لم يعترف الإنسان الإماراتي، تاريخياً، بفروقات المناخات وتضاريس المناطق التي تنعكس على أرضه وما تنتجه من ثمار، بحكم ما حبا الله به الدولة من اختلافات طبيعية كبيرة يجدها الناظر حتى في الإمارة الواحدة، ليطوع هذه الاختلافات لصالحه.

رطوبة الساحل وقساوة الجبال، وجفاف الصحراء، جعلت من المزارع في الإمارات ينظر للأرض على أنها مصدر رزق وعطاء، دون أن يأبه بالتفاصيل أو التحديات التي تبرز بحكم هذه المناخات، لتبقى صغيرة أمام إرادته. ولعل في مزارع مدينة حتا برهاناً على كل تلك الأحكام، كيف لا وهي مدينة تملك من الإمكانات الزراعية والطبيعية الخلابة ما يأسر فؤاد كل من يقدم إليها سائحاً أو حتى زائراً.

بساط أخضر
غابات من النخيل ومساحات خضراء تحتضن في ثناياها خضراوات ونباتات متنوعة يلوح أفقها من بعيد، وتثير في نفس من يشاهدها تساؤلات كثيرة يأتي في مقدمتها كيف لهذه النباتات أن تنمو في وسط أرض صماء مليئة بالصخور، وكيف تتم حراثة هذه الأراضي وتهيئتها، وما هي أنظمة الري التي تستخدم لرفع المياه وصعودها في منحدرات حادة وعلى مساحات طويلة، ذلك ببساطة يجيب عنه عبدالله خلفان البدواوي، أحد أعيان منطقة حتا، والذي قال إن المساحات الزراعية التي تشاهد في هذه المدينة هي تحد خاضه الأجداد والآباء الذين تغلبوا على قساوة الأرض القاحلة وجعلوها بساطاً أخضر بعد التوفيق من الخالق سبحانه وتعالى.

البدواوي يوضح أن الأراضي الزراعية التي تزخر بها المدينة حرثها الآباء والأجداد الذين اعتمدوا على سواعدهم، واستعانوا بمجموعة من الحيوانات لنقل التربة لها، ومن ثم زراعتها بمختلف المحاصيل ومنها دقيق البر والطماطم والبصل والنخيل وشجر الهمبا «المانجو» وأطعمة الحيوانات كالبرسيم، وشقوا لها الأفلاج لريها، لتشكل منظومة هندسية، صمدت في وجه التغيرات ومكثت عقوداً من الزمن، دون أن تتطلب صيانة أو تدخلاً من الأجيال التي جاءت بعدهم إلا بأعمال بسيطة.

علاقات متينة
ويلفت البدواوي إلى أن بعض الأفلاج التي توجد في المنطقة يصل طولها إلى كيلومترين، وتنقل المياه بين مزارع عدة لا تخلو من المنحدرات والمناطق المرتفعة دون توقف، وهو ما يضع المتابعين لطريقة عملها في ذهول، خصوصاً وأنها لا تعتمد على مولدات أو معدات لدفع هذه المياه، موضحاً أن بناء هذه الأفلاج تم بتكاتف أبناء المنطقة الذي عرفوا منذ القدم بقوة ارتباطهم ببعضهم ومتانة علاقاتهم الاجتماعية التي تميز أبناء الإمارات بشكل عام.

إرادة
من جانبه، يرى أحمد محمد البدواوي أن المزارع ومنظومة الأفلاج التي تزخر بها مدينة حتا شاهد على إرادة الإنسان الإماراتي منذ القدم، فهو من قهر التحديات وذلل الصعاب؛ من أجل تأمين غذائه والمساهمة بصورة إيجابية في مجتمعه، مبيناً أن المزارع التي شيدها الآباء والأجداد لازالت تحمل أسماءهم أو أسماء أبنائهم، في حين لا يتعدى ما يملكه البعض بضع أشجار من النخيل وُرثت عن الآباء أو الأجداد، وتقع في مزرعة يملكها شخص آخر، ويطلق عليها أشجار نخيل لورثة أحد الأشخاص.

شاهد
وفي السياق ذاته، يتحدث محمد حمد بأن المزارع لازالت بطرازها القديم، ولم يطلها التغير إلا بغرض الصيانة التي استخدمت أدوات مشابهة من التي شيدت منها، مشيراً إلى أن المزارع صنعت كشاهد تاريخي على عزيمة القدماء، ومصدر رزقهم، فهي وجهة سياحية تكتمل فيها المقومات والعناصر التي يحتاج إليها السائح، وتقدم لهم مشهداً خلاباً ومعلومات تاريخية وأنظمة تقليدية كنظام الأفلاج الذي يعد الجزء الأساسي في هذه المزارع.

