تنتشر في العديد من المدارس ظاهرة غريبة تتمثل في الكتابة والرسم على الطاولات، وبقدر ما يعتبرها البعض بأنها تمثل انحرافاً في السلوكيات العامة إلا أن البعض الآخر يعتبرها طريقة للتنفيس عما في صدور الطلبة، وتفريغاً لشحناتهم ومشاعرهم وانفعالاتهم، الكتابة على الطاولات لم تقتصر على حالات الغش وإنما طالت عبارات مختلفة في الحب والخواطر الأدبية وأبيات الشعر إلى جانب رموز وأحرف مختلفة تحمل بين طياتها معاني خاصة بالنسبة لكاتبها، ويرجع خبراء علم الاجتماع والنفس هذه الظاهرة إلى وجود الملل والفراغ لدى الطلبة وعدم وجود النشاطات اللاصفية أو الترفيهية.
وبلا شك فإن ظاهرة الكتابة على طاولات المدارس ليس بالحديثة، وأن الكثير منا قد مارس «هوايته» في الكتابة على طاولته أثناء المدرسة بعيداً عن أعين «الرقيب» المدرسي، وهنا يبرز السؤال ما هي الأسباب الذي تقود الطلبة إلى الكتابة على طاولاتهم رغم أنها لا تعتبر ملكاً خاصاً لهم، وكيف ينظر الطلبة أنفسهم إلى هذه الظاهرة؟
«البيان» التقت عدداً من الطلبة الذين أبدوا رأيهم في هذه الظاهرة، والذين انقسموا ما بين مؤيد ومعارض لها، وفي البداية قالت الطالبة دانا خالد: بالنسبة لي أعتبرها من المظاهر غير الحضارية في مدارسنا، فإلى جانب أنها تشوه شكل الطاولة أعتقد أن لها جانباً نفسياً، فمثل هذه الظاهرة تفصح عن الصعوبة التي يواجهها الطالب في التعبير عن ذاته أو ما يدور في نفسه، خاصة وأن ما يريد الطالب التعبير عنه لا يتوافق مع السياق العام للمدرسة وقيمها الاجتماعية، وهي تعبر عن فقدان العلاقة بين المعلم والطالب.
أما الطالب عبد الله العوضي فقال: «في الحقيقة تمثل هذه الظاهرة مشكلة في المدارس خاصة وأن الطالب يمارس الكتابة على أملاك عامة تعود إلى المدرسة، وبالتالي فهو لن يكون الوحيد الذي يستخدم هذه الطاولة وإنما هناك طلبة سوف يستخدمونها من بعده، والمشكلة بتقديري أن الطالب لا يعتبر أن المدرسة هي بيته الثاني وهذا يتضح من خلال عدم اهتمامه كثيراً بأثاثها ونظافته، والكثير من الطلبة ممن يمارسون هذه الظاهرة يشعرون أن الطاولة هي الأذن الوحيدة التي يمكنها الاستماع إلى أفكارهم مهما اختلفت.
قلة الوعي
من جهته قال الطالب راشد تركي: «نشاهد هذه الظاهرة كثيراً في المدارس وأعتقد أن أحد أهم أسبابها هو قلة الوعي لدى الطلاب بأن هذه الطاولات تعد أملاكاً عامة، وأن الطاولة التي كتب عليها تعبر عن نفسية وتفكير الطالب الذي كان يستخدمها في السابق»، وأشار تركي إلى أن المشكلة تكمن أيضاً في أن الكتابة على الطاولات المدرسية من شأنها أن تفقد الطالب تركيزه أثناء الحصص الدراسية، فهي تساهم في إلهائه عن متابعة الدرس، وتشجع الطلبة الآخرين على ممارسة هذه الظاهرة. وأكد تركي أن الكتابة على الطاولات تبرز الجوانب المكبوتة لدى الطالب خاصة ذلك الذي لا تعطى له الفرصة للتعبير عن نفسه أو ذلك الذي يشعر بأنه مهمش في الصف أو المدرسة.
الطالب إيهاب ياسر علق على ذلك بالقول: «تختلف الأشكال والألوان التي نجدها على طاولات المدارس، وهي لا تقتصر على سن معينة وإنما موجودة لدى الجميع، وأعتقد أن الكثير من الطلبة يجدونها وسيلة للتعبير عن أنفسهم، خاصة وأن معظم الكتابات لا تقتصر على جانب معين وإنما مختلفة باختلاف الطالب، والبعض يجدها وسيلة سهلة للغش في الامتحانات خاصة إذا كانت الكتابة بخط صغير جداً»، وتابع: «معظم هذه الكتابات تعبر عن وضعية الطالب داخل المدرسة ومدى تذمره من طريقة تعامل المعلم معه أو حتى مع زملائه».
شعور بالملل
الطالب عامر منير لم يتوافق مع آراء زملائه، فقد ذكر بأنه سبق له أن مارس الكتابة على طاولات المدرسة، وقال: «كثيراً ما كتبت على طاولات المدرسة، وعادة أكتب عليها أبياتاً من الشعر أو بعض الحكم المأثورة، وأتوجه إلى الكتابة على الطاولة عندما أشعر بالملل أثناء الدرس، وأشعر بأن هذه الكتابة تخرجني من أجواء الدرس وتعيد صياغة نفسيتي». عامر الذي اعتاد على كتابة الشعر لم يستخدم طاولته بهدف الغش في الامتحانات، وحول ذلك قال: «لم أستخدم الطاولة في الغش وذلك لأنني أفضل قضاء الوقت الذي سأمضيه في كتابة المادة العلمية في الدراسة والاستعداد للامتحان، ثم إن هذه الطريقة غير مأمونة الجانب، حيث يكون الطالب معرضاً للضبط في أي لحظة».
دراسة اجتماعية
في هذا الصدد، كانت علياء عبدالله محمد بن هويدن التي تخرجت في علم الاجتماع من جامعة الشارقة قد انتهت مؤخراً من إعداد دراسة ميدانية قامت بها في منطقة الذيد التابعة للشارقة للتعرف على أسباب انتشار هذه الظاهرة بين الطلبة، وحول هدف الدراسة قالت علياء لـ «البيان»: «حاولت من خلال هذه الدراسة التعرف على أسباب انتشار ظاهرة الكتابة والرسومات على الطاولات والجدران في المدارس عبر معرفة الخصائص الديموغرافية والاجتماعية لأفراد العينة، وقياس مدى انتشار هذه الظاهرة، ولتحقيق ذلك قمت باختيار عينة عشوائية شملت 100 طالب وطالبة»، وأضافت: «لقد حاولت في دراستي التعرف على أكثر الأفكار التي يميل الطلبة لكتابتها على الطاولات أو الجدران، وإذا ما كانت تعكس أنماط الكتابة والرسومات على الطاولات مشاعر الطلبة وتعبر عن أمنياتهم وآرائهم والحوار المتبادل فيما بينهم، كما حاولت أن أتعرف إذا ما كانت تعتبر وسيلة للغش الدراسي أم لا، وإلى أي حد تعكس هذه الظاهرة مشكلات تتعلق بالحياة الأسرية والمدرسة».
ولعل أبرز ما توصلت إليه دراسة علياء يكمن في أن نسبة الطلبة الذين قاموا بالكتابة على الطاولات قد وصلت إلى 95٪ وهي نسبة تعتبر عالية جداً، وقالت علياء: «بتقديري أن ارتفاع نسبة الكتابة على الطاولات المدرسية يدلل على وجود أسباب اجتماعية أو أسرية أو نفسية وراء هذه الظاهرة».
وحول أبرز الأسباب التي أدت لانتشار هذه الظاهرة في المجتمع الطلابي، قالت علياء: «47٪ من المشاركين اعتبروا أن الخلافات الأسرية لا تمثل سبباً لهذه الظاهرة، واعتبروها نوعاً من أنواع التسلية، في حين أن 43٪ من أفراد العينة قالوا بأن الخلافات الأسرية تلعب دوراً في بعض الأحيان في تكريس هذه الظاهرة التي اعتبروها متنفساً لهم»، وتابعت: «28٪ من المشاركين أرجعوا انتشار الظاهرة إلى إهمال الأهل وعدم اهتمامهم بأبنائهم، في المقابل أكد 17٪ من المشاركين على أن الإهمال وعدم اهتمام الأهل من أهم الأسباب المؤدية لانتشار الظاهرة».
كما أشارت علياء ـ وبحسب نتائج الدراسة ـ إلى أن عدم وجود توعية لدى الأبناء وعدم المبالاة بتصرفاتهم قد أديا إلى انتشار الظاهرة، فقد أظهرت نتائج الدراسة بأن 91٪ أيدت هذا الجانب، في المقابل لم يوافق 38٪ من أفراد العينة على هذا السبب وترجع علياء سبب ذلك لانتمائهم إلى أسر متعلمة وواعية.
في المقابل، أكد 33٪ من المشاركين بأن العنف الأسري يلعب في بعض الأحيان دوراً في تعميق هذا الظاهرة، حيث يسعى الطالب من خلال الكتابة على الطاولات للتعبير عن مكنوناته الداخلية وتفريغ الضغط النفسي الذي يعاني منه، في حين أن 14٪ من المشاركين أكدوا بأن العنف الأسري أحد أهم أسباب انتشارها بين الطلبة بسبب العوامل النفسية التي يشعر بها الطالب نتيجة لذلك.
غياب الرقابة
لم تتوقف الدراسة عند الأسباب الأسرية وإنما توسعت في ذلك، وحول ذلك قالت علياء: «حاولت بقدر الإمكان التعرف على كافة الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة، وبقدر ما تلعب الأسرة دوراً مؤثراً في حياة الطالب فإن المدرسة تلعب دوراً موازياً لها في هذا الجانب، فقد أرجع 63٪ سبب انتشارها إلى وجود الملل ووقت الفراغ، في حين أرجع 22٪ السبب إلى عدم وجود رقابة وإشراف من إدارة المدرسة وهذا يدل على عدم قيام المعلمين بتوعية الطلبة وإرشادهم في هذا الجانب».
بينما أشارت إلى أن 91٪ قالوا بأن عامل ضعف التحصيل الدراسي يكون أحيانا سبباً في هذا الظاهرة، ويبرز هذا العامل من خلال عبارات «أنا فاشل» أو «ليس لي دور في الحياة»، أو من خلال رسم وجوه عابسة أو رسم المعلم على شكل كاريكاتير ووضع تعليقات مختلفة عليه.
العنف وغياب الترفيه
أرجع 55٪ من أفراد العينة على أن عدم وجود النشاطات اللاصفية والترفيهية يعتبر أحد الأسباب التي أدت إلى ظهور الكتابة والرسومات على الطاولات، وهذا يدل على وجود رتابة في حياة الطلبة اليومية، وخلوها من النشاطات والمواهب المختلفة، ولمنع هذا الجانب يجب تعزيز النشاطات الطلابية التي تبرز مواهبهم وهواياتهم. من جهة أخرى، لعب العنف المدرسي دوراً في نشر هذه الظاهرة بحسب ما أشار إليه 22٪ من أفراد العينية، وأرجع 39٪ الظاهرة إلى سوء العلاقة بين الطالب والمعلم، أما 44٪ فقد أشاروا إلى الغش الدراسي من خلال استخدام الطاولات لكتابة المادة العلمية. وتطرقت الدراسة إلى مسألة عقاب الطالب ومدى تأثيرها في هذا الجانب وبينت نتائج الدراسة بأن 29٪ يرون بأن عقاب الطالب يمثل أحد الأسباب المؤدية إلى تكريس هذه الظاهرة، فعندما يعاقب الطالب الذي لا يمكنه التعبير للآخرين يقوم بصب جميع ما بداخله على الطاولة من تعابير ومفردات.
دلالات
أوضحت الدراسة الاجتماعية التي أجرتها علياء بن هويدن من جامعة الشارقة عن الأفكار التي تم التعبير عنها خلال الكتابة والرسومات أن كتابة الشعر احتلت المرتبة الأولى بنسبة 44٪، وتلاها محادثة الطالب مع زميله بنسبة 35٪، وفي هذا دليل على وجود ملل وعدم التركيز والاهتمام للدرس، في حين احتلت كتابة الأحرف والرسوم المنوعة مثل «قلوب الحب والعيون» المرتبة الثالثة بنسبة 34٪، وفيها دلاله على التعبير عن المشاعر والانفعالات المختلفة لدى الطلبة، أما استخدام الكتابة للغش الدراسي فقد جاءت بنسبة 27٪، ويليها كتابة الخواطر بنسبة 26٪»، وتابعت علياء: «لقد أظهرت الدراسة أن 79٪ من الطلبة الذين يكتبون على الطاولات وحتى الجدران يفضلون اللغة العربية، ومن ثم جاءت اللغة الانجليزية، في حين أن 11٪ اختاروا لغة الأوردو التي انتشرت نتيجة لكثافة العمالة الآسيوية والاحتكاك المباشر بها».
