ترتفع الأصوات بالتحدي الأكبر حول لعب الورق أو البلاي ستيشن أو حتى المناقشات العادية، يحدث هذا في المقاهي كأحد السمات الرئيسية لرواد هذه المقاهي من فئة الشباب، ولا تلتفت هذه الأصوات إلى وجود من يرغب في النوم أو الراحة لعدة ساعات قبل أن يستيقظ للذهاب إلى دوامه المبكر.
ومع تفاقم حجم المشكلة وضعت البلديات اشتراطات عامة وأخرى خاصة لمنح التراخيص لراغبي العمل في مجال المقاهي، كانت أهم هذه الاشتراطات تحديد وقت العمل منعاً للتسبب في الإزعاج لسكان البنايات التي تقع بها هذه المقاهي، ولكن هل يلتزم هؤلاء بهذه الاشتراطات؟ وهل يدخل ارتفاع صوت الرواد ضمن المخالفات التي ترصدها دائرة البلدية والتخطيط في عجمان؟ وما هي حدود المخالفات المتعلقة بدخان الشيشة المتصاعد إلى شرفات المنازل ويستنشقه الصغير قبل الكبير؟
جانبان
يقول عيسى بن جميل موظف في إحدى الدوائر الحكومية أن الموضوع له جانبان مهمان، الأول هو الجانب الديني حيث ينهانا الدين عن الإضرار بأنفسنا أو الإضرار بالآخرين، ووجود العديد من الشباب ينفثون دخان الشيشة في وقت واحد يؤدي إلى تضاعف الأضرار الواقعة على السكان نتيجة استنشاق هذا الدخان، وهذا ما يطلق عليه الأطباء التدخين السلبي، ولهذا أضرار كبيرة على السكان خاصة صغار السن حيث من الممكن أن تصيبهم أمراض الرئة ومشكلات الجهاز التنفسي، وأهمها الحساسية الصدرية المزمنة، علاوة على أن السبب الحقيقي لارتياد هؤلاء الشباب للمقاهي هو إضاعة الوقت فيما لا طائل من ورائه، وهذه من الأمور التي نهانا عنها الدين.
أما من الناحية الاجتماعية فيؤكد بن جميل أن إزعاج المقاهي الموجودة في المناطق السكنية لا يتوقف عند الأصوات المرتفعة المنبعثة من المقاهي، ولكن يتخطاها إلى التلوث السمعي، والطفل عندما يشاهد بعض الشباب يدخن الشيشة بشراهة على المقهى يبادر إلى السؤال عن طبيعة هذه السلوكيات وهل هي إيجابية أم سلبية، وإذا كانت إيجابية فلماذا لا يمارسها الوالد، وفي حالة كونها سلبية فلماذا يتركون الناس يمارسونها دون العمل على نصحهم ومنعهم؟
ويضيف عيسى إن وجود المقاهي في المناطق التي تسكنها العائلات يؤدي إلى تحسس هذه العائلات من خروج بناتها ومرورهن أمام الشباب الموجودين على الرصيف يدخنون ويتحدثون ويبادر بعضهم إلى النظر إلى المارة بفضول غريب، وكما نعلم جميعاً فليس من السهل استبدال المسكن، ولكن من السهل تطبيق القواعد الاجتماعية والقانونية اللازمة لضبط أداء هذه المقاهي لمنع الإزعاج بكل صوره سواء الصوتي أم التلوث أم الأخلاقي. وعن تجربته السابقة عندما كان يقطن منطقة الكرامة يقول بن جميل إن هناك العديد من المقاهي تتنافس على اجتذاب الرواد من خلال مد فترة العمل الليلية نصف ساعة أو أكثر بعد المواعيد المصرح بها، بينما اجتذبت بعض المقاهي الأخرى روادها من خلال السماح للفتيات بارتياد المقهى، وفي كل ذلك ملامح سباق محموم لاجتذاب العملاء بينما تحتوي هذه التصرفات على مخالفة صريحة للقواعد التي تضعها البلدية لترخيص مقهى، وأهم هذه القواعد في اعتقادي عدم القرب الجغرافي من مبانٍ سكنية، بينما ما أراه فعلياً هو وجود المقاهي تحت البنايات السكنية مباشرة، مما يعني أن الخطر شديد الاقتراب من أبنائنا وأخواتنا سواء من الناحية الصحية أو الأخلاقية.
يشير عيسى إلى أن المقاهي الملتزمة بإغلاق أبوابها في الثانية صباحاً حسب القوانين المعمول بها في هذا المجال أيضاً تتسبب بإزعاج السكان الذين يقطنون نفس المبنى لأنهم مجبرون على الاستماع إلى محاورات الزبائن طوال فترة عمل المقهى كما أنهم مجبرون على الاستماع إلى أصوات الألعاب التي يتسلى بها الزبائن مثل النرد (الطاولة) أو الدومينو أو غير ذلك من الأصوات حيث تضم بعض المقاهي ألعاب الفيديو التي تأسر الشباب وتصدر عنها أصوات مزعجة علاوة على الأصوات الحماسية التي تصدر من اللاعبين.
100 متر
ويؤكد أحمد مصطفوي ـ المحاسب في إحدى الشركات الخاصة ـ أن وجود المقاهي في الأحياء السكنية لابد أن يتسبب في مضايقات للسكان مهما حاول أصحاب هذه المقاهي تفادي حدوث هذه المشكلة لأنها مشكلات تلقائية ولا تجدي الوسائل العادية في حلها، والحل الوحيد هو عدم الترخيص لأي مقهى في موقع يضم بنايات سكنية، كما أن هناك العديد من الطرق التي يمكن عن طريقها الوصول إلى حل جذري منها على سبيل المثال: وضع حد أدنى من المسافة البينية التي تفصل بين المقهى وأقرب بناية سكانية، كأن يحدد قرار البلدية مثلاً بألا تقل هذه المسافة عن ?100 متر مثلاً، ومن شأن وجود هذه المسافة تفادي الأضرار التي يمكن أن تقع على السكان.
ويرى مصطفوي أن المشكلة تزداد تعقيداً في فصل الشتاء حيث يفضل الكثيرون من السكان الاستمتاع بالهواء النقي من دون اللجوء إلى تشغيل أجهزة التكييف، ولكن لا تكتمل فرحتهم إذ يضطرون إلى إحكام إغلاق النوافذ خلال الفترة المسائية بعد تزايد إقبال الزبائن على المقاهي وتزايد ارتفاع صيحاتهم وروائح دخان شيشاتهم، علاوة على تعارض هذه السلوكيات مع القواعد البيئية العامة، ويضيف أن غالبية الدول الأوروبية منعت التدخين في الأماكن العامة باعتباره سلوكاً غير حضاري ويتعارض مع التوجهات العالمية لحماية البيئة وتخفيض معدلات انبعاث ثاني أكسيد الكربون الذي يؤثر على زيادة ارتفاع حرارة الأرض أو ما يطلق عليه العلماء الاحتباس الحراري.
ويشير أحمد مصطفوي إلى ضرورة التفكير في حلول تتناسب مع حجم المشكلة، ويؤكد أن جهود الأجهزة الرقابية كثيرة في مجال تطبيق القانون على المحلات والمقاهي المخالفة، ولكن لا تزال المشكلة قائمة لأن أبعادها متنوعة ولا تتوقف فقط عند المخالفة القانونية ولكن تتعداها إلى المشكلات ذات الأبعاد الاجتماعية والصحية، ويضيف إن تحديد ساعات عمل المقاهي لا يحل المشكلة لأن الأوقات التي تعمل فيها هذه المقاهي لا تتوقف عن إرسال الدخان إلى جيرانها من السكان أصحاب الحظ العاثر الذين يسكنون في بنايات تجاورهم فيها المقاهي.
كبار السن
يقول هاني السيد مدير إداري في إحدى الشركات الاستثمارية أن مشكلة وجود مقهى في حي سكني تعتبر مشكلة كبيرة لأن المقهى يختلف عن المحل التجاري العادي من حيث عدد ساعات العمل وطبيعة العمل في المحل وكذلك طبيعة العملاء الذين يزورون هذه المحلات، فمثلاً محلات الهواتف أو الملابس تغلق أبوابها في العاشرة مساء، وربما لا يزورها يومياً سوى عدد محدود من الزبائن، بينما يعمل المقهى طوال اليوم إلى ما بعد منتصف الليل بساعتين وكل رواده من الشباب حديثي السن الذين تغلبهم حماسات المنافسة في اللعب والإقبال على تدخين السجائر والشيشة، وتكون النتيجة إزعاجاً متواصلاً للسكان.
ويضيف السيد إن هناك قطاعا كبيرا من الشباب لا يرتبط بدوام صباحي لأي سبب من الأسباب وتكون الهواية المفضلة لهذا القطاع هو قضاء الوقت المسائي على المقهى، ويسبب ذلك إزعاجاً للطلاب خاصة خلال مواسم الامتحانات، كما يشكل ذلك قلقاً كبيراً لكبار السن والمرضى الذين ينتظرون هدوء الليل لينعموا بالنوم، كذلك تفرض مواعيد العمل على بعض الموظفين الاستيقاظ المبكر للخروج قبل زحام الطريق، ولكن لا يحصل هؤلاء على حقهم الطبيعي في الراحة.
السويدي: اشتراطات لضمان عدم الإزعاج
يؤكد ماجد ناصر السويدي مدير إدارة التفتيش بدائرة البلدية والتخطيط بعجمان أن إجراءات حماية قاطني المناطق السكنية من إزعاج المقاهي تبدأ منذ منح الترخيص للمقهى في منطقة سكنية، حيث تتضمن الاشتراطات عدة جوانب الغرض منها ضمان عدم صدور إزعاج أو مضايقات من المقهى تجاه السكان، ومن أهم هذه الاشتراطات عدم تأثير النشاط على حركة ساكني العقار بحيث يمنع وضع المقاعد على الأرصفة التي تعتبر مجالاً للحركة لا غنى عنه للسكان، كما يشترط ألا يغلق المقهى بمقاعده الطريق، وأن يمنع تواجد الرواد بالمساحة الخارجية بعد الثانية عشرة مساء، كما يمنع استمرار العمل بعد الثانية صباحاً.
ويضيف السويدي إن إدارة التفتيش تقوم بحملات مستمرة للتأكد من عدم وجود مخالفات في هذا المجال، وتقوم بإنذار المقاهي المخالفة في المرة الأولى ثم تطبق الإجراءات المتبعة حال تكرار المخالفة، كما تتعاون الإدارة مع الإدارة المعنية في وزارة الصحة للتحقق من عدم وقوع ضرر صحي ناتج عن الدخان أو غيره من المخلفات، كما تتلقى إدارة التفتيش الشكاوى الخاصة بالمضايقات الصادرة من المقاهي وتتعامل معها بجدية واهتمام.
مخالفات
حملة تفتيشية لدائرة البلدية والتخطيط في عجمان
استجابت دائرة البلدية والتخطيط في عجمان لشكاوى بعض السكان من وجود مقاهٍ يصدر منها إزعاج يستمر حتى ساعة متأخرة من الليل، فقامت بتنفيذ حملة تفتيشية استمرت أسبوعاً أسفرت عن تحرير ?60 مخالفة لمقاهٍ ومحلات مخالفة لشروط ممارسة الأنشطة التجارية الصادرة عن دائرة البلدية والتخطيط، ومنها استمرار العمل إلى ما بعد المواعيد المحددة.
وأشارت دائرة البلدية والتخطيط إلى أن المخالفات المضبوطة تنوعت بين مخالفة مواعيد العمل أو استغلال الأرصفة في عرض البضائع أو تقديم الخدمات دون تصريح من الدائرة علاوة على مخالفة تقديم الشيشة للزبائن خارج المقهى بعد منتصف الليل، كما أن قيمة الغرامة تتراوح بين ألف إلى خمسة آلاف درهم حسب فئة المخالفة، وفي حال تكرار نفس المخالفة تكون العقوبة التالية إغلاق المقهى لمدة أسبوع.
وأكدت الدائرة أن هناك مجموعة من القوانين الخاصة بممارسة الأنشطة التجارية تقوم بمتابعة تنفيذها خاصة القوانين المرتبطة بالأنشطة التي تتم ممارستها في الأحياء المكتظة بالسكان لضمان عدم صدور أية مشكلات من أصحاب هذه الأنشطة تجاه السكان، وفي حال صدور أية شكوى تتم إحالتها إلى جهات التفتيش المختصة للتحقق من وجودها ومن ثم العمل على إزالتها وتوقيع العقوبة التي ينص عليها القانون.
