اعتادت الكثير من المجتمعات على غرس «ثقافة التطوع» في نفوس أبنائها منذ الصغر، ولعل هذا أكثر ما ميز المجتمعات الغربية عن غيرها، حيث يعود الطفل منذ صغره على حب العمل التطوعي وتقديم المساعدة للآخرين، وبلا شك أن المجتمعات العربية نفسها تمتلك أساسيات هذه الثقافة النابعة من تعاليم الدين الإسلامي، والذي يحض على ضرورة مساعدة الآخرين والنظر إليهم بعين العطف.
وفي مجال التطوع برزت في الدولة العديد من الجهات التي اتخذت شكلاً مؤسساتياً منظماً يحظى بالدعم الحكومي والمجتمعي في كل جوانبها، ويعتبر الهلال الأحمر الإماراتي من أبرز هذه المؤسسات التي استطاعت أن تترك بصمة واضحة في العمل الإنساني والتطوعي، من خلال مشاركاتها العديدة في تقديم العون للآخرين سواء داخل الدولة أو خارجها، وفي غضون فترة قصيرة استطاعت الهيئة أن تمثل الدولة في أكثر المناطق تضرراً في العالم.
ولأن فكرة الهلال الأحمر الأساسية تقوم على مبدأ التطوع فقد عملت الهيئة على تعميق «ثقافة التطوع» في نفوس صغار السن من الطلبة من خلال إنشائها لجماعة الهلال الطلابي لتكون ذراعا للهيئة يعمل على تحقيق أهداف الهلال الأحمر الإنسانية، وتوعية الطلبة لأهمية وضرورة العمل التطوعي وغرسه في نفوسهم، وقد نجحت الهيئة من خلال هذه الجماعات أن تجمع أكثر من 900 طالب ينتمون إلى 50 مدرسة بدبي وحدها وتتطلع هيئة الهلال الأحمر من خلالها إلى مستقبل وردي.
في هذا التقرير الذي تسلط فيه «البيان» الضوء على هذه الجماعة، التقت مع محمد عبدالله الحاج الزرعوني، مدير فرع هيئة الهلال الأحمر بدبي، الذي تحدث عن الهدف من وراء إنشاء جماعة الهلال الطلابي، فقال: «نحن نرمي من وراء تأسيس هذه الجماعة إلى تعميق الولاء والانتماء إلى الوطن وتبني مبادئ الهلال الأحمر الإماراتي، وترسيخ شعاره الهادف إلى العناية بالحياة، إلى جانب غرس مفاهيم العمل التطوعي في سلوك الطلبة، وتوعيتهم بالقضايا الإنسانية على مبدأ التكافل الاجتماعي، بالإضافة إلى إعداد كوادر طلابية تقوم على خدمة ونشر مبادئ الهلال الأحمر والمساهمة بتوعية المجتمع المدرسي والمحلي بأخطار الكوارث والعمل على حماية البيئة».
مهمات إنسانية
لقد توسعت جماعة الهلال الطلابي كثيراً في دبي، لتشمل 50 مدرسة حكومية وخاصة، ووصل عدد الطلبة المنتمين لها إلى أكثر من 900 طالب ويتوقع أن يرتفع عددهم إلى 1500 طالب خلال العام الجاري، وتتكون الجماعة من رئيس ونائب له وأمين سر وثلاثة مقررين للجان يعملون تحت إشراف الأخصائي الاجتماعي على أن لا يزيد عدد الطلبة الأعضاء عن 50 طالباً لكل مدرسة.
ويلقى على عاتق جماعة الهلال الطلابي عدد كبير من المهمات والنشاطات الاجتماعية والإنسانية، وحول أبرز نشاطات الجماعة قال الزرعوني: «من أبرز نشاطاتها تحقيق أهداف الهلال الأحمر الإنسانية ودعم كل ما من شأنه المساهمة في تحقيق كرامة الإنسان وحياة كريمة له، وتطبيق المبادئ السبعة الخاصة بالهيئة كجزء من المنظمة الدولية للهلال الأحمر والصليب الأحمر الدولي، إلى جانب المساهمة في التوعية بكل ما يضر المجتمع ويخدم توصيل رسالة أي هيئة حكومية مثل الشرطة وهيئة الصحة والبيئة والدفاع المدني والقيام بأي حملات تخدم هذا الغرض خاصة وأن الهيئة تعتبر مساندة لجميع الهيئات والدوائر الحكومية وتدرب متطوعيها وطلابها على تحقيق أهدافها».
داخل وخارج
لا يقتصر عمل جماعات الهلال على داخل الدولة فقط وإنما تشترك في بعض الأحيان مع بعثات الهلال الأحمر في مهماتها خارج الدولة، وعن ذلك قال الزرعوني: «لقد ساهمت بعض جماعات الهلال الأحمر الطلابي فعلاً في عدد من المشاريع الخارجية لبعض الدول المنكوبة، وعملت على جمع التبرعات المالية، كما نفذت هذه الجماعات زيارات ومشاريع ميدانية عديدة داخل الدولة»، وأكد بأن الطالب العضو في الهلال الطلابي يحصل على حق تحويل ملفه إلى متطوع رسمي بعد إتمامه سن الثامنة عشرة، وتحتسب له جميع أعماله المدرسية في الملف التطوعي ليصبح متطوعا فعالا، كما أكد بأن الطالب يمكن أن يصبح من المتطوعين المتميزين في مختلف الأنشطة الداخلية ويحصل على فرص للسفر مع الهيئة في بعض الحملات الخارجية.
وأشار الزرعوني إلى أن استجابة الطلبة لهذه المبادرة لاقت ترحيبا كبيراً من قبلهم على مستوى الدولة، وذلك لما تمثله الهيئة من مهام إنسانية سامية، إلى جانب أن الهيئة ساهمت بمنح الطلبة مزيداً من الثقة بالنفس من خلال المسؤولية التي يشعرون بها كممثلين لبلادهم، فضلا عن أن الهيئة عملت على مساعدتهم على بذل المزيد من العطاء.
وأكد على أن ثقافة التطوع ذاتها هي الأساس الذي تقوم عليه جماعة الهلال الأحمر، حيث يطلق عليهم لقب «المتطوعين الصغار» كونهم تحت سن الثامنة عشرة، وقال: «نحن نعمل من خلال هذه الجماعة على غرس ثقافة التطوع في نفس الطالب بشكل تدريجي عن طريق المحاضرات التوعوية وغيرها، وبلا شك أن مساعدة الطالب للآخرين يساهم في تحقيق الراحة له، وهو ما يعمق ثقافة التطوع لديه لتتسع حدودها بحيث لا تعد مقتصرة على مدرسته وإنما تدخل في كافة جوانب حياته ويكون الطالب قادرا على التأثير في أسرته».
اهتمام هيئة الهلال الأحمر بهذه الجماعات يبدو كبيراً وذلك من خلال سعيها لتطويرها، وحول ذلك قال الزرعوني: «نحن نسعى إلى تطوير هذه الجماعات بشكل كبير، وذلك حتى يصل الطالب إلى المرحلة التي يشعر بأنه يحمل رسالة أو مهمة سامية في المجال الإنساني والاجتماعي وكافة جوانب الحياة، وبتقديري إن إنشاء جماعة هلال طلابي مخلصة تضمن لنا وجودا مجتمعا مدرسيا سليما، يمكننا من الوصول في المستقبل إلى مجتمع نظيف من الأمراض والمشكلات الاجتماعية التي تنشأ مع الأطفال منذ الصغر».
آراء الصغار
من جهته قال الطالب خالد عبدالله من مدرسة الاتحاد الخاصة بالممزر وأحد أعضاء جماعة الهلال الطلابي: «هذه ليست المرة الأولى التي أكون فيها عضوا بإحدى الجماعات التطوعية، فانا عضو في هيئة الأعمال الخيرية في عجمان، وكذلك جمعية بيت الخير بدبي وجمعية الشارقة الخيرية، ومعظم اعمالي كانت محصورة بجمع التبرعات بالإضافة إلى مساعدة هذه الجمعيات في شهر رمضان سواء في تنظيم الإفطارات الجماعية أو جمع التبرعات، وكلها أعمال دون مقابل»، وأضاف: «انضمامي لهذه الجماعة كان بهدف حبي للعمل التطوعي والمحافظة على نشاطي في هذا الجانب، بالإضافة إلى تعزيز ثقافة العمل التطوعي لدى طلبة المدرسة فانا اطمح لأن تقطع مدرستي والمجتمع الطلابي مراحل متطورة من العمل التطوعي، خاصة وان لدينا في المدرسة كفالة اليتيم وعديد من النشاطات التطوعية والإنسانية الأخرى، وهذا بلا شك يساهم في تعميق التعاون والمحبة بين الطلبة أنفسهم ومع مجتمعهم أيضاً».
أما زميله الطالب عمر أحمد فقال: «هذه هي المرة الأولى التي أشارك فيها بإحدى الجماعات التطوعية، وانضمامي لها كان بدافع تعميق هذا الجانب في نفسي لما له من مردود نفسي جيد، فمن جهة يساهم في رفع ثقتي بنفسي، ومن جهة أخرى يشعرني بالراحة نتيجة مساعدتي للآخرين، خاصة وأن فكرة الجماعة تقوم على تقديم المساعدات الإنسانية وتلبية احتياجات الفقراء والعمل على بناء مجتمع أفضل».
لم يقتصر الانتماء لجماعات الهلال الطلابي على الذكور وإنما شملت الإناث أيضاً، فمن جهتها قالت عضو الجماعة الطالبة سارة عبدالرحمن المري: «لا يوجد لدي خبرة سابقة في العمل التطوعي وجاء عملي في الجماعات التطوعية نتيجة لشعوري بأنه يتوجب علي القيام بشيء نحو مجتمعي، وبلا شك أن فكرة الهلال الطلابي تعتبر واحدة من الأفكار القيمة التي تساهم في تغيير نظرة الطلبة إلى العمل التطوعي وتبين لهم مدى أهميته في المجتمع فضلا عن إنها تمكنهم من تقديم المساعدة للآخرين سواء داخل الدولة أو خارجها».
أما زميلتها الريم عيسى فقالت: «انضمامي لهذه الجماعة ليس فقط لأنها تحض على العمل التطوعي فقط، وإنما لأنها تعمل على زيادة مساهماتنا البسيطة في دعم الإنسانية ومساعدة المحتاجين من حولنا، إلى جانب إنها توضح لنا طبيعة الحياة واختلافها في المجتمع الواحد، وما يجب علينا أن نقدم للمجتمع الذي نعيش فيه وحتى للمجتمعات الأخرى خاصة التي تعاني من الكوارث والنكبات الناجمة عن الفيضانات أو الحروب وغير ذلك»، وأضافت: «تمكن الهلال الأحمر عبر هذه الجماعات من أن يزرع فينا حب العمل التطوعي وان ينمي فينا حب الخير والإقبال عليه بصدر رحب، خاصة وانه سبق لي المشاركة في توزيع الهدايا على المرضى، وحينها شعرت بقيمة مساعدة الإنسان ومدى التغيير الذي يمكن أن تحدثه الأعمال التطوعية لدى الآخرين». يبقى أن نقول إن الهلال الأحمر قد استطاع بالفعل أن يبني من خلال هذه الجماعات جيلاً من «المتطوعين الصغار» الذين يقبلون على العمل التطوعي بكل حب وسعادة.
الهلال يقر خطة متكاملة لجماعاته الطلابية
تسعى هيئة الهلال الأحمر الإماراتي من خلال جماعات الهلال الطلابي إلى تعميق الولاء للوطن والاهتمام بالعمل التطوعي وذلك من خلال اقرار خطة متكاملة بجمتعاته الطلابية، وبحسب الخطة التنفيذية لأنشطة وبرامج الجماعة قام الهلال الأحمر بإطلاق مسابقة الطالب المحاضر والتي تهدف إلى تفعيل أنشطة الهلال الطلابي، كما يسعى الهلال إلى تعزيز أنماط الحياة الايجابية لدى الطالب للحصول على حياة صحية آمنة تساعده على التخلص من السمنة وتوعيته بمرض السكري وطرق الوقاية منه، كما يسعى الهلال الأحمر من خلال الملتقيات والدورات التدريبية إلى تعليم الطلبة أساليب العمل التطوعي ومبادئ القانون الدولي الإنساني، ولغة الإشارة وطرق الإسعافات الأولية. من جهة أخرى، عمل الهلال الأحمر على توعية الطلاب من خلال جماعاته بأهمية المحافظة على سلامة البيئة من خلال حملات الترشيد للكهرباء والمياه ودورات تدوير النفايات وأهمية المحافظة على المال العام وأثاث المدارس إلى جانب المشاركة في حملات نظافة البيئة المدرسية والمحلية والشواطئ. كما يعمل الهلال على تعليم الطلبة كيفية التعامل مع الحالات الطارئة داخل وخارج الدولة، وطرق التنسيق مع الجهات المعنية وعمليات التواصل والتواجد الفاعل مع تلك الأحداث وسرعة التصرف لدعمها.
