الأطفال زينة الحياة الدنيا، وفلذات الأكباد، ابتسامتهم المفعمة بالبراءة والطفولة تزيح هموم المرء وتنسيه كل ما يثقل كاهله في الحياة، لذلك كان من الواجب على كل أسرة أن تعتني بمن ملكوا هذه الابتسامة والبراءة ومتابعة مراحلهم العمرية من الطفولة وحتى البلوغ، وإن كانت رعاية الطفل تتطلب الاهتمام المستمر فإن هناك أطفالاً احتاجوا لاهتمام ورعاية أكبر من ذلك، واحتاجوا إلى تأهيل حتى يكون لهم دور في المجتمع. وفي سبيل ذلك خصص مركز الرعاية الخاصة بدبي يوماً رياضياً حافلاً بالفعاليات الترفيهية والرياضية لتعزيز دور طلبة الرعاية الخاصة في المجتمع ودعمهم معنوياً بمشاركة المعلمين وأولياء الأمور.
إعاقة الطالب لا يمكن أن تكون أمراً داعياً للخجل، ولا يمكن كذلك عزل هذه الفئة عن المجتمع، هذا ما أكده لنا عبدالرحمن الملا والد عائشة إحدى طالبات المركز المشاركات في هذه الفعالية حيث يقول إن التفرغ لها ولرعايتها كانت أهم أولوياته في الحياة فكون ابنته معاقة لم يشكل ذلك حاجزاً له لاصطحابها إلى جميع المناسبات الاجتماعية ذلك ما تميز به الملا (أبوعائشة) وأكد عليه قائلاً: النقص العقلي أو الجسدي أمر لا اعتراض فيه لذلك كان لابد من إبراز هذه الفئة في المجتمع وحثها على المشاركة فيه دون خجل وتشجيعها على ذلك في سبيل التطور النفسي والعقلي لها، وهذا ما حرصت عليه من خلال زرع تلك المدعمات الاجتماعيات في ابنتي والتي تبلغ من العمر الثامنة عشرة فكان أكبر همي الاعتناء بها منذ طفولتها.
فمنذ أن كان عمرها عامين كنت أحرص على زيارة التدخل المبكر إلى المنزل ومتابعة حالتها باستمرار، فالطفل إذا كان معوقا عقلياً أو جسدياً يتطلب من الوالدين رعاية أعلى بكثير من الطفل الطبيعي لذلك حرصت على حضوري اليوم ومشاركة ابنتي في يومها الرياضي وحفلها في المركز مع أصدقائها ومعلميها وكان السبب وراء ذلك المعرفة التامة لما ستزرعه هذه الزيارة في نفسها وتحفزها للدراسة بشكل أفضل إضافة إلى تفاعلها مع المجتمع بشكل أكبر مما يؤدي إلى تحسن حالتها النفسية.
ويشير أبو عائشة إلى تخلف بعض أولياء الأمور قائلاً: يؤسفني حقاً تخلف بعض أولياء الأمور عن الحضور في هذا اليوم وتهميشهم المشاركة مع أطفالهم في هذه الفعاليات والنتائج التي ستترتب على ذلك فقد تسوء حالة الطفل النفسية إذا ما رأى أسرته غير مكترثة لسعادته ومرحه، وما الداعي لذلك أهو الخجل من ما خلقه الله ووهبه له وإن كثيراً من الأهالي لا يصطحبون هذه الفئة من الأطفال إلى المناسبات والمشاركات الاجتماعية خجلاً أن يراه الناس في هذه الحالة.
رعاية خاصة
وتشير أم نوف إلى الدور الذي يقوم به المركز في رعاية الأطفال والكبار وتطوير مهاراتهم الشخصية والتعليمية، وترى أن هذه مسؤولية يحملها المعلمون في مراكز الرعاية الخاصة لا يمكن أن تكتمل إلا بإطار متكامل من التعاون بين الأسرة والمعلم والمجتمع فهذه دائرة تحمل جميع هذه العناصر.
وتقول: إن ابنتي في حاجة مستمرة لي، ومشاركتي اليوم نابعة من الإيمان في داخلي بأن حضوري سيكون دافعاً لتقدم ابنتي، ولأن تتشوق للعودة إلى المركز بعد انقضاء إجازتها الفصلية، وإنني حريصة على متابعتها دراسياً من خلال الملاحظات التي يتم إرسالها بشكل دوري لي من إدارة المركز والتي بدورها تعرفني على أهم نقاط القوة والضعف في برنامجها التعليمي، وهذه الفعالية الرياضية المقامة بمثابة تهيئة نفسية للطالبة، وكما أرى فإن ابنتي تشعر بالسعادة لمشاركتها أصدقائها وكم تشعر بالسعادة كذلك لحضوري أنا وعمتها، وللأسف اعتذر والدها عن الحضور لانشغاله ببعض الأعمال، ولو حضر كل ولي أمر لرسم السعادة في وجه طفله المحتاج، وأنا سعيدة لأنني رأيت ابتسامة ابنتي ومرافقتي لها طيلة الوقت سواء اليوم في اليوم الرياضي أم خارج المركز وأستنتج ذلك عندما أعود إلى المنزل وأراها تقص على بقية أفراد الأسرة ما حدث خلال هذا اليوم وهي في رضا وسعادة تامة.
تجديد الحب
تجاوب أولياء الأمور تجاه الأطفال ومشاعرهم بسرعة، فقد حرصوا على تلبية نداء الطفل في فعالية استغرقت أقل من ربع يوم كانت كنقطة تجديد الحب بين الطفل ووالديه، وهناك أحد أولياء الأمور الأجانب واسمه مالكون انتسبت ابنته إلى مركز الرعاية الخاصة ليتم الاعتناء بها بالشكل المناسب، كانت على عاتقه مجموعة أعمال خارجية ولكنه رأى بأن ابنته أهم من هذه الأعمال، وبعد تخلفه المرة السابقة عن حضور فعاليات اليوم المفتوح للأطفال ومشاهدته علامات الحزن مرسومة على وجه طفلته واللوم الذي لاقاه في تخلفه عن الحضور قرر أن يفي بوعده ويحضر هذه المرة ويتجاوب مع نداء ابنته بكل رضا وقبول، ويقول مالكون: لدي طفلتان والطفلة الأخرى في حالة طبيعية وأنا بصفتي رب الأسرة أحاول التوفيق بين الطفلتين في الزيارات وحضور الاجتماعات والفعاليات لذلك أحاول أن أصنع عملية توازن بين الاثنتين، وفي بعض الأحيان أقوم بالتنزه معهما لترفيههما والتقرب بشكل أكبر من أطفالي.
وكانت ردود أفعال الأطفال مفعمة بالمرح والسعادة باللعب مع معلميهم وأولياء أمورهم، تارةً ترى الأطفال يلعبون مع بعضهم البعض وتارة يذهبون إلى أسرهم ويجرونهم للعب معهم فكم هو مقدار سعادة الطفل عند رؤيته المجتمع من حوله يتفاعل معه ويتعامل معه ببراءة ودون وجود أي حواجز تحجبه عن المشاركة مع الجميع.
طموحات كبيرة
لمسات حلقت في سما الإبداع لملاقاة المستوى العالمي في كافة المجالات من فنون ورياضة وغيرها، وهذا ما ميز سيف خميس بريشة رسمه على لوحاته الفنية، فكانت له قصة في كل لوحة ومغزى في كل صورة، أبدع في رسوماته حتى حصل على المستوى الأول في الإمارات عام 2005 في الرسم، ولم يحصر هواياته بالرسم فقط وإنما كان يهوى الرياضة أيضاً ويمارسها، يقول خميس: أمارس هواية الرسم بشكل يومي ومستمر، وعندما أعود إلى المنزل أتفرغ لذلك، واليوم الرياضي شيء مختلف عن الرسم ولكنه يقربني من أصدقائي، وفي هذه الفعالية انقسمنا إلى فرق نتنافس فيما بيننا ونتسابق وفي النهاية كلنا رابحون ولكن من باب حب الدعابة نمزح فيما بيننا في رمي كرات المياه وتفجيرها على الفرق الأخرى، وسعادتي هذا اليوم لا تكاد توصف وبالتأكيد عندما أعود إلى المنزل سوف أقص على عائلتي كل ما حدث. وأشار خميس إلى أنه يحلم في أن يصبح في يوم رساماً مشهوراً على مستوى العالم يمثل دولته الإمارات في جميع المحافل ويضع اسمه في كل مكان اتسم بالفن والتراث.
أما الطفلة آمال، فكانت بصحبة صديقتها طيلة الوقت لا تريد مفارقتها، وكانت ترى المكان الذي هي فيه كالجنة والمعلمين حولها كالملائكة، السعادة تغمرهم والثقة تعود في عقولهم وقدراتهم، فالاهتمام والحب من أهم الأشياء التي يمكن أن تعيد المعاقين إلى المجتمع وتعيد لهم دورهم الذي له مكانة كبيرة خاصة عند قلوب والديهم. تقول آمال: استمتعت كثيراً بلعب كرة التنس مع أصدقائي، فكنت أضرب بالكرة تارة يميناً وتارة شمالاً وأتخيل في نفسي بأنني لاعبة مشهورة، وما أعجبني اليوم اللعب في الهواء الطلق خارج جدران الصفوف الدراسية في حديقة المركز.
عزم وإصرار
أراد سهيل المهيري أحد طلاب المركز أن يتحدى نفسه ويثبت كفاءته للمجتمع، ومن أجل ذلك أصر على مكافحة تداعيات الإعاقة والتصدي إلى مصاعب الحياة، واستغلال جميع ما وهبه الله من قدرات وصفات في سبيل العيش بحياة كريمة وجميلة.
يقول المهيري: أبلغ من العمر الثانية والعشرين، عزمت على تحدي ذاتي فأردت أن أعمل ولو كانت الاحتمالات ضعيفة وبالفعل حصلت على عمل في طيران الإمارات وسعدت عندما التحقت بهم، وها أنا الآن أوفق بين العمل والتعليم حيث تتحدد أيام العمل في الأسبوع يومان وسوف يضاف يوم ثالث حالياً ولكنني لا أجد صعوبة في التوفيق بين الاثنين وأستمتع كثيراً مع أصدقائي اليوم في رمي الألعاب داخل الصناديق الكبيرة.
يهوى المهيري لعب كرة القدم والألعاب الإلكترونية كما يطمح للوصول في المستقبل إلى مراكز عالية ومتقدمة سواء في العمل أو الرياضة.
محاكاة شخصيات
امتلأت ساحة الحديقة بالأطفال المتنكرين بأزياء مختلفة، كل طفل وطالب في المركز اختار أن يقلد الشخصية التي تعجبه والتي كان له فيها قناعة وقاموا بتمثيل الشخصيات السينمائية والكرتونية، والبعض منهم اكتفى بربط «العصامة» على الرأس والرسم على الوجه فكان كل منهم يتخيل نفسه ممثلاً مشهوراً أو بطلاً لأحد الأفلام. وأجمل ما جمع بينهم مزاحهم اللامحدود حيث كانت ممرات المكان تتغنى بصدى أصواتهم وضجيج ضحكاتهم العالية، ورغم اختلاف ثقافاتهم ومجتمعاتهم إلا أنه كانت تتآلف بينهم روح الصداقة وتقربهم من بعض، فكان منهم من يتواصل بالإشارات وآخرون بلغة وسيطة كاللغة الإنجليزية.
تضمن جدول فعاليات اليوم الرياضي ترديد النشيد الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة وبعد ذلك بدأت المنافسة فيما بين المشاركين الأطفال والكبار بممارسة الألعاب الرياضية حيث امتلأت حديقة المركز في الصباح بدايةً في الخارج وتلا ذلك الدخول إلى القاعة المتعددة الأغراض لاستكمال الأنشطة الرياضية والترفيهية التي تضمنت مسابقة الجري بين الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين وكانت الألعاب في هذا اليوم مخصصة لجميع الأعمار.
