أبوابها مفتوحة على مصراعيها، ترحب بالضيف، ووجدت الفناء المدرسي يستوعب العديد من الألعاب الترفيهية الجاذبة مثل كرة السلة والبلياردو والألعاب اليدوية للكرة.

وفي لقائها مع مديرة المدرسة قالت أمينة إبراهيم النيادي: إنها قضت نحو 23 عاماً في قطاع التعليم وتخرّجت في كلية التربية تخصص معلم فصل من جامعة الإمارات وبدأت بالعمل معلمة فصل لتدرس مواد اللغة العربية والتربية الإسلامية والرياضيات والعلوم، وتنقلت بين المدارس الحكومية وكانت للمدارس الخاصة نصيب من عملها، حيث عملت مديرة قسم اللغة العربية في مدرسة الخليج الوطنية الخاصة، وهذا كان أول تعارف بينها وبين الطلبة البنين في المرحلة الثانوية، وعملت معلمة في مدرسة النخبة النموذجية بنين 11 عاماً، ما أثقل خبرتها في العمل مع الطلبة الذكور.

روح الإيجابية

تدرجت أمينة في السلم الوظيفي من معلمة إلى وكيلة مدرسة المزهر، ومن ثم مديرة مدرسة ثانوية دبي، وعندما دخلت إلى ثانوية دبي تعرفت على المبني المدرسي وعوامل الأمن والسلامة، والتوقف عند كشوفات أسماء الطلبة والهيكل الإداري والتعليمي، وحرصت على عمل استبيان بطاقة شخصية للمعلمين للتعرف على مهارات المعلمين وإمكاناتهم حتى تستطيع أن توظفها في ما بعد.

ونظمت لقاءات يومية للطلبة لبث روح الإيجابية فيهم والعطاء واتبعت نظام الأبواب المفتوحة، بحيث تستقبل الإدارة أي طالب وأي معلم في أي وقت، كما حرصت على الدخول للقاعات الصفية، للوقوف على أداء المعلمين وذلك بهدف رفع مستوى استراتيجيات التدريس داخل الصف، ورفع دافعيه الطلاب للتعلم، وذلك من خلال برامج تحفيزية للطلبة والهيئات التدريسية.

سيبا تجريبي

أفادت النيادي بأن إدارة المدرسة ارتأت أن تجري اختباراً تجريبياً «سيبا» لطلبة المدرسة، وذلك لعدم خضوع المرحلة الثانوية إلى اختبارات وطنية، مع الإشارة إلى أن وزارة التربية والتعليم تولي اهتماماً كبيراً بتعليم اللغة الإنجليزية، وجاء الاختبار بهدف مسح لمعرفة مستويات الطلاب وكيفيه تعاملهم مع الامتحان، ومن ثم تبدأ الهيئة التدريسية بوضع خطط لرفع المستوي في حال كان هناك إخفاق.

مشاركات ودوري

حرصت الإدارة المدرسية على تشجيع الطلبة للمشاركة في الإذاعة المدرسية، لكسر حاجز الخجل، ومشاركة عدد من الطلبة في معارض التوظيف للتعرف على الحياة المهنية، ومشاركة آخرين في الملتقي الإعلامي المبتكر، وتم تشكيل فريق فزعة للعمل التطوعي، والمشاركة في ورشة عمل حول الابتكار والإحصاء في الهيئة الاتحادية للتنافسية والإحصاء، وتحفيزهم على عدم الغياب والمتابعة المستمرة مع أولياء الأمور، ونظمت المدرسة «دوري» بين الفصول ورفع نسبة حضور الطلبة إلى 100%.

فمسؤولية إدارة مدرسة ثانوية من وجهة نظر التربويين وأصحاب الاختصاص تستلزم اختيار شخصية قيادية، تتمتع بكل مواصفات الحزم لتعديل سلوكيات الطلبة وفرض النظام والالتزام والطاعة وإجبارهم على احترام معلميهم وطاعتهم فى عمل واجباتهم والإصغاء لهم أثناء الحصص الدراسية، إلا أن تولي عنصر نسائي تلك المهمة شكّل مفاجأة لمن اعتادوا على قيادة الرجل تلك المهام الصعبة، فالتعامل مع هذا العمر ليس سهلاً مع طلاب فى مقتبل العمر، وتحقيق الذات والاستقلالية.

حنان الأم

وقد كان لتولي النيادي مسؤولية إدارة المدرسة الأثر في نفوس الطلبة، حيث قال الطالب أحمد البحيري، إن مديرة المدرسة تتعامل معنا من منطلق الأمومة والإخوة، آثرت على نفسها أن تكون وسط مجتمعها المدرسي فنقلت من مكتبها المكيف الفخم، ووضعت آخر فى فناء المدرسة لتتابع جميع الطلبة ومدرسين عن قرب وكثب وتحل المشاكلات الطلابية.

أما الطالب منصور العبد الله، فقال إنها تستمع إلى مشاكلنا واقتراحاتنا وتحققها لنا، مفيداً بأن التعامل معها مختلف تماماً عن التعامل مع مدير رجل، وجعلت من اليوم الدراسي يوما متنوعاً بين الدراسة والأنشطة واللعب.

كما أضافت على المدرسة لمسات جمالية، وأجبرت الجميع على احترامها بحسن خلقها وطريقتها التربوية فى التعامل مع طلابها، واتبعت سياسة الباب المفتوح، فبعد أن كانت المدرسة تغلق أبوابها بالأقفال خشية تسرب الطلبة من المدرسة أصبحت أبوابها مفتوحة، والجميع يفرح بتلك المسؤولية.

ومن جانبه قال معلم اللغة الإنجليزية محمود الشامي، إن الكادر التدريسي كان متخوفاً من الإدارة الجديدة في بداية الوقت، وبعد الأسبوع الأول من الدراسة شعر الكادر بالألفة وخاصة أن المديرة عززت التواصل في ما بين الطلبة والكادرين الإداري والتدريسي، وفتح قنوات للتواصل بشكل كامل.

تواصل مثمر

وأكد الشامي حرص المديرة على المتابعة اليومية للمعلمين وعمل «جروبات» على الواتساب بين المعلمين في ما بينهم وبين المعلمين والطلبة.

بدوره أكد معلم الدراسات الاجتماعية عبد الحميد حجازي، أن المديرة بما فيها المدرسة حريصة على تطبيق استراتيجيات التعلم الحديثة، كما وجدناها قريبه للطلبة بحكم تدريسها عدداً كبيراً منهم في المراحل الدنيا، وتتعامل معهم من منبع الأمومة.

وقال عبد الحميد حجازي معلم الدراسات الاجتماعية: تحرص المديرة على متابعة الهيئات التدريسية من خلال الزيارات الصفية والنقد البناء وتركز على المفاهيم و الاستراتيجيات، التي تمنحها البرامج التدريبية، التي تنفذها وزارة التربية والتعليم، وتتعامل بحرفية كبيرة مع المشاكل التي تواجه الطلبة، مستخدمة أسلوباً حديثاً ما يوحي أن المدرسة سوف تنقل نقلة نوعية.

صلاحيات

قال حامد عبد العظيم معلم أحياء في مدرسة ثانوية دبي، إن المديرة منحت المعلمين صلاحيات في التعامل مع الطلاب وإعداد خطط علاجية لهم ونقل الطلبة نقلة نوعية وتحفيز الطلاب على العمل داخل وخارج المدرسة، وتنفيذ واختيار الرحلات التي تُثري المناهج الدراسي، كما نشرت روح المحبة بين المعلمين والطلاب وخاصة أن لها خبرة سابقة.