«الضرب ليس هو الأسلوب الأمثل في تأديب الأطفال، ولا يجوز بأي حال ضرب الأطفال في سن الطفولة»، هكذا جاء في نص الفتوى الدينية التي أصدرها المركز التابع للهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، ردا على سؤال من أحد الآباء يسأل حول جواز ضرب ابنه ذي العامين ونصف العام لتعليمه دخوله الخلاء. هذه العبارة استوقفت العديد من الناس، الذين قالوا هل ضرب أبنائهم أصبح اليوم غير جائز وبحكم المنع، كما تساءل البعض عن العمر الذي يمكن أن يؤدب فيه الابن، إذا لم ينفع معه الحوار، كل ذلك نقلناه إلى مختصين في هذا المجال ومعنيين مباشرة بالأمر من خلال إشرافهم اليومي واطلاعهم المتواصل على مضار وتأثير الضرب على الأبناء، كما ننقل هنا أكثر من رأي اجتماعي وديني وتربوي، وقبل ذلك نقرأ الأسباب التي دفعت المركز إلى إصدار هذه الفتوى، حيث أشار المركز إلى أن العديد من الدراسات ذكرت أن ضرب الأبناء خصوصا في سن مبكرة، له انعكاس سيئ على مستقبلهم، ويولد لديهم كثيراً من الآثار غير المحمودة مثل العدوانية والجرأة على الأبوين.

 

الأطفال أمانة

بداية تحدثنا عفراء البسطي المدير التنفيذي لمؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال قائلة: كأم ومسؤولة في هذه المؤسسة ومن منطلق المبدأ في التربية، أرفض بتاتا أسلوب الضرب لأي سبب كان، وهناك عدة أساليب وطرق بالإمكان أن تجعلنا نفتح حوارات مع أبنائنا، والتربية الصحيحة تبدأ مع الأبناء من البيت، حيث تنشأ فيهم الأخلاق الرفيعة والسلوك الحسن، ونحن في مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، نولي الأبناء اهتماما خاصا بسبب تعرضهم لعنف أو ضرب، كما ان حملة (طفولتي أمانة.. فاحفظوها) في موسمها الثاني، تأتي لتعزز جهود المؤسسة في التثقيف المجتمعي عن الإساءة للأطفال والتحرش الجنسي بهم، ومن أهم الإنجازات في هذا المجال دخولنا المدارس والجامعات ليس فقط لتوعية الأخصائيات الاجتماعيات بل لبناء علاقة وطيدة مع الطلبة والأهالي، وذلك من خلال المحاضرات وورش العمل المستمرة بهدف الوقاية من العنف وتقوية الروابط الأسرية بتبني أسلوب الحوار، ونتبع في هذا الاتجاه إحياء بعض الأنشطة، كالمرسم الحر وحضور شخصيات كرتونية من شعبية الكرتون وتوزيع مطبوعات التوعية، ومسرحيات قام بتحضيرها وتنفيذها طلبة المدارس حيث ستعرض في مدرستي أسماء بنت النعمان للبنات، ومدرسة محمد بن راشد للبنين، بالإضافة إلى جامعة زايد وكلية التقنية للطالبات في دبي، وسوف نستمر في حملتنا هذه على مدار شهر ابريل وفي أكثر من موقع، المهم إيصال صوتنا المتمثل بمنع العنف الموجه للأطفال سواء كان عنفا جسديا أو جنسيا، وأكرر مرة أخرى رفضي بشكل قاطع لأي عنف مع الأطفال، وبعدم استعمال الضرب مهما كانت الأسباب، فالضرب يؤدي إلى زرع العنف والعدوانية في نفوسهم، وقد يؤثر ذلك على المجتمع في حال تفشي مثل هذه الظاهرة.

نهي

وقال عبدالله احمد الفلاسي من مسلسل «شعبية كارتون»: يعتقد بعض الآباء أن ضرب الطفل بمثابة إيلام بدني لمعاقبته على خطأ أرتكبه، في حين أن الحقيقة تؤكد أن الطفل خلال التسع سنوات الأولى، لا يمكنه أن يدرك العلاقة بين الخطأ الذي يرتكبه وبين الأداء البدني الذي يقع عليه، وبالتالي في اعتقادي أن الهدف من الضرب لا يتحقق، بل يؤدي لنتيجة عكسية في تربية الطفل، ومن هذا المبدأ يأتي تواصلنا الكامل مع الحملة الإنسانية التي تقوم بها مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، وفي تحقيق الأهداف المنشودة وترجمة شعارها إلى ارض الواقع، وإيصال رسالتها إلى المجتمع، ونتطلع ونتمنى من خلال مشاركتنا أن تؤتي الحملة ثمارها في إيصال رسالتها وتسليط الضوء على ظاهرة التحرش بالأطفال أو العنف معهم لأي سبب كان، وهو موضوع يهم المجتمع بالدرجة الأولى ويحتاج إلى التوعية اللازمة والتي ستكون منطلقا في المحاور الكاملة للحملة الجديدة.

وتضيف فاطمة حسن عيسى إعلامية في التثقيف المجتمعي: الحوار والترغيب والتفاهم مع الطفل هو الطريق الأنسب، والضرب وسيلة عقيمة لا شك أنها تؤدي في الأخير إلى خلق طفل عدواني، وأقولها صراحة إذا كان هناك من الآباء من سأل عن أمر ضرب الطفل في عمر السنتين او الثلاث سنوات، ورد عليه بأن ذلك لا يجوز، فأقول ان على الآباء والأمهات تربية أبنائهم تربية سلوكية وأخلاقية بعيدا عن الضرب، وإذا كان هناك من يريد أن يعلم ابنه دخول الخلاء لقضاء حاجته، فعليه أن يدرك ان ذلك لا يأتي بالضرب، بل بالتعود والتدرج ومع مرور الأيام يكون الطفل قد استوعب كل ذلك، دون أن نخلق فيه نزعة للعدوانية، ولقد نهى الإسلام عن ضرب الطفل قبل سن عشر سنوات، وقال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في مسألة تربية الأبناء، «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم وهم أبناء عشر»، وهذا يعني النهي عن ضرب الطفل قبل عشر سنوات وألا يكون ضرباً مبرحا أو مؤذيا، وتؤكد الدراسات التربوية التي أجريت على ‬95٪ من الأطفال، الذين يتعرضون للضرب من قبل الآباء والأمهات، أن ضرب الأطفال يكون نتاج انفعال ينتاب الأب أو الأم، ويحاول التنفيس عنه من خلال الضرب، وليس تحقيق هدف تربوي معين، بل إن الضرب له آثار نفسيه سيئة بالطفل تضر بنموه التربوي.

 

الحماية مطلوبة

يقول التربوي عبد الحميد صالح جعفر: لا شك ان المبالغة في القسوة تؤدي إلى نتائج عكسية

غير مرغوب فيها، فالطفل الذي يضرب بشدة يصبح ضعيف الشخصية، والضرب يؤثر عليه سلباً، مما يسهل انحرافه وانجراره إلى الجريمة، كذلك الدلال الزائد يؤدي إلى تدمير الابن ويفقده شخصيته، فيكون سريع الانقياد وأي شخصية تؤثر فيه، وعدم الاتفاق بين الأبوين في أسلوب التعامل والتربية، يؤدي إلى شعور الابن بعدم الثقة بقرارات الأهل والاستهانة بها أو التحايل عليها، ومن أهم الأخطار الجهل بالمراحل العمرية وعدم الانتباه إلى الفروق العمرية بين الأبناء، فمعاملة ابن السنوات الثلاث تختلف عن معاملة ابن العشر وتختلف عن ابن الخمس عشرة، وعلى المؤسسات والمنظمات المعنية بحماية الأطفال من أعمال عنف أو ضرب، ان توجد برامج توعية للآباء والأمهات في كيفية تربية أبنائهم وعدم الانجرار إلى أساليب قد تؤثر سلبا على العائلة والمجتمع كله، إن حوادث العنف التي يرتكبها الكبار ضد الأطفال مهما كانت صغيرة فإنها تترك جرحا نفسيا عميقا، وان هذا الجرح يتزايد مع استمرار الاعتداء بالضرب علي الطفل.

ويضيف الطالب محمد بن عابد: مسألة ضرب الطفل تعد في حد ذاتها أمرا غير مقبول، وهو أمر غير مرغوب به أيضا، واعتقد ان الطفل إذا تعرض للضرب فسوف يصاب بخلل واضطراب في سلوكه، وأفضل كما تعودنا من تربيتنا أن يكون هناك توازن في التربية وإعطاء الطفل الثقة في نفسه من خلال غرس الحب والحنان فيه، وهناك أساليب كثيرة إذا أردنا ان نعلمه التصرف في بعض الأفعال، وليس عبر ضربه أو الصراخ في وجهه، فالإساءة أو استعمال وسيلة الضرب، تعد من القضايا التي تشكل مصدر قلق لكثير من الناس، وعلى الآباء ان يدركوا ذلك وأن يعوا جيدا ان العنف يخلف سلوكا معاكسا.

 

آثار مرضية خطرة لضرب الأطفال

 

دلت الدراسات الخاصة بضرب الأطفال، على أن معايشة العنف في البيت قد تكون له عواقب وخيمة على الصحة العقلية للأطفال، وقدرتهم على عدم التفاعل مع متطلبات حياتهم اليومية، وبنى الباحثون نتائجهم على بيانات جمعت من أسر عربية عشوائية، مشتبه في إساءتها بمعاملة الأطفال بالضرب أو إهمالهم، كما وجدوا ان النساء اللائي يتعرضن لإساءة معاملة بدنية، يصبحن على الأرجح أكثر عدوانية تجاه أطفالهن من الأخريات أو يستخدمن العقاب البدني، وهو ما يفسر جزئيا المعدلات المرتفعة لحالات الاكتئاب والقلق والسلوك العدواني بين أطفالهن، وقالت الأخصائية في علم النفس الدكتورة أزهار ان ضرب الأطفال لإرغامهم على فعل شيء رغم إراداتهم، يؤثر سلبا في نموهم وبالتالي ينعكس عليهم في التصرفات والسلوك اليومي، فمن حيث التصرفات يظل الطفل الذي يتعرض للضرب، على عناده في الرفض، بينما الطفل الذي يتم تعويده على فعل الشيء بالإقناع والتوجيه، تكرس عنده حالة الطاعة وبالتالي يقوم بتلبية ما يطلب منه، وهكذا علينا أن نعود أبناءنا أولا بالحوار والإقناع، ومن هم دون الثالثة علينا أن نتفاهم بعهم بحوار الإشارات.