على الرغم من الظروف القاسية التي تمر بذوي الاحتياجات الخاصة، والتحول المفاجئ لدى بعضهم من حالة السلامة والصحة إلى حالة الإعاقة، وعلى الرغم من احتياجهم لفترة من الزمن، حتى يعودوا إلى ممارسة حياتهم اليومية، فإن بعضهم حول حياته إلى سلسلة من الإنجازات التي لا تتوقف، وقبل تحدياً من نوع خاص هو تحدي العوائق التي تقف بينه وبين ما رسم لنفسه من أحلام أو طموحات.

وتعددت الأسباب التي ساعدت كل واحد من هؤلاء على تحقيق حلمه ومواصلة تحديه للظروف القاسية، منهم من ساعدته الأسرة على التفوق الرياضي، ومنهم من وقف مدربه بجانبه حتى وضعه على أول طريق النجاح، والبعض منهم اتخذوا مثلاً عليا من أشخاص أسوياء، ووضعوا نصب أعينهم أن يحققوا ما حققه هؤلاء الأسوياء.

 

الدمج

تقول فاطمة المنهالي المصنفة الثانية على مستوى العالم في ألعاب القوى وبطلة الدولة في عام ‬2005، وإحدى الحاصلات على الميدالية الذهبية في بطولة دول مجلس التعاون الخليجي إنها كانت محور اهتمام أسرتها منذ صغرها، واهتمت والدتها بإدماجها مع الأسوياء، ولم تقم بعزلها اجتماعياً وهذا هو الدافع الرئيسي لتفوقها الرياضي، فقد كانت ترى الأسوياء يحققون نجاحات في هذا المجال، وفكرت كثيراً في ضرورة أن تقتحم هذا المجال؛ لتثبت لذاتها أنها تتمتع بالمقومات التي تؤهلها للحصول على الميداليات الذهبية، كما أرادت أيضاً أن تثبت لأسرتها أن قيامهم بدمجها مع الأسوياء كان خطوة في الطريق الصحيح لم تكن لتحقق هذه النجاحات إن لم تقم الأسرة بذلك.

تشير فاطمة المنهالي إلى أنها بدأت رحلة التحدي عندما كانت في العاشرة بممارسة رياضة السباحة، وألعاب القوى، ودرست في معاهد خاصة بالمعاقين بعدما شعرت أن لديها ملكات لا تريد حبسها، وبعدما توسم فيها الأهل مواهب رياضية مبكرة، نجحت في تحدي صعوبة الاختلاط مع أصحاء، بل واستفادت منهم كثيراً.

 

 

مواهب فردية

تؤكد فاطمة علي ضرورة معرفة مواهب المعاق وتنميتها، بدلا من إهمالها، ومن ثم اندثارها، فالإعاقة البدنية لن تشكل عائقا في طريق الموهوبين وأصحاب العقول المتفتحة والإرادة الصلبة، فقط علينا اكتشاف ذلك في سن مبكرة حتى ندعمه بما يحتاجه من التوجيه والإرشاد والرعاية والموهبة، ليست بالضرورة موهبة رياضية، من الجائز أن يكون المعاق يجيد الرسم أو النحت أو أي من فروع الفنون التشكيلية أو اليدوية الأخرى. ويخطئ بعض أهالي ذوي الاحتياجات الخاصة عندما يتعاملون مع أبنائهم معاملة الكم المهمل، إذ قد يلجأ البعض لتقليل فرص خروجه من البيت لأسباب وحجج واهية، منها خوفهم عليه من حوادث الطريق أو غير ذلك من الأسباب، ولكن ذلك خطأ كبير لأننا نصادر عليه حقه في ممارسة دوره الطبيعي في المجتمع، لمجرد أنه محروم من الأداء الجسدي الطبيعي. 

المثل الأعلى

أما عبدالله اليماني فيرى أن تفوقه في مجال التجارة كان سببه والده رحمه الله، كان مثله الأعلى، وكان يشعره على الدوام أنه شخص سوي لا ينقصه شيء، وكان يحرص على أن يكلفه بمهام عادية في مجال التجارة لا فارق في القيام بها بين السوي والمعاق، ولذلك اضطر إلى أن يتعلم قيادة السيارات حتى يؤهل لاستخراج رخصة قيادة، ويشير اليماني إلى أن والده كان يتعمد إرساله في مهام عمل؛ منها مثلاً جمع الإيراد حتى يضطره إلى التعايش مع الإعاقة بصورة طبيعية، وحتى ينمي لديه الدافع إلى تطوير ذاته.

 

يشير اليماني إلى أن والده أهداه سيارة مجهزة

للمعاقين بعد حصوله على رخصة القيادة، ثم ما لبث أن التقى فتاة أحلامه في إحدى المؤسسات التعليمية التي انتسب إليها ليتعلم الحاسب الآلي، فتزوجها بتشجيع والده وأصبح لديه من الأبناء ثلاثة؛ أكبرهم يدرس في الجامعة.

يضيف عبدالله: «لم تتغير المشروعات التي رسمتها للمستقبل عقب حادث السيارة الذي أدى إلى حدوث إعاقة حركية بنسبة كبيرة أصابت العمود الفقري، وأدت إلى شلل في الطرفين السفليين، ولكنها لم تنل من إرادتي الصلبة وعزيمتي القوية لمواجهة الواقع الجديد).

 

روح التحدي

يقول عبدالله: (ملأني الإحساس بالأمل بروح التحدي، وشعرت أنني لم أخسر كثيراً، بل اكتسبت العديد من المهارات التي أعانتني على خوض غمار التجربة التي وضعتني الظروف فيها بنجاح تام، ومما زاد من إحساسي هذا حصولي على مستوى متقدم في اختبارات اللغة التي أجراها المركز الذي درست فيه، ثم بعد ذلك حصولي على شهادة اجتياز دورة الكمبيوتر بنجاح، وأعتقد أن هاتين الشهادتين كان لهما أكبر الأثر في تحقيق أحلامي المهنية والاجتماعية».

 

التكيف

يضيف اليماني: تغيرت تفاصيل الحياة، وإن لم تتوقف؛ في الصباح أذهب كعادتي إلى الدكان، وبعد الظهر أذهب إلى بعض المراكز التجارية بصحبة الأسرة، ثم في المساء نجتمع حول التليفزيون. لابد أن نحول مواضع الضعف في حياتنا إلى مواضع قوة، والله يعطي الإنسان قوة بدنية ونفسية لكي يقوى على تحمل الاختبارات التي يضعه فيها، وكل اختبار لابد أنه على قدر القوة التي يملكها الإنسان، وهناك قابلية كبيرة على التكيف منحها الله كذلك للمخلوقات بشكل عام وبني الإنسان بشكل خاص، يعينه من خلالها على مجاراة الظروف التي تستجد عليه بدنياً ونفسياً.

 

تشجيع المدرب

ويقول عبدالله إسماعيل مشموم بطل الإمارات والعالم للناشئين في رفع الأثقال إن وصوله لهذه الفئة كان نتيجة نوعين من التشجيع، الأول كان تشجيعه لذاته، والثاني كان تشجيع مدربه في اللعبة، وهو بطل سابق في اللعبة، وأحد المدربين المشهود لهم بالكفاءة.

يضيف عبدالله أن المدرب تيتو قاسم كان يضع أمامه أهدافاً تتدرج في الصعوبة، حيث استطاع في المرة الأولى أن يحقق هذا الهدف بيسر تام، ثم ازداد هذا الهدف صعوبة في المرة التالية؛ حيث طلب منه أن يرفع وزناً أثقل، وهكذا إلى أن وصل إلى مرحلة أحس معها بصعوبة التدريب، وقال لمدربه إنه فشل في رفع الوزن، ولكن بعد المزيد من التدريب والمحاولات استطاع مشموم أن يرفع الوزن وشارك بنفس هذا الوزن في بطولة العالم للناشئين، واستطاع أن يحرز الميدالية الذهبية للإمارات، وحاز اللقب الذي وعده به المدرب إذا أجاد التدريب.

 

حب الإمارات

أما عادل البلوشي فقد كان حافزه للتفوق حبه للوطن وشعوره بضرورة أن يرد له الجميل في صورة التفوق الرياضي. يقول البلوشي إنه انقطع فترة عن التدريب لشعوره بالإحباط نتيجة مروره بظروف معينة، ولكنه عند نقطة محددة من حياته وجد أنه أحد المرشحين للقب الدولي على اعتبار أنه من المصنفين الدوليين، ولأنه يشعر بالفخر لانتمائه إلى هذا الوطن، فقد كان حافزه الأول والأخير هو تحقيق المركز الأول وتقديمه هدية للوطن الغالي، واستطاع بالفعل أن يقتنع بضرورة عودته إلى التدريب قبل البطولة الدولية بفترة كافية.

حقق البلوشي للإمارات ‬6 ميداليات في منافسات ألعاب القوى، ويؤكد أن الدافع وراء التفوق كان الوقوف على منصة التتويج ورفع علم الإمارات عالياً خفاقا، كما يحب أن يراه دائماً.

 

فنان معاق

أما ثائر الشامي فهو فنان تفوق في مجال الرسم على الزجاج، يشير إلى الدور المهم الذي تلعبه الأسرة في نجاح أو فشل الفرد المعاق الذي ينتمي لهذه الأسرة، وعن تجربته يقول إنه أصيب بضمور في العصب الذي يغذي القدمين؛ مما أدى إلى إصابته بشلل نصفي للجزء الأسفل من الجسم، وتصادف أن زوجته كانت تعمل بمجال الرسم على الزجاج، وأرادت أن تهون عليه الفترات الطويلة التي يقضيها بمفرده أمام التلفزيون، حيث يشعر بأنه سلبي ليس له أي دور في الحياة.

يضيف أن زوجته قامت بتزويده بالخامات اللازمة للرسم، وأهم القواعد التي يقوم عليها العمل الفني وكيفية الحصول على درجات لونية متعددة من لون واحد، كما شرحت له الشخصية التي يلعبها كل لون في التكوين الفني، وشجعته على أن يبدأ العمل قبل ‬5 سنوات.

يقول الشامي: إن هذا التشجيع كان سبباً في تفوقه في المجال، حيث استطاع أن يقدم لوحات وصفها المختصون بأنها عالية الجودة من حيث المضمون والتنفيذ، كما شارك في العديد من المعارض المتخصصة في هذا النوع من الفنون، وحصل على جوائز عديدة من الجمعية السورية لهواة الفنون التشكيلية.

 رأي خبير

يقول الدكتور خيري أبو شارا استشاري طب تأهيل المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة: إن الإعاقة أنواع؛ منها الحركية أو الذهنية أو السمعية أو البصرية وهكذا، والشخص المعاق يحمل داخله كم من الحماس والإرادة لا يشعر بها المحيطون به، لظنهم أنه مستسلم للإعاقة، وهذا غير صحيح؛ لأنه يستثمر حواسه الصحيحة (غير المعاقة) في القيام بالدور كاملاً، ولكل من ذوي الاحتياجات الخاصة هدف يبحث عن فرصة مواتية لتحقيق هذا الهدف بصرف النظر عن الاتجاه، وربما يكون تحقيق التفوق في مجال الألعاب الرياضية، أحد هذه الأهداف لكونها أهدافاً تتميز بالوضوح والتقليدية، وتحتاج إلى المجهود العضلي الذي يسهم في امتصاص حماس واندفاع المعاق نحو تحقيق هدف أو إثبات الذات. 

وينبه د. خيري إلى ضرورة تأهيل المعاق واختيار المساق الذي يناسبه وعدم التعامل معه على أنه (ضيف عزيز)؛ لأن ذلك التصرف يؤثر سلبياً على الحالة النفسية ويحول مشاعره نحو تحقيق هدف سلبي إلى مشاعر سلبية تكره مفردات المجتمع، وبالتالي لابد من تفريغ هذه الطاقة فيما يفيد، سواء أنشطة رياضية أو فنية أو اجتماعية، مع ضرورة الاندماج مع الأصحاء في مؤسسات المجتمع المختلفة.