أن يصاب الإنسان بمرض لا علاج له ولا شفاء، فهو أمر يدخل ضمن البلاء الذي يتطلب قدراً عالياً من الصبر ومجالدة النفس ونزعاتها، لكن أن يصاب هذا المريض وعائلته بما هو أشد وأقسى، يفقده المأوى الذي يستظل به في دنياه، بسبب حادث حريق جاء على كل شيء من الفرش والغطاء وحتى الكرسي الذي يحركه، فان هذا الأمر يصعب احتماله، ومهما مدت يد المساعدة فلا يمكنها أن توجد المسكن الذي تستظل به هذه الأسرة، التي أحاطت بها الآلام من كل مكان. وهي التي لا حول لها ولا قوة، كيف تعيش هذه الأسرة في الوقت الراهن، وما الذي تعانيه من أمراض مستعصية، وما هو دور المعيل الوحيد لها، هذا ما سوف تحكيه لنا أم عامر التي تعيش هي وبناتها في إمارة عجمان، اثنتان منهما معاقتان وهما في عمر الزهور. وقد بدت أم عامر في حالة حزينة للغاية وهي تقلب نظرها بين بنتيها المصابتين، وبيتها المحروق، وظروفها المادية الصعبة.
إعاقة أبدية
بداية تقول أم عامر: أنا سيدة فقيرة من أسرة
عربية أقيم على أرض الدولة منذ سنوات طويلة، أعيل خمسة من الأبناء والبنات، منهم اثنتان مصابتان بمرض وراثي مستعص، وابن مصاب بالعمود الفقري غير قادر على الحركة، وابن وابنة يدرسان على نفقة فاعلي خير، ابنتي أسماء الكبيرة مولودة في عام 1977، تعاني بحسب تقارير الأطباء والمستشفيات بالدولة، من إعاقة ذهنية وعقلية منذ الولادة، وفقدان في السمع الحسي والعصبي في كلتا الأذنين، وهي غير قادرة على الكلام، وتعاني من كسور قديمة في العمود الفقري والفخذين. وهي مقعدة على كرسي متحرك وتحتاج إلى المساعدة الدائمة، لا تستطيع الاعتماد على نفسها، إلا بمساعدتي ومساعدة الآخرين من إخوانها ومن بعض الأقارب، وهي اليوم ممددة في غرفة الإنعاش بمستشفى خليفة بعجمان، بسبب ما أصابها من إغماء واستنشاق للدخان أثناء اندلاع الحريق في البيت الذي كنا نسكنه في منطقة نادي الشعلة، والحقيقة المؤلمة أنني لا أعلم إلى أين سوف أنقلها بعد شفائها، فالبيت الذي كنا نسكنه احترق كليا ولم يبق شيء فيه، والابنة الثانية شيماء من مواليد 1986، هي الأخرى تعاني من تأخر شديد في النمو، وغير قادرة على النطق أو الحركة، وتعاني أيضاً من عدم السيطرة على إخراج الإدرار، وهي مقعدة منذ صغرها، بسبب إصابتها بضمور في عضلات الأطراف السفلية وتيبس في الركبتين، ودائماً ما تنتابها نوبات صرع متكررة، مع عدم التحكم في البول والبراز، وهي بحسب ما جاء في كل تقارير المستشفيات، تعاني من إعاقة دائمة مدى الحياة، وهذا ينطبق على أختها.
مأساة
وتضيف أم عامر قائلة: كنا في الماضي نعيش من تبرعات أهل الخير جزاهم الله خيراً، وكان إيجار البيت والمصاريف والاحتياجات الخاصة بابنتَيّ المعاقتين يأتي أيضاً من بعض الأخيار الذين قدموا لنا ما يستطيعون عليه، أما اليوم وبعد أن وقع حادث الحريق الذي أتى على الأخضر واليابس، وفقدنا بسببه المأوى وكل شيء من ملبس ومأكل، أصبحنا نعاني كثيراً بسبب هذا الحادث، فواحدة من البنات مع شقيقها وشقيقتها الأخرى يعيشون لدى قريبة لنا، وهي في الأساس تعيش في بيت صغير بالكاد يكفيها هي وأسرتها، والبنت الأخرى لاتزال في المستشفى بقسم العناية المركزة، وأنا لا أعلم إلى أين سوف أنقلها وقد طلبت من إدارة المستشفى أن تبقي البنت لديها حتى أجد مأوى لنا جميعاً، وقد قبلوا ذلك تقديراً للظروف التي نمر بها، وليت الأمر توقف عن هذا الحد، من المعاناة والتعايش، بل كلما ذهبت إلى إحدى الجمعيات الخيرية أو مراكز ذوي الإعاقة، أجد منهم كل المواعيد، التي تُنسى لمجرد أن أترك باب الجمعية أو المركز، طلبي من هذه المراكز ان تستوعب بناتي، وأن تهيئ لهن المأوى والعلاج، وكل ما أسمعه من البعض أن حالة ابنتَيّ المرضية لا علاج لها، ومن الأفضل بقاؤهما في البيت تحت رعايتي، والمشكلة التي أعاني منها أنا أيضاً إصابتي بمرض السكر وعدم القدرة على الحركة؛ لذلك كل أملي أن أجد المأوى أولا ثم البحث عن الدواء والاحتياجات الضرورية مثل الكراسي المتحركة التي فقدناها في حادث الحريق.
الأمل بالله
في الأخير أقول حسبي الله ونعم الوكيل، على كل ما أصابنا، ويبقى الأمل وحده في الله سبحانه وتعالى، ثم في أهل الخير الذين وقفوا معنا في أصعب الظروف. وها نحن اليوم أمام الأقدار التي أضافت إلى مصابنا مصاب جليل يتمثل في فقداننا للمسكن الذي كان في يوم من الأيام يؤوينا من حر الشمس ومن شدة البرد، أما ولداي خلود المولودة في عام 1992 وعامر المولود في 1995، فضلا بغير دراسة فترة من الوقت بسبب عدم قدرتي على توفير رسوم دراستهما، إلا أن وفقاً بواحد من أهل الخير الذي قام بدفع مصاريفهما المدرسية، وكل ما أحصل عليه يذهب إلى شقيقتهما في العلاج وشراء الحافظات لهما، وأخيراً أقول: إن الله العلي القدير هو القادر على كل شيء، وهو الذي يرزق عباده من حيث لا يعلمون. كما أني أدين بالشكر إلى إدارة مستشفى خليفة بعجمان على قيامها بعلاج أفراد أسرتي بسبب إصابتهما من آثار الحريق.
وأيضاً الشكر والتقدير إلى الإدارة العامة للدفاع المدني بإمارة عجمان، للجهود التي قاموا بها لإطفاء الحريق الذي شب في شقتنا في 14 من الشهر الجاري، وربنا يكون في عون صاحب البناية التي نسكن فيها وهو رجل صاحب أفضال كثيرة علينا.
أكدت تقارير وزارة الصحة وهيئة الصحة في إمارة أبوظبي واللجنة الصحية على إصابة الشقيقتين أسماء وشيماء بإعاقة مدى الحياة بسبب تأخر في النمو، وفقدان القدرة على الكلام، ونوبات الصرع التي تعاني منها شيماء، إلى جانب كونها مقعدة كلياً، وهي بحاجة مستمرة للرعاية الطبية والأسرية، مع التأكيد على تناول العلاج المضاد للصرع والذي هو مكلف وغالٍ جداً، كما تعاني أسماء التي لاتزال ترقد في غرفة الإنعاش بمستشفى خليفة من إعاقة ذهنية وعقلية، وهي تعاني من ذلك منذ ولادتها، أي قبل 34 سنة، إلى جانب كسور قديمة في العمود الفقري، كما أكد الدكتور عبدالمعطي يونس والدكتور حمد عبيد الشامسي مدير مستشفى خليفة بن زايد والاستشاري الدكتور عبدالكريم محمود حلمي، على أن المريضة تعاني من فقدان سمعها في كلتا الأذنين، منذ الطفولة إلى جانب فقدان القدرة على الكلام، وأن كلتا الحالتين بحاجة إلى رعاية مستمرة ومتواصلة ومراقبة شديدة، بسبب ظروفهما المرضية المستعصية، بل أكدوا وبشكل ملح على رعايتهما وإدارة شؤون حياتهما بشكل يومي وباستمرار، وأهابوا القيام بذلك إلى أسرة المعاقتين.
جهود الإنقاذ قللت الأضرار
قامت الإدارة العامة للدفاع المدني في إمارة عجمان بجهود كبيرة في عملية إطفاء الحريق الذي شب في 14 الشهر الجاري في شقة أم عامر الكائن في منطقة نادي الشعلة، وقد أسفر الحريق كما جاء في تقرير الإدارة العامة عن تصدع جدار الغرف والسقوف وتهشم زجاج النوافذ واحتراق جزء من الشرفة وجزء من المطبخ، وتلوث الشقة بالدخان كما أتى الحريق على كافة الأثاث والملابس والاحتياجات الضرورية، وفي نفس الوقت قامت فرقة الإنقاذ بإسعاف المعاقتين أسماء وشيماء وأختهما خلود التي رافقتهما إلى المستشفى وإحدى المصابات التي كانت تقوم على خدمة المعاقات، وقد تم إخراج المصابات باستثناء المعاقة أسماء وقريبتها فاطمة التي لم تستطع مقاومة استنشاق الدخان فقفزت من الدور الأول، إلا أن عناية الله أنقذتها من إصابات خطيرة كادت تصاب بها.
