«من لا ماضي له ليس له حاضر» مقولة أطلقها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه، يحض فيها على التمسك بالتراث والماضي، وعدم التخلي عنه والاستعانة بالحاضر.

تميزت كل دولة بهويتها الوطنية وتاريخها وحضارتها، وتميزت الإمارات بامتلاكها رموز وثقافات تراثية على مر التاريخ، جعلتها مختلفة بتقاليدها وعادات أهلها الجميلة في المناسبات والمهن التي امتهنوها في الحياة القديمة.

وطمح مجموعة من هواة التراث في الحفاظ على الموروث الشعبي الإماراتي، وجمع كل البيانات والمعلومات التي تخص بلادهم، وإبراز ما تم جمعه للجيل الجديد الذي طغت عليه متغيرات العصر الحديث، وأزاحت ملامح التراث والتاريخ القديم عن ثقافته؛ لذلك سمت المجموعة بعلمها ودراستها في سبيل الحفاظ على هذا الموروث. هذه المجموعة تسمى هواة التراث، وهي مجموعة من المواطنين الإماراتيين تم اختيارهم وفرزهم من بين ‬130 فرداً، عن طريق وزارة الشباب والثقافة في الدولة ليدرسوا الدبلوم التخصصي في التراث عام ‬2009. توجهوا إلى التراث وتصاعدت آمالهم في ترقب النتائج المترتبة على عملية البحث في التراث ودراسته، ونهجوا طريقهم في الكشف عن ماضي الإمارات القديم.

 

فكرة رائدة

نساء ورجال جمعتهم مقاعد الدراسة ورحلات البحث الميدانية من أبوظبي إلى الفجيرة، كشفوا فيها زوايا جديدة في التراث، وتقول موزة العامري: كانت هذه الفكرة رائدة والأولى من نوعها في الدولة، وحلماً تمناه كل محب للتراث للحفاظ على هويته وموروثه وتراثه، وقد ولدت الفكرة بحرص من وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع لإثراء الثقافة الشعبية، وإحياء الموروث الشعبي في ذاكرة الأجيال وتدوينه وحفظه ودراسته، وبالتعاون مع جامعة الإمارات تم الإعلان عن فتح باب التسجيل لدبلوم التراث.

وبدأت الدراسة في الرابع من أكتوبر عام ‬2009 حتى ‬28 يناير ‬2010 بمعدل ‬180 ساعة، موزعة على ثلاث ساعات يومية، وتمتد من الأحد إلى الخميس. وشملت محاضرات نظرية وتطبيقية وانتهت دراستنا النظرية في نهاية ‬2010، وبدأت بعد ذلك دراستنا الميدانية التي استمرت لمدة شهر. وأشرف على تعليمنا نخبة من الأساتذة والأكاديميين من خارج الدولة وداخلها. وتمت دراسة مناهج عدة ومساقات أهمها: أنواع التراث، التراث والتاريخ، التراث والسياحة، التراث والحضارة، وغيرها الكثير من المواد الجامعية التي تندرج تحت مسمى التراث، والتي كان مجموعها ما يقارب ثلاثين مادة نظرية.

وأشارت كلثم عبدالله إحدى المنتسبات إلى البرنامج إلى أن مبادرة الوزارة جاءت متوافقة مع آمال الكثيرين، ممن لهم اهتمام بتنمية وتوثيق التراث بأشكاله المختلفة وشكل حركة نشطة عالجت صدور الجميع، بما فيها المؤسسات المجتمعية والإعلامية، بعد تخريج المجموعة المكونة من ثلاثين رجلا وامرأة من المتميزين بعد ساعات طويلة من الدراسة الأكاديمية والعملية.

وقالت عبدالله: كان المشاركون في هذا البرنامج يحضرون إلى جامعة زايد بدبي يومياً من شتى إمارات الدولة من الفجيرة إلى العين، بروح وثابة يملؤها الحماس وحب التعلم. وأتساءل عما آل إليه مصير هؤلاء الطلبة المتحمسين للمشاركة والعطاء للوطن بعد تخرجهم.

وعبر خالد بن جميع عن أسفه لما حل في نهاية المطاف بالمجموعة، وقال: نحن خريجو الدبلوم التخصصي في التراث، أو بالأحرى مجموعة تراث الإمارات الباحثين والمهتمين بالتراث، الذين اجتازوا أول دبلوم مهني متخصص بالإمارات تحت مظلة وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع وجامعة الإمارات، والتي أخذت على عاتقها مهمة جمع التراث الإماراتي. وللأسف تخرجنا من الدبلوم، وشاركنا بأيام الشارقة التراثية تحت اسم مجموعه تراث الإمارات برعاية الطلبة الدارسين، وحتى الآن لا نعرف ما هو مصير الدبلوم الذي خلق إشكالا بين وزارة الثقافة وجامعة الإمارات، ألا وهو اتفاق الجامعة على منح الدارسين شهادة البرنامج التخصصي

في التراث، وبالطبع وزارة الثقافة ترمي خطأها على موظفين عدة بالوزارة وكل يوم تلوم شخصاً ونحن ضائعون بين أستاذ فلان وأستاذة فلانة، وليومنا هذا لا نعرف ما هو مصير الدبلوم، وحسب ما علمنا من أقاويل بأنهم سوف يستبدلون شهادة الدبلوم بشهادة من وزارة الثقافة تسمى الدبلوم التخصصي للتراث، إضافة إلى شهادة مشاركه تخصصية في التراث من جامعة الإمارات وهي ما حصل عليه الخريجون. ومضى على تخرجنا سنه وثلاثة أشهر بدون الاستفادة من الخريجين بشيء، سوى استدعاء بعضهم للمشاركة في لجنة الجرد السنوي للتراث الشفوي مع وجود الوعود لمشاركة جميع الخريجين في الجمع الميداني، ولكن حدث ولا حرج.

 

صدمة الخبر

ووقعت مفاجأة صعقت حماسهم، وعنها قال سالم الشحي: كنا على مقاعد الدراسة في الجامعة، ودخل علينا مدير التعليم المستمر بالجامعة؛ ليخبرنا أن دراستنا لن تعتمد كدبلوم، وإنما ستكون مجرد مشاركة في برنامج تخصصي، الأمر الذي أدى إلى إحباط تام لدى جميع الطلبة، مما دفع بعضهم إلى التغيب وعدم الالتزام بالحضور يومياً، ولكن أساتذتنا حريصون على الوقوف بجانبنا، وقاموا بالتخفيف عنا إلى آخر يوم في الدراسة. وللأسف كنا نعرض الشهادة التي حصلنا عليها على بعض إدارات الموارد البشرية في مؤسساتنا لتقييمها، والتساؤل حول أهميتها، وكانت إجابة

مدير هذه الهيئات بأن حالها كحال أي شهادة تقدير أو مشاركة. ويؤكد الشحي على أهمية الدور الذي يقدمه أعضاء المجموعة قائلاً: أثناء دراستنا الميدانية، قابلنا الكثير من الرواة، وثلاثة من هؤلاء الذين قابلناهم فارقوا الحياة وكان الحظ حليفاً لنا، فقد توفي أحدهم بعد زيارتنا له بيوم واحد، وها نحن اليوم مهمشون مع الأعمال التي سعينا فيها لمنع هذا التراث من الاندثار والحفاظ عليه.

ويشير الدكتور حمد بن صراي أستاذ التاريخ والآثار في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية التابعة لجامعة الإمارات قائلاً: وددت أن تكون هناك رابطة أو جمعية تراثية تجمع بين هؤلاء الخريجين، ويعتمدون فيها من وزارة الثقافة

والشباب، وتفتح أبواب التسجيل فيها للجميع في سبيل التقدم لعلم التراث. من ذلك، كان هؤلاء الطلبة حريصين على تلقي البيانات والمعلومات، وبذلوا ما بوسعهم للحصول على الشهادة، وكانت النقطة الوحيدة التي أثنتهم عن الدبلوم اختلاف الشهادات العلمية بين الطلبة، فبعضهم حاصل على شهادات عالية في التعليم العالي، وآخرون شهاداتهم لا تؤهلهم من هم دون الثانوية، وهذا حاجز لا نستطيع تخطيه؛ لأن شهادة الدبلوم لها شروطها الدولية المتعارف عليها.

واقترح بن صراي أن توفر الوزارة مشاريع بحثية علمية، بالتنسيق مع أساتذة التراث والطلاب المنتسبين، للمشاركة في المعارض الإقليمية والدولية، واختيار هؤلاء الطلبة ليمثلوا الإمارات

في هذه المعارض، كما حث على أن تكون هناك برامج إذاعية وتلفزيونية توضب هؤلاء الطلبة في التنشئة والإعداد.