جليّة كانت أم خفيّة فللطبيعة أيضاً صيتها وسطوتها وكذا صيحتها! ويبقى السؤال.. هل التصوّر هو الذي يخلق الرغبة؟ أم الرغبة هي التي تخلق التصّور؟ هي الهجرة من وإلى بلاد الله الواسعة، رحلة الشتاء والصيف، وكذا ارتعاشة الخريف، والألطاف.. يا للألطاف حين يتبعها القطاف، والري بعد الجفاف، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى.

أيّها الشتاء الزاحف من تيه الطرقات، قد أنقض ظهرك التجوال وما دلفت تغنّي الشوق في الخفاء.

لكأنّي أراك لاتزال في غيّك القديم، تختلس النظر من نافذة الفصول، ولكنّ الباب موصود.. موصود.. وطريقك مسدود.. مسدود، وقلبي على قمري.

قلبي على وتري، أيا عابر السبيل عذراً ما هكذا تذوب الثلوج! ففي المنتصف مدفأة تدفئ أهل بيتها وعلى الأريكة نقوش من طراز عتيق، وفي الأطباق خبز طازج خرج لتوّه من الفرن، مذاق طيب من هذا وذاك، فيا عاقد الحاجبين لا تغضب من صريح القول. وهلاّ كنت مع اليقين حليماً، وتذكّر أن الدنيا لا تؤخذ غلابا، وكذا البيوت تؤتى من أبوابها.

سلالة تنشقّ من مباهج الروح، وقوافي الشعراء، وللجمال فيها معنىً مشروح، وكأنّما تلك القصور عرائس، والرياض حُليّ فهي فيه ترفل مع أبي القاسم التنوخي، أمّا السمر والوتر.. فالشرق رحيقه والليل رفيقه، ثم قف.. تأمّل مسرح الغزلان في الحدائق !وحدائق يسبيك وشي برودها، حتى تشبهها سبائب عبقر، يجري النسيم خلالها.

يا لله !العينان ضحكة الماء، والشعر يسافر بلا عناء، وعلى الخدّين تزهو جنتا حب قطف الزهر منهما لونه.

يا سادتي الأفاضل، عن باقي الوصف تلزمنا زيارات، لذا الأمر سيطول، فالفكر يجول، والخيال يصول، ولا زالت الموائد مترعة الأنداء، والغصن في بواكير صباه، وفي الكأس بقايا من شهد سكبته الشفاه، واحدة جمالها الدنيا، وأخرى الفردوس في علاه.. هذا النوع لا يتقبّل المزاح، يسابق الخُطى، لا وجود للمكابح هنا! ولا إشارات حمراء أو صفراء، هي الخضراء فقط ولا عزاء للمارّين والمأكولين! ودمتم سالمين. في شرفة تطل على الحياة قبل أو بعد.. فنجان قهوة وتأمّل ثالثهما أفكار ودودة تجاري ابتساماً، وترقب التفاتة حرّة، لترسل الرياح لواقح فتجمع اشتات الأماني، لتسعدكم صباحاً ومساءاً.