كنت وصديقتي جزءاً لا يتجزأ الحياة والشراكة عبر سنوات، صديقة وجدت لديها روح المساعدة والمبادرة وطيب القلب والدعم والأمل. لم تتغير طباعها مذ كنا صغاراً ندرج على عتبات المدرسة الأولى، فأخذت أرواحنا تمتزج ببعضها ببراءة وحب. كان عندما يضعف فينا جزءُ تلبي باقي الأجزاء مسرعة لحمايتها، إلى أن وصلنا المرحلة الثانوية حين قررت صديقتي أن تحفظ هذه الصداقة لما تبقى من العمر ولمدة طويلة، ورغبت في أن تكبر معانيها وأن تدعمها بقوة بحيث لا تستطيع أي جهة إفسادها أو إضعافها.. ولكن كيف؟
في إحدى الليالي دعتني إلى منزلها كعادتنا بالزيارات المتبادلة، وعندما أوشكت على الوصول مقبلة لمحتها تراقبني من خلف النافذة فسعدت برؤيتها. أمضينا أروع الساعات التي لم نشعر بمرورها لحديثنا المتواصل الطويل كالعادة، وضحكاتنا التي تتعالى، كل ذلك جعل أمها تثق بي أكثر وتطمئن أكثر على رفقة ابنتها المدللة.
وبعد أيام قليلة من هذه الزيارة كنا في المدرسة مع باقي الصديقات، فأخذتني جانباً وقالت: أمي سعيدة جداً بك وتمدحك كثيراً، وكنت أؤكد على صحة مدحها لك وأزيد عليه، وإنها كذلك تريد زيارتكم والتعرف بأهلك فما رأيك؟ فأجبت هذه ليست أول مرةٍ تأتين لزيارتنا وتعرفين جيداً أنني بل جميعنا في البيت نرحب بكم في أي وقت، وعلى استعداد لاستقبالكم أنت بمفردك أو اهلك ومتى تشاؤون! ابتسمت وقالت: لكن هذه المرة تختلف عما سبق تماماً فبعد موافقتك طبعاً ستكونين زوجة أخي، وأمام دهشتي وغبطتي أكملت: الذي كان يراقبك من خلف النافذة، وأمي التي لطالما أعجبت بتصرفاتك ستكون أم زوجك، أما أنت فستعيشين معنا بنفس المنزل، وبذلك نكون مقربتين أكثر وتستمر صداقتنا إلى ما شاء الله ولعلها تمتد لطوال العمر ونحن معاً.
أخذت تحدثني الكثير عن شيَم أخيها، وعما نريد أن يحدث أو عما سنحققه من أحلام مستقبلية جميلة، فبدت عليَ ملامح الموافقة وأصغي لها بفرح ولهفة لتحقيق ما نحلم به سوياً.
بعد عرضهم بفترة وجيزة للزواج بولدهم، عرض عليَ الزواج ابن خالي أيضاً فوقع أهلي في حيرة بأمري فهل يرحبون بالبعيد أم يفضلون القريب؟!
لكني بلا تردد رفضت ابن خالي ورفض أبي بدوره أخا صديقتي المقربة، فصدمني قراره المفاجئ، حاولت التفاهم معه ومناقشته لكنه أقفل جميع أبواب الحوار متمسكاً برفضه التام. إذاً ماذا عن أحلامنا وعن صداقتنا هل سيموت كل شيء؟
سمع ابن عمي بالأمر ــ أمر خطابي ــ وكاد أن يفقد عقله وكأنما هو أسد ضار وستأكل الذئاب فريسته فتقدم هو الآخر بعرضه وهو طلب الزواج بي كذلك، وقتها حسبت نفسي جسداً بلا روح.. مكتئبة.. تائهة، وذهني مشتت من شدة التفكير، لكن أبي هذه المرة لم يعارض بل جاءت المعارضة طرف أمي مع إنني كدت أن أوافق كي أريح عقلي الذي تشتت به الأفكار، واحسم الأمر. استمر هذا العرض قائما إلى أن تم حسم الرفض على طلبه هو كذلك. فكان قراري بدخول الجامعة أفضل ما يمكن أن يوقف وينهي ذلك كله.
وبذلك أدركت حقًا أن علينا قبل كل شيء التأكد من حقيقة الأمور، وبعدها فقط نستطيع أن نطلق الأحلام بعيدًا. أو ألا يجب أن أربط صداقتي بمصير حياتي ومسؤولياتها، فصداقتي أثمن وأعمق، كي لا يفسد أي أمر أمرًا آخر.