دعانا المكتب الثقافي في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة إلى لقائه، وفي إحدى قاعات مسرح نادي سيدات الشارقة التقيناه. انه نموذج لشخصية عربية بقيت ثابتة على مبادئها طوال مسيرتها الفنية والإبداعية. ينتمي لشريحة ندرت في وقتنا الحاضر.. المحاصر بالمتطلبات والاحتياجات والمعوقات، حيث يجد المرء نفسه بين مطرقة الاحتياج وسندان قلة الإمكانيات، حتى يقع في مالا بد من الوقوع فيه.. ألا وهو إما التنازل، أو الانضمام إلى الركب الذي يفضل السلامة والمصلحة الفردية. انه صاحب رحلة المليون الذي سحره عالم الموسيقى والباليه، لكنه اتجه للتمثيل وقدم مع زميله لينين الرملي أفضل أعمالهما «الجوكر»، «أنت حر»، «الهمجي»، «البغبغان»، «تخاريف».
لكنه منذ أن قدم للتلفزيون مسلسل «فرصة العمر» في منتصف السبعينات توقف ليعود في عام 1984 من خلال مسلسله الشهير «رحلة المليون» بجزأيه الأول والثاني. في عام 1994 بدأ في تقديم شخصية «ونيس» من خلال مسلسل «يوميات ونيس» في ستة أجزاء، عرض من خلالها هموم الأسرة العربية وما يصادفها من عقبات أثناء تربيتها لأبنائها، وفى عام 2009 قدم مسلسل «أحفاد ونيس»وقد أصبح أولاد ونيس متزوجين وعندهم الكثير من الأحفاد الرائعين يتحدث في المسلسل عن مشاكل وقضايا الأطفال والمستقبل التي سيواجهوها.
انه الفنان محمد صبحي، الحاضر ضمن فعاليات ايام الشارقة المسرحية التقيناه في جزء من يومه مستعرضا تجربته.
أعظم سلاح
يقول صبحي: قد أكون من المحظوظين، على الرغم من كوني عاصرت أكثر من حرب، فقد ولدت في العام 1948 وهو عام النكبة حيث نشبت حرب فلسطين، وتتالت بعدها الحروب التي شهدتها على مدى مراحل عمري، وربما هذه المجريات شكلت افكاري وقناعاتي.
ومنها ثقتي وقناعتي بان الوطن الكبير لا يحميه إلا الطفل الصغير، لذلك لابد من توجيه الميزانية الأكبر للطفل، لتعليمه ورعايته وتوفير متطلباته واحتياجاته الصحية والنفسية والاجتماعية والتربوية والتعليمية. فالطفل مواطن صالح وهو أعظم سلاح يخرج للعالم، لذلك لا يجب تبديد هذه الثروة والتي هي الطفل وإن فعلنا فسنصبح في فشل كبير. ولا يجب أن نستهين بمرحلته التعليمية التأسيسية فهذه المرحلة هي التي تتطلب حملة الدكتوراه أن يتولوا تعليمها، وليس طلاب الجامعة من يحتاجون أساتذة من حملة الدكتوراه.
3 في واحد
أنا كرجل تشتمل تركيبتي على رجل الشارع ورجل السياسة ورجل الفن، وهذه تركيبة يتشكل منها كل فرد، ولكن بطبيعة الحال بنسب إنما النسبة الأخطر هي رجل الشارع، لأن السياسي إذا كذب يسقطه الشعب، ورجل الفن إذا كُشف أسدل الستارة لكن المتلقي في الجانبين والحالتين هو رجل الشارع، وفي الحالتين فإن إسقاط السياسي وسقوط الفنان بيد هذا الرجل.. أي رجل الشارع.
ويومي كانسان وكفنان لا يختلف عن أي إنسان آخر لكني لست ممن يؤمن بشيء ويفعل عكسه، ولو كنت كذلك لقبلت العمل في مسارح الدولة. ولكني انحزت إلى العمل الحر حتى لا اضطر إلى تقديم تنازلات عن مبادئي وعما أؤمن به، فأنا أؤمن بأن الفن يبني العقول ويسمو بالوجدان والروح، لكن نعلم أيضا أن هناك فنا يهدم ويخرب.. سمعيا وبصريا وذهنيا.
الضحك الصحي
لا أنكر ضرورة أن يكون الفن مبدعا ولابد أن يحقق المتعة والدهشة، ولكن ذلك يتم من خلال مخاطبته للعقل. وهو ما اسميه الضحك الصحي، فأنت تفكر فتخلق صورة ذهنية في عقلك ثم تضحك، لذلك فان الفن ليس لهوا ولكنه مع الأسف في الأغلب وظف لهدم القيم.
وفي يومياتي أتعرض وأشاهد الكثير وأُستفز وأغضب مما يروجه الإعلام وهو مجال من مجالات الفن، فمثلا هناك إعلان يبث باستمرار يعزز قطع الأواصر الاجتماعية والأسرية وصلة القربى، حيث يشجع على القيام بواجب اجتماعي وإنساني وليكن العزاء مثلا برسالة نصية قصيرة، والتشجيع من كون القيام بهذا الواجب عبر الرسالة النصية انه يوفر الوقت والجهد، وهنا تكمن خطورة الإعلام، فمساوئ الإعلام ومخاطره إذن أكبر من فوائده.
الكرتون
وبرأيي أن أعظم وسيلة توظف للتخلف العقلي هي أفلام الكرتون الموجهة للصغار، زيدي عليها الكليبات السطحية المذاعة، ولا ينبغي أن أعارض ما هو سلبي في كل وقت، فأنا حين أفعل ذلك فإني أسلط الضوء عليه أكثر، وأسهم في تكراره ولو بهدف انتقاده فإني آتي على ذكره واستعراضه، وبالتالي فإني بذلك أخدمه بأن أسهم في إعادته أو تدويره، لذلك فإن تجاهله أفضل وأصوَب طالما أعمل على نقيضه الإيجابي.
ولكن أنا أفخر وأدهش حين اكتشف أن هناك حاكما مؤلفا وكاتبا ومبدعا، فوجود الحاكم المثقف أمر نادر في هذا العصر. حيث المتعارف أن يوجد حاكم يريد أن يغيب شعبه، بينما الحاكم المثقف فإنه يريد أن يغير شعبه ويطوره، وهذه نعمة تحسد عليها مجتمعات يرعاها حاكم مثقف كما في الإمارات عموما وفي الشارقة على وجه الخصوص.
كما إني افتخر بأنني خرجت على مدى عملي الأكاديمي 274 نجما من نجوم الفن خرجتهم من مدرسة أستوديو الممثل.
دهشة ودمعة
من أجمل يومياتي ذلك اليوم الذي اتصل بي فيه أحد شباب ثورة الخامس والعشرين من يناير أي شباب الثورة من ميدان التحرير، وكنت في هذه الفترة مريضا لفترة امتدت لشهر تقريبا، طلب مني أن أفتح التلفزيون وحين فتحته بكيت، حين قال لي انظر ماذا فعلت بنا، هذا ما علمتنا إياه في يوميات ونيس، نحن ننظف بلدنا ونعيد بناءها كما كان يفعل أبناء ونيس.
هذه رسالة الفن، فمن يقول إن الفن يعرض المشكلة فقط وليس وظيفته تقديم أو وضع الحلول، أقول له أنت مخطئ، فالفن يمكنه تقديم الحلول.
وهاهم شباب الثورة، وبرأيي هؤلاء شباب فقدوا الحلم فأصبحوا جمرة غضب وبارود اشتعل، لكنهم استلهموا الحل.
