يعتبر المقهى الشعبي منذ مئات السنين، مكان التجمع الوحيد للشباب والكبار، وعلى طاولاته تدور الأحاديث المختلفة، وبعضهم يجد رغبته في تدخين النارجيلة (الشيشة)، والكثير ربما يقضي الساعات الطويلة، إما في مشاهدة الفضائيات لمسلسلات ومباريات كرة القدم، أو في لعب الورق والشطرنج، ومع دخول خدمة الانترنت في بعض المقاهي، أصبح بعضهم يمارس عمله، ويقيم اجتماعاته في هذه المقاهي، بل لاحظنا خلال جولتنا في أكثر من مقهى، أن إعلاميين رياضيين يعدون مواد برامجهم في هذا المكان، ومهندسين يعدون تصاميم عملهم وأطباء مع أصدقائهم.

إذن أصبحت هذه الأماكن ملتقى لشرائح مختلفة، شباب ورجال من كبار السن، ومثقفين وإعلاميين ومن عامة الناس، هذه المقاهي هي أيضا ذات دلالة للمكان والزمان، فهي تحمل أسماء بعضها يشير إلى أسماء مدن ومعالم سياحية، وبعضها يحمل أسماء لروايات مشهورة كتبها كبار الكتاب العرب، كما أصبح للمقهى شكل أكثر تطورا في خدماته، وأكثر إغراء لمرتاديه، وفي هذا الاستطلاع نبحر في عالم المقاهي قديما وحاضرا.

 

المقهى حاضراً

يقول محمد الجعيدي (معلق رياضي) أحد مرتادي المقهى في اعتقادي أن المقهى لم يعد قاصرا على كبار السن وأصحاب الحرف والمهن، اليوم أصبح يجتذب الغالبية من الشباب، حتى ان بعض الأسر أصبحت تفضل قضاء سهرة آخر الأسبوع في المقهى، خاصة بعد انتشار المقاهي الحديثة والسياحية، المجهزة بأحدث وسائل الترفيه، ويمكن القول ان انتشار ظاهرة تدخين الشيشة، زادت أيضا من عدد المقاهي، المنتشرة اليوم في أنحاء كثيرة من الدولة، باستثناء إمارة الشارقة التي يمنع فيها (الشيشة)، ولجذب الرواد والزبائن من مختلف الشرائح، أطلق على عدد كبير من المقاهي، أسماء معالم تاريخية وسياحية، وأسماء وعناوين لمسلسلات مثل (الحلمية) و(المشربية)، والبعض أطلق أسماء ثلاثية نجيب محفوظ (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، وهناك أسماء لمقاهي مثل (الفيشاوي والحرافيش ورمسيس والخديوي وخان الخليلي) ، وكان مقهى (الاستكانة) في دبي في وقت مضى، ملتقى للعديد من الشعراء والملحنين والفنانين، الذين يجدون فيه مكانا مريحا لتبادل الآراء والأفكار.

ويتابع: ربما أنا وأصدقائي وجدنا في هذا المقهى خان الخليلي، المكان المريح للحديث عن أفكارنا، وأيضا لطرح الرؤى فيما يخص عملنا، خاصة ونحن نعمل في مجال الاعلام الرياضي، وعموما المقهى اليوم مختلف عما كان عليه في السابق، إذ توجد فيه كافة الخدمات، ويلبي رغبات مرتاديه. ويقول نبيل العوذلي من مقهى (الفيشاوي): المقهى الحديث منتشر اليوم في أماكن عديدة من إمارات الدولة، وهو مكان أعتبره ملتقى للأصدقاء، الذي نجتمع فيه بشكل شبه يومي، بالطبع جمعنا هذا يضم مجموعة من الأصدقاء، الملتقية على آراء وأفكار واحدة، وكثير من الأحاديث المتنوعة تدور في هذا اللقاء، كما نجدها فرصة للترفيه عن أنفسنا، من خلال ترك البيت ولو لساعات قليلة، وأقصد بذلك الابتعاد عن أجواء البيت، الذي عادة ما يكون روتينيا، فقط أريد أن أقول، بأنني لست مواظبا في الحضور للمقهى بشكل يومي، فأحيانا العمل يكون له الأولوية، لكن في الإجازات أفضل أن ألتقي أصدقائي، في هذا المكان المريح.

 

تبادل الآراء

ويقول علي سرحان (ملحن): الجلوس في المقهى له دلالته، ورواده يجدون فيه فرصة لتبادل الآراء والأخبار، وأحيانا في قضاء الوقت، لمشاهدة البرامج والأفلام ومباريات كرة القدم، التي تبثها مختلف الفضائيات، والمقهى الشعبي اليوم يعتبر امتدادا للمقاهي القديمة، مع اختلاف قليل في التفاصيل، والجميل أن بعض المقاهي، تحولت إلى ملتقى وواحة للفكر والأدب والفن.

ويستذكر حمد إبراهيم (موظف): في الماضي البعيد كان المقهى مكانا، يجمع عدداً كبيراً من الناس، وعلى مقاعد هذا المقهى، الكل يتحدث عن همومه ومشكلاته، وكان الأصدقاء يجتمعون بمواعيد معينة طبعا في المساء، وهذه المجموعة مع اعتيادها الجلوس باستمرار في المقهى، تشكل لديها نوع من التعامل الأخلاقي والإنساني، فمثلا إذا غاب احدهم أو تأخر عن الحضور، لا بد من الجميع أن يسأل عنه ويطمئن عليه، خشية أن يكون أصابه مكروه أو ألم به طارئ، لكن الحال اليوم تغير، والناس أيضا تغيرت، والمقهى أصبح يحمل صفات البشر الآن، وأصبح مكانا غير الذي عرفناه، ولكنه يبقى من العادات التي لا يمكن محوها أو إلغاؤها، نحن اليوم في عصر جديد، تتغير فيه مفاهيم الحياة، مع كل اشراقة جديدة للصباح.

فهمان حسن صالح (موظف) يقول: في اعتقادي كان المقهى الشعبي، ولا يزال مكانا لاستعادة الذكريات القديمة، أشعر فيه بحنين خاص يلون كل التفاصيل بألوان زاهية وجميلة، في المقهى نلتقي أنا وكثير من أصدقائي، ولكن معظم حديثنا، يدور عن الشباب والجيل الجديد، الذي يعيش أجمل حياته، خاصة وأننا نعيش في زمن غير زمن الآباء والأجداد، الذين عانوا كثيرا في حياتهم المعيشية، لذلك يأتي حديثنا في هذا الإطار.

محمد محمود (مقاول) يقول: شخصيا أجد سعادة، عندما ألتقي بأصدقائي في مقهى، يجمع بين الترفيه البريء، والاستمتاع الجيد بالوقت، قد يكون هناك نقاش معين، وربما آراء وأفكار نختلف حولها، ولكن في الأخير، نجد أننا تحدثنا، وتحاورنا، وتبادلنا الآراء والأفكار، وخرجنا برؤية واحدة، كل هذا في مقهى تتوفر فيه كافة الوسائل، وصاحبته لطيفة وودودة مع جميع مرتادي المقهى.

 

أفضل الخدمات

ويرى حسن علي (صاحب مقهى) أن المقهى يختلف من مكان لآخر، فيما يقدمه من خدمات لزبائنه، ويحرص كل صاحب مقهى، على تقديم أفضل الخدمات وأسرعها، وما يميز المقهى الشعبي عن المقهى الغربي، أن المقهى الشعبي هو مكان تلتقي فيه جميع الشرائح، من مثقفين ومهندسين وأطباء، وأيضا من عاملين وبسطاء، وجميعهم يقضي الساعات الطويلة، في جو اقرب إلى اجتماع الأصدقاء، وفي اعتقادي، أن انتشار العديد من المقاهي، بالمواصفات التي هي عليها اليوم، يعتبر ظاهرة صحية ولكن في اطار مراعاة العادات والتقاليد، بحيث لا يكون المقهى مكانا للأطفال دون الــ ‬18 سنة، ولا يحتل موقعه في حي سكني مكتظ بالناس.

احمد فارس المعنى (صاحب مقهى) يقول: المقهى قديما، كان أفضل بكثير عن مقهى اليوم، من حيث خصوصيته ومرتاديه، أنا شخصيا أفتقد لدور المقهى قديما، وتلك اللقاءات والاجتماعات التي تضم أبناء المدينة، كان الفرد منا يشعر بأنه بين أصدقائه وأحبابه، وإذا غاب أحدنا عن المقهى، الجميع لا بد أن يسأل عليه، ومن خلال إشرافي على المقهى، ألاحظ أن المقهى أصبح اليوم، مكانا فقط لقضاء الوقت والتسلية ، ومعظم الذين يرتادون المقاهي، هم هاربون من مشكلات وأعباء ومتطلبات البيوت، وربما من مشكلات خاصة، مثل عدم حصول الشخص على عمل، فنجده يتصفح الجريدة في المقهى، وخاصة صفحات الوظائف.

بريوم (صاحبة مقهى): المقهى مكان يلتقي فيه الكثير من الأصدقاء، ومن خلال المقهى الذي أملكه، أرى يوميا الكثير من الوجوه التي تفضل اللقاء في هذا المكان، قد يكون البعض يرغب في مقابلة أصدقائه خارج بيته، لأسباب عديدة، لكن المكان المريح الذي لا توجد فيه قيود هو المقهى.

 

المقهى الحديث ملتقى الأسرة وأصدقائها

 

ليس مذاق القهوة في (الكوفي شوب) ولا الكراسي المريحة وحدهما يجذبان الأسر بمختلف جنسياتها، ولا المشروبات الحارة والباردة مثل الاسبريسو، والكابيتشينو، وقهوة الكراميل والتوفي والبندق، هي التي يسعى الجميع لها، بل لا شك يوجد جاذب لهذا الملتقيات التي تجمع معظم الأسر وأصدقائها، وهو المناخ الهادئ والديكورات البديعة والجميلة، كما ان (الكوفي شوب) استطاع أن يجذب النساء على اختلاف توجهاتهن الفكرية والثقافية والمهنية على حد سواء، فالمقهى الحديث هو المكان الوحيد الذي يتيح حوارات مصحوبة برائحة ومذاق القهوة ، أما الجانب الجمالي المتمثل في ديكورات المقهى الحديث فإنها توحي بموضة العصر الثمانيني ذات الألوان الصاخبة وهي تضفي روحا ساحرة للمكان، كذلك اللوحات الفنية التشكيلية تزيد هي الأخرى من جذب الأسر ، أما فوائد الجلوس في (الكوفي شوب) لدى الصحفي والملحن والمهندس والطبيب فان لكل واحد منهم حكايته الخاصة، فالصحفي يستطيع أن ينسج قصته الصحافية أو يكتب تقريره في إحدى زوايا المكان، وكذلك المهندس الذي يراجع تصاميمه والملحن الذي يضع إيقاعاته ليكملها في الاستديو أما الطبيب مع أصدقائه فهم يتحدثون عن آخر الاختراعات التي تمت في مجال الطب أو عن يوم شاق مر في حياتهم.