عندما تبدأ الأمهات العاملات بسرد همومهن اليومية والحديث عن سعيهن لتحقيق التوازن بين البيت والعمل فإن أول ما يثير الإعجاب بهن تمسكهن بأداء رسالتهن كربات بيوت حريصات على الاعتناء بكافة تفاصيل حياتهن العائلية والاجتماعية، وكموظفات فاعلات ومنتجات في بيئة عملهن رغم كم الأعباء والمسؤوليات الواقعة على عواتقهن والعقبات التي يتغلبن عليها بعد بذل مجهود كبير وجبار، ولكن عندما يتفاخرن بتقدير وتفهم إدارات عملهن لظروفهن من خلال وضع البرامج والخطط التي تسهم في تطوير أدائهن المهني وصقل خبرتهن ومضاعفة عطائهن الأسري، فإن ذلك يبشر بقدرتنا على مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية باحترافية عالية ووفق معايير الجودة والأداء الحكومي المتميز.
لم تكشف زيارة «البيان» للإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب بدبي عن جهود موظفاتها الجديرات بأن يكن في هذه المؤسسة التي تسعى إلى تطبيق قوانين الجنسية والإقامة بعدالة وحزم، والمساهمة في تعزيز الأمن والاستقرار والسيادة الوطنية فقط، بل سلطت الأضواء أيضا على الاهتمام الكبير للواء محمد أحمد المري، مدير عام الإقامة وشؤون الأجانب، بتمكين المرأة من خلال التركيز على تحفيزها وبث روح الحماسة فيها إلى أن تربعت الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب بدبي على عرش التميز في هذا المجال، حيث تتجاوز نسبة موظفات الإدارة 27٪ من إجمالي عدد الموظفين وتعد أعلى نسبة على مستوى دوائر حكومة دبي، وتتميز أيضا باحتضانها لـ19 من الإماراتيات العاملات في الدوائر المحلية بحكومة دبي.
تألق
أدارت الجلسة النقاشية فضيلة المعيني، مديرة قسم التحقيقات في جريدة البيان، التي أظهرت براعة غير مسبوقة في كسر حاجز الخجل عند المشاركات اللواتي يظهرن للمرة الأولى في وسيلة إعلامية، والتي تألقت كعادتها في وضع لمساتها الطريفة على الأجواء ما فتح شهية الموظفات على التحدث بصراحة مطلقة، وقالت المعيني: تأتي هذه الجلسة النقاشية في إطار العديد من الجلسات التي أقمناها والتي سنستمر في تنظيمها بإذن الله، بهدف التركيز على أهم البرامج والمشاريع في مختلف الدوائر والمؤسسات الحكومية والاتحادية.
وتابعت: عندما أتحدث مع أي موظفة وأقوم بسؤالها عن التحديات التي تواجهها، فإنها تؤكد أنها لم تعد تعيش مع أسرتها، وكلنا يعرف أن أفراد الأسرة الإماراتية اليوم يدخلون البيت على دفعات وأقسام، فبعد دخول الزوج قد يدخل الابن ومن ثم الابنة وقد تكون الأم آخر من يصل إلى المنزل في معظم الأوقات، ويعود الفضل في تدبير شؤون المنزل لن أقول إلى الخدم حتى لا ينزعج اللواء محمد أحمد المري، مدير عام الإقامة وشؤون الأجانب، بل إلى الفئات المساعدة.
وأضافت المعيني: اقترحت موظفات خلال الجلسات النقاشية السابقة التي قمنا بتغطيتها على صفحات «البيان» أن يتم تعديل الدوام بحيث يستطعن الانطلاق من المؤسسات التي يعملن فيها نحو بيوتهن في تمام الساعة الثانية ظهرا، ولا أخفيكن أن هذا الاقتراح أخافني كثيرا، لأنه قد يكون ذريعة جديدة بيد الرجال حتى يتم حرماننا من حقوقنا في الترقيات والحصول على العلاوات، ولكني اليوم في غاية السعادة بعد أن لاح في الأفق نظام العمل المرن الذي يمكن المرأة من اختيار ساعات العمل التي تناسبها والتي تمكنها من تحقيق التوازن بين بيتها وأسرتها وعملها، وخلال هذه الجلسة أود التعرف على تجاربكن المهنية المتنوعة وتأثير تطبيق نظام الدوام المرن على حياتكن في البيت والعمل.
معنويات عالية
وقالت منى خوري، موظفة في قسم الأرشيف: لست متزوجة ولكنني أتولى مسؤولية رعاية والدي الذي يحتاج لزيارة الأطباء بشكل دوري، وقد أحببت الدوام المرن لأنه مكنني من التخلص من فترات الاختناق المرورية والقيادة بهدوء وتأن، وساعدني على تنظيم وقتي، وتحمل العديد من الأعباء والمسؤوليات بمعنويات عالية وإرادة صلبة، وتخصيص وقت كاف للاعتناء بوالدي، حيث أصل إلى العمل في تمام الساعة السادسة والنصف صباحا وأبدأ بإنجاز المهام الموكلة إلي، والرائع أنني أجد موقفا لسيارتي دون عناء، في حين أنني كنت أستغرق وقتا طويلا في البحث عن موقف عندما كنت أصل في الساعة السابعة والنصف صباحا. وأوضحت الملازم منى محمد صالح، رئيسة قسم خدمة السيدات في الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب، أن الدوام المرن قلل بشكل ملحوظ من إقبال الموظفات على طلب الإجازات والغياب والاستئذان، وقالت: لا أعمل تحت مظلة الدوام المرن مع أنني أستطيع الاستفادة منه عبر التنسيق مع مسؤولي المباشر في حال كان لدي ظرف طارئ، كما أنني مسؤولة عن عدد كبير من الموظفات الأمهات والطالبات الجامعيات اللواتي يفضلن بدء العمل في العاشرة صباحا. واستطردت: تمكنت الأمهات بفضل الدوام المرن من توصيل أبنائهن إلى المدارس صباحا وقضاء بعض الوقت معهم والاطمئنان عليهم، أما الطالبات الجامعيات فأتاح لهن الدوام المرن فرصة حضور المناسبات الاجتماعية والمحافظة على تفوقهن الدراسي بعيدا عن ضغوط العمل. وأبدت المساعد مريم مبارك، منسقة إدارية، سعادتها الكبيرة بتطبيق الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب بدبي لنظام الدوام المرن الذي شجعها على مضاعفة عطائها في البيت والعمل، وقالت: أصبح لدي وقت فراغ كبير كما تفرغت للبحث عن المزيد من المجالات الإيجابية التي أجد نفسي فيها، والأهم أنني تمكنت من قضاء الفترة الصباحية مع عائلتي وأبنائي والتفرغ لعملي مساء.
معاناة
وقالت مريم حبيب، موظفة في قسم الأرشيف: كنت أعاني من توتري المستمر وقلقي الذي لا يتوقف على أبنائي الذين كنت أقوم بتوصيلهم في الصباح الباكر قبل بدء دوامهم المدرسي حتى لا أتأخر على عملي، ولكن فور وصولي إلى مكتبي أبدأ بمعاتبة نفسي.
مجرى حياة مريم تغير بشكل جذري بعد تطبيق نظام الدوام المرن، وقالت: فرحة أبنائي بوجودي معهم صباحا لا توصف، كما أن اطمئناني عليهم زاد ولائي لعملي أكثر من السابق، كذلك أصبح بإمكاني البقاء إلى جانب أبنائي أثناء إجازاتهم. وأشادت فاطمة جمعة محمد، موظفة في قسم الأرشيف، بالدوام المرن الذي حل لها مشكلة رفض طفلها ركوب الحافلة الخاصة بالروضة صباحا، وقالت: كان طفلي يطالبني بتوصيله إلى الحضانة صباحا ولكن عدم قدرتي على تلبية طلبه كان يولد لديه ردود أفعال سلبية تنعكس بوضوح على زملائه في الحافلة، ولكن بعد تطبيق الدوام المرن أصبحت قريبة منه بشكل كبير وتمكنت من تغيير طباعه، وليس هذا فحسب، بل تفرغت لمتابعة مواعيد زوجي الطبية ومواعيد علاجي الطبيعي أيضا التي تكون في الفترة الصباحية، كما قل طلبي على الإجازات والغياب.
أما العنود أحمد التي تعمل في المراكز الخارجية في قسم بلدية الطوار، فقالت: لم أعد أطلب إجازات بكثرة كالسابق، فالدوام المرن ساعدني على تحقيق التوازن بين عملي ودراستي والمحافظة على نشاطي وحيويتي أثناء أداء واجباتي في كلا المجالين.
وتحدثت المساعد فخرية علي، موظفة في قسم الأرشيف، عن تأثير ضغط العمل على حياتها قبل تطبيق نظام العمل المرن، وقالت: في السابق كنت مجبرة على الوصول إلى مكتبي في الساعة السابعة والنصف صباحا، وهذا كان يحرمني من البقاء إلى جانب أطفالي ريثما يبدأ دوامهم المدرسي، وباختصار شديد كنت لا أشعر بالاستقرار والأمان إلى أن يدخل أطفالي إلى فصولهم الدراسية.
وقالت علياء محمد، موظفة في قسم الأرشيف: لا أحب الدوام المسائي لأنه يقضي على يومي، حيث أظل مرتبطة بالعمل طوال اليوم ولا أتمكن من الالتفات لحياتي الاجتماعية وهواياتي وصديقاتي. ناديا هلال من قسم الأرشيف أيضا لم تكن تجد وقتا كافيا لرعاية أسرتها بالشكل المطلوب، وقالت: أصبحت قادرة على إنجاز عملي بأمانة وصدق كبير، ومتابعة دروس أبنائي والإشراف على مذاكرتهم بنفسي.
التفرغ للجامعة
بينما مكن الدوام المرن سارة ناصر، موظفة في قسم خدمة العملاء في الصالة الرئيسية، من العمل خلال الصباح حتى تتفرغ لجامعتها في المساء وقالت: أصبح لدي وقت كبير للمذاكرة وإنجاز الواجبات وقد انعكس هذا بصورة واضحة على تحصيلي الدراسي.
وتابعت: وجودي في الصباح الباكر على رأس عملي زاد من رضا المتعاملين وخاصة النساء اللواتي يفضلن التعامل مع الموظفات وتتزايد أعدادهن بشكل ملحوظ في هذه الفترة.
وقالت مريم إبراهيم، موظفة في قسم الأرشيف: كنت آخر من يدخل إلى المنزل ظهرا، أما اليوم فالوضع مختلف تماما، حيث أصل إلى المنزل قبل الجميع، وأتفنن في إعداد مائدة الغداء وترتيب البيت وتدبير شؤونه، والرائع أن الخادمة لم تعد تستقبل أطفالي الخمسة ظهرا، كما أصبح لدي الوقت للتفرغ لدراستي. وتولت هدى الشيزاوي، عضو في لجنة حواء، مسؤولية الحديث عن نفسها وموظفة منعها خجلها من حضور الجلسة، وقالت: ساعدني الدوام المرن على الحصول على شهادة الماجستير، كما مكنني من ممارسة الرياضة الصباحية بكل حرية، وأود أن ألفت انتباهكن أيضا إلى أن نظام العمل الجديد ساعد زميلة لها ظروف صحية معينة تتطلب منها الخروج من المنزل بعد غياب الشمس.
وحول لجنة حواء التي تعد أول لجنة نسائية على الصعيد المحلي والاتحادي والإقليمي، قالت الشيزاوي: مهمة اللجنة تعزيز انتماء موظفي وموظفات الإدارة، وتفعيل دور الموظفات العاملات اجتماعيا ومهنيا وثقافيا وحل العديد من القضايا التي تعنى بها المرأة الموظفة، وبفضل الله تمكنا من تحقيق غايتنا وحصد نتائج مبهرة. وقالت شيخة الشعفوري، رئيسة قسم الموارد البشرية، عن الأسباب التي جعلت الدوام المرن أمرا لابد منه في الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب بدبي: القضاء على الظواهر السلبية بين صفوف العنصر النسائي مثل الإقبال على طلب الإجازات وحالات الغياب والتأخير، يتطلب تطبيق نظام مرن يعمل على تغيير مجرى حياة الموظفات إلى الأفضل. وكشفت احصاءاتنا الاخيرة ان هناك 36 موظفة في «اقامة دبي» استفدن من المبادرة .
لجنة بمنظور اجتماعي
تأسست لجنة حواء بتاريخ 19/5/2008 بهدف الارتقاء بالعنصر النسائي والمساهمة في تعزيزه وتنمية دوره والمشاركة المجتمعية الفعالة، ونظراً للتزايد الملحوظ في أعداد النساء العاملات بالإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب بدبي، حيث تطلب الأمر إيجاد منصة تناسب خصوصيتهن من جانب وتسعى إلى تمكينهن في بيئة العمل من خلال التدريب والتأهيل من جانب آخر، كذلك برزت الحاجة إلى اللجنة مع خصوصية القضايا التي تهم الموظفة والتي تتطلب في كثير من الأحيان وجود إطار مرجعي نسائي يتفهم تلك الخصوصية ويتعامل معها بذكاء ومهارة خاصة وأن عدد متعاملات الإدارة من مختلف الجنسيات في تزايد مستمر، بالإضافة إلى ضرورة تفعيل دور الموظفة العاملة المجتمعي والمهني والثقافي، ولعل الأهم من ذلك كله مساعدة الموظفات على تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والعائلية لتعزيز الترابط الأسري والمجتمعي.
وتستهدف اللجنة موظفي الإدارة الذكور والإناث وأسرهم وشرائح المجتمع المختلفة مثل الأطفال والشباب وكبار السن من المواطنين والمقيمين، والجدير بالذكر هو أن لجنة حواء خدمت خلال السنوات الثلاث السابقة (2008- 2009-2010) ما يفوق عن 317795 متعاملة.
