لا تملك في أحــيان كــثيرة القــدرة على توصــيف مشاعــرك وأنت أمــام مشــهد فيه من السخرية والتهكم الشيء الكثير، وفيــه من التراجــيديا المحــزنة ما يؤشــر على مــدى ما يمكن أن يصل إليه الرهاب المرضي لدى الإنسان، والأغرب.. أن يكون مصدر هذا الرهاب كائنات ضــعيفة وجميلة ترمز إلى الأمان والسلام. وربما هذا بالضبط ما أراد قوله لنا (باتريك زوسكند) في مؤلفه الذي يبدو أنه اشتهر على نطاق واسع (الحمامة القاتلة).

القصة تدور حول (جوناثان نويل) الذي تجاوز الخمسين، والجالس الآن يراجع ذكرى العشرين سنه الأخيرة من عمره وقد أمضاها من دون أحداث. لقد (عاشها مطمئنا إلى مستقبل لن يجري له فيه أي شيء جوهري حتى يحين الأجل).

كان يكــره فيــها الأحــداث التي تزلزل التوازن الداخلي وتحدث (خللا بنسق الحياة الخارجيــة). إلا أن الأمور في الحياة غالبا ما تسير على عكــس ما يتمنــاها المرء. ما الفجيعة التي حدثت لـ(جوناثان) في ذلك اليوم الأســود الذي لا يريد أن يتذكــره وهو العسكري الجريء الذي تدرب على المواجهة؟ يصف لنا الكاتب بطله (جوناثان) عندما أراد الخــروج من غرفته صباحا إلى الحــمام المشترك في (الكوريدور) ليقوم بطقوسه المعتادة قبل ذهابه إلى العمل: (وكانت ساقه قد بدأت بالحركة، عندما رآها. كانت جالسة أمام بابه، لا تبتعد عن العتبة عشرين سنتمترا، ينعكس عليها الضوء الشاحب المتسلل من النافذة. كانت قابعة بقائمتيها الحمراوين من ذوات المخالب، بأرياشها الرصاصية الزلقة على بلاط الممر الأحمر حمرة دم الثور، تلك الحمامة أدارت رأسها وبحلقت في جوناثان بعينها اليسرى. كانت تلك العين، ذلك القرص الصغير، المدوَّر، البني بمركز أسود، مرعبا. كانت مثل زرٍّ خيط إلى ريش الرأس، دون أهداب، عارية، متوجهة بوقاحــة نحو الخارج ومفتوحة على وسعها، بيد أن فيها شيئا ماكرا متحفظا، وهي في الوقت نفسه غير مغشية وغير مفتوحة، جامدة كعــدسة الكامــيرا، التي تبتلع كل الضــوء الخارجــي ولا تشع بشيء من داخلها. لم يكن في العــين بريــق، لم يكن فيها وميض، لم يكن فيها شرارة حياة. كانت عينا لا ترى وتبحلق في جوناثان). ويضيف في لحظة هلع: (..سيان إن نقلت الحمامة ثقلها من قائمة إلى أخرى، إن نفشت ريشها. سرت رعشة قصيرة في جسدها. أنغلق جفنان صغيران على عينها، جفن من الأسفل وجفن من الأعلى، لم يكونا جفنين حقيقيين، بل أقرب إلى غطاءين مطاطين، ابتلعا العين كشفتين طلعتا من العدم. اختفت العين هنيهة. فارتعش جوناثان خوفا، وقف شعره فزعا، فقفز متراجعا إلى الغرفة مغلقا الباب قبل أن تفتح الحمامة عينها من جديد. أول ما خطر على باله هو أنه سيعاني جلطة قلبية أو دماغية أو انهيارا في الدورة الدموية وفكر: إنك في السن الملائمة لهذا كله. اقتلها، تخلص منها.. لا، لا تستطيع قتل ذبابة، ربما تقتل ذبابة أو حلزونا أو خنفساء صغيرة، لكنك لا تستطيع قتل شيء حار الدم يزن رطلا، كالحمامة. مستحيل، لا يمكن لإنسان أن يعيش في بيت تسكنه حمامة. إنها تجسيد الفوضى والخلل.

لا يموت (جوناثان) خوفا ولا ينتقم من الحمامة التي (عفت) عنه وطارت.