تعتبر الحلي والفضيات من الصناعات الإماراتية التقليدية، لاسيما أنها من الحرف القديمة المرتبطة ارتباطا وثيقا بالمناسبات الاجتماعية كالأعراس والأعياد حيث تأتي كإحدى أساسيات زينة المرأة في الزواج والمناسبات الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق حرص المسؤولون والقائمون على حفظ وتوثيق الحرف القديمة، ونلمس هذا في مدى سعي الهيئات المختصة وحرصها في الحفاظ على الصناعات الحرفية من خلال حصر وتوثيق كافة الصناعات الحرفية وخامتها ومختلف استخداماتها التي تمتاز بها مناطق الدولة.

تحتضن منطقة الشندغة التراثية شخصيات ذات أنامل عريقة وخبيرة بصناعة الحلي والفضيات القديمة وزخرفتها والنقش عليها ضمن أشكال رائعة تجذب الأنظار وتحفز على اقتنائها. ومن هؤلاء «أم عبدالله» التي التقيناهـا في الشندغة التراثية، وهي إحدى السيدات البارعات في صناعة الفضيات وزخرفتها، مؤكدة حرصها على مواصلة مسيرة وطريق الآباء والأجداد في الحفاظ على الإرث الوطني المتمثل في الصناعات الحرفية ومنتجاتها.

 

مهنة الأجيال

تقول أم عبدالله: بداية.. ما زال مجتمعنا متمسكا بمنتجاته الحرفية المحلية الصنع حيث نلقى إقبالا في مختلف الأوقات ومن الطبيعي أن يتزايد الإقبال على شراء المنتجات الحرفية وبخاصة الحلي والفضيات في المناسبات الرسمية والاجتماعية. فالصناعات الحرفية الخاصة بالفضيات هي مهنة متوارثة عبر الأجيال، وآمل أن تتواصل لدى الأجيال القادمة من الأبناء والأحفاد، وأن يترسخ حب وإتقان الصناعات الحرفية والتي تمثل مصدر دخل إضافة إلى كون المنتجات الحرفية تعد رمزاً حضارياً تميزت به إمارات الدولة.

 

تجربة وواجب

أنا لا أعتبر انخراطي في هذه التجربة أو الحرفة هواية أشغل بها وقت فراغي، وإنما هي محاولة حثيثة مني على تعزيز وترسيخ هذه الحرفة التراثية والتاريخية، والتي تعد ثروة وطنية ورصيدا فكريا وحضاريا تزخر به دولة الإمـارات في نفوس الأبناء والأحفاد.

ولذلك فإن تاريخي في صناعة الفضيات مستمر منذ ‬21 عاما، أما عمر مشاركتي في منطقة التراث في دبي فهي ‬12 عاما، حيث أقوم بصناعة الحلي الفضية، وعملية الزخرفة والنقش على الخنجر والسكين والأحزمة الجلدية.

علما أن صناعة الفضيات تحتاج إلى دقة وإتقان في الصنع وجودة في الإنتاج، كما أنها تحتاج إلى ملكات إبداعية متنوعة، وتلك المهارات تختلف من حرفي إلى آخر وهنا نجد تفاوتا في المنتجات الحرفية، كما أن هناك خيارات متعددة ترضي جميع المهتمين بالحرف. ولا استطيع وصف سعادتي بزوار الشندغة التراثية الذين لا يكتفون فقط بشراء ما تصنعه يدي، وإنما يجلسون معي أيضا، يراقبون عملية التنفيذ، ويحاولون الاستفادة من خبرتي في صناعة المصوغات والمشغولات الفضية.

 

إقبال

كما أن الغالبية من زوراي يفضلون شراء الحلي الفضية وبالذات مشغول الفضة القديم والنادر كالقلائد والخناجر القديمة.

خاصة أن تصميماتي من الفضيات تمتاز بنقوش منتقاة بعناية ومستوحاة من البيئة المحلية الأصيلة والتي تزخر بالكثير من المشاهد الطبيعية الجميلة والتي تثري مخيلة الحرفي وتمده بالأفكار والرؤى والذي يقوم هو بدوره بترجمتها في مشغولاته الفضية.

علما أن المشغولات الفضية تتنوع وتعدد بحسب نوع الاستخدام، فمنها ما تستخدمه المرأة لتزين رأسها وعنقها وأذنيها وأصابع يديها، كما أن هناك تنوعا كبيرا في الأشكال والزخارف الهندسية والتطعيم بالأحجار الكريمة أو الجواهر المختلفة التي تجعلها تحفاً نادرة، تشكل جمالية كبيرة فيها سواء من حيث تنوع الزخارف فيها أو دقة الصنع والتشكيل، كما أن الصورة الجمالية لتلك المشغولات الفضية تكمن في الشغل اليدوي فهو إبداع في حد ذاته، وبالممارسة نجد حرفيي هذه المهنة ينتجون زخارف وأشكالا جديدة وبديعة الشكل والمضمون بدقة أفضل وتطور مستمر.

إن الصناعات الحرفية تحمل في طيات نقوشها تاريخا عريقا لهذا الوطن المعطاء، وتوثق لقرون مضت، كما أن الصناعات الحرفية تربط ذاكرة الماضي بواقع الحاضر المزدهر والذي وجد فيه الحرفي الإماراتي كل الرعاية والاهتمام من قبل الهيئة العامة للصناعات الحرفية.

فتاريخ المهن المحلية القديمة الممتد له الأثر الأكبر في تطور وازدهار صناعة الفضيات، وانعكس ذلك التطور على حرفة صناعة الفضيات من خلال تعدد المنتجات الفضية وتنوعها، وقد أصبح لدينا باقة متنوعة من الصناعات الفضية تختلف بحسب الاستخدام.

لافتة

آمل واشدد على ضرورة المحافظة على هذه المهن، فمن شأنها أن تظل عاملاً مهماً في تنمية السياحة وجذبها إلى الدولة، وتبقى قطاعا ثمينا يحمل عبق الماضي ودقة وتصميم الحاضر، ليعكس مستوى الذوق الجمالي، وتترجم الاتجاهات النفسية باعتباره إرثاً جمالياً تركه لنا أجدادنا وهو ينطوي على أسرار إبداعية ومعان جمالية تعبر عنها سيمفونية من الألوان الجذابة، وكل ذلك يتجلى في صناعة رائعة تمتاز بدقة الصنع وروعة التصميم والتشكيل والزخرفة التي يقوم بها حرفيو هذه المهنة العريقة.

وأتساءل.. لماذا لا تتواجد مراكز شبابية متخصصة في تدريب الشباب على صناعة الفضيات ذات الهوية الإماراتية ورفد السوق المحلي بالمنتجات الفضية المحلية، مما يسهم في رفع مستوى الدخل، وتامين فرص عمل، وتوفير أياد وطنية تعمل في مجال صياغة المشغولات الفضية، إلى جانب الحفاظ على الهوية الوطنية.