يحدث في كثير من الأحيان، أن يقرر أقارب تأسيس مشروع تجاري معاً، وفي هذا الحالات، تتسم مثل هذه المشروعات بصبغة غير رسمية، فالحسابات والمراجعات والقوانين، تتنحى أمام صلة الدم أو القربى، ولكن قد تشتعل نيران الخلافات بشكل عنيف، فيرمي الجميع بكل شيء وراء ظهورهم، وتندلع بينهم منازعات عمالية، سرعان ما تنتقل إلى ساحات وزارة العمل والمحاكمات العمالية.

وحسب القانون، فإن وزارة العمل، لا تستطيع غض الطرف عن مثل هذه المنازعات، فهي في نهاية الأمر تستند إلى قوانين أقرتها الدولة، من أجل ضبط إيقاع العلاقات التجارية، بحيث يحظى كل ذي حق بحقوقه، من دون أن يجور طرف على آخر. فما هي أغرب الحالات التي تلقتها وزارة العمل من شكاوى «عمالية-عائلية»؟ وهل تنتهي مثل هذه المنازعات إلى الصلح الودي، أم أن حدة الخلافات تتصاعد، من دون أن يكون هنالك خط رجعة؟

وكيف تتعامل الوزارة مع شكوى ترجع إلى خلافات عائلية بين طرفيها أكثر مما تعود إلى وجود خلافات قانونية تجارية؟

هذا الأسئلة وغيرها... هي ما تحاول السطور المقبلة الإجابة عنها، ولتكن البداية مع أغرب القصص والحكايات.

 

الزوجة الثانية!

كان مشهداً مأساوياً حزيناً، في مكتب المحقق العمالي في إمارة أبوظبي.

شيخ طاعن في السن، يحتضن ابنه الشاب، ويبكيان معاً بكاء حاراً، إلى درجة أن الدموع أغرقت وجه المفتش العمالي، فدعاهما إلى الجلوس، وطلب لهما ما يشربانه، حتى يهدآ.

كان الابن قد تقدم بشكوى ضد أبيه يتهمه فيها بالانقطاع عن العمل عن ورشة النجارة التي يمتلكها، ولما حضر الأب أمام المحقق العمالي، نظر إلى ابنه نظرة عتاب، ثم ناشد المحقق سرعة إنهاء إجراءات إنهاء العلاقة، لأنه يريد ألا يعمل بعد الآن مع هذا الابن العاق.

ثم شرع الأب وهو باكستاني الجنسية، يوجه حديثه إلى ابنه قائلاً: لم أكن أحسب يوماً، أن يسدد لي فلذة كبدي، هذه الطعنة الغادرة في الظهر، بعدما ربيته وتجرعت المشقة والتعب، حتى أجعله رجلاً... الآن تتنصل من أبيك، وتريد أن تنهي إقامته، وترسله ليعيش وحيداً في بلده.

عندئذٍ انهمرت دموع الابن، وانكب على يدي والده، يقبلها وهو يقول: سامحني يا أبي، وأرجوك ألا تغضب علي، وأن تغفر لي، فأنا مخطئ في حقك، وسأسحب شكواي الآن... فانخرط الأب بدوره في نوبة بكاء حادة.

في هذه الأثناء، كان المفتش العمالي، يشاهد هذه التراجيديا متعجباً، فسألهما الهدوء، حتى يفهم أصل المشكلة، فروى الابن: إن الأب كان قد قرر الزواج من سيدة أخرى، مما دفع الأم إلى أن تستشيط غضباً، ومن ثم طلبت من ابنها أن يلغي إقامة الأب، حتى يفشل مخططه، ولأن الابن تعاطف مع أمه، قرر الاستجابة لها، ولكنه حينما رأى دموع والده وانكساره، شعر بفداحة ما اقترف من خطأ وذنب.

 

تقويم الابن

قصة ثانية طرفاها هذه المرة، أب وابنه، من جنسية عربية، ولكن الاختلاف فيها، هو أن الأب هو الذي تقدم بالشكوى.

قالت الشكوى: إن الابن متغيب عن العمل منذ فترة، في الشركة التي يمتلكها أبوه، مما يجعله موظفاً غير ملتزم، ويستدعي إنهاء علاقة العمل بينهما. نظر المحقق العمالي في مقر وزارة العمل في دبي في أمر الشكوى بصورة مجردة، فهي تستند إلى قوانين العمل، التي تبيح لأي صاحب عمل أن يشكو موظفه في حال كان متضرراً من سلوكه، بغض النظر عما إذا كانت تجمعهما قرابة وصلة دم، غير أنه حاول إقناع الأب تقويم ابنه بالحسنى، وبالاستناد على أنه قبل كل شيء فلذة كبده، فرفض الأب الشاكي وتشبث بحقه القانوني، مما تطلب استدعاء الطرف الآخر، ألا وهو الابن لسماع أقواله.

وأثناء المواجهة بين الشاكي والمشكو عليه، تبين للمحقق، أن السر وراء الشكوى، ليس خلافاً في العمل، وإنما لأن الابن الذي تزوج حديثاً، لا يزال يعيش حياة الاستهتار ولم يدرك بعد أن الزواج مسؤولية عليه أن ينهض بها، فقرر الأب تقويمه وعقابه!

ولأن الأمر ليس من ضمن اختصاصات وزارة العمل، فقد تم حفظ الشكوى، بعد إقناع الأب، بالسعي إلى تقويم ابنه بطريقة أخرى.

ومن حكاية الأب وابنه إلى حكاية زوجين لم يستطيعا إقناع زوجتيهما بعدم جدوى العمل نظراً لحاجة الأسرة إليهما، فاضطرا إلى التقدم بشكويين منفصلتين إلى قسم التفتيش العمالي بوزارة العمل ضد زوجتيهما، والتهمة هروب وعمل دون الحصول على إذن عمل!

في الشكوى الأولى تقدم زوج عربي بشكوى ضد زوجته الأوربية التي هجرت المنزل لتعمل في أحد محلات الملابس في مركز تجاري في دبي، وقال الزوج: إن زوجته رفضت الانصياع لأوامره بعدم العمل، ألا أنها أصرت على رأيها والتحقت بوظيفة بائعة في محل ملابس رغم أنها مازالت على كفالته وبالتالي تعد مخالفة للقانون.

أما الشكوى الثانية، فقد تقدم بها وافد عربي يقيم في دبي، ضد زوجته لأنها خالفت أوامره، وقررت أن تعمل رغم أنه يرفض ذلك، ولكي تتخلص مما اعتبرته تحكماً في حياتها، استأجرت بيتاً في إمارة الشارقة، وهجرت بيت الزوجية.

وبطبيعة الحال، وكون هذه الشكوى لا تدخل ضمن اختصاصات وزارة العمل، فقد نصح المحقق العمالي الزوج بالتوجه إلى محاكم الأحوال الشخصية.

لكن الزوج دفع مجدداً بشكوى ضد الزوجة تفيد بأنها تعمل نادلة في أحد المقاهي، من دون الحصول على إذنه، مما يخالف القوانين باعتباره الكفيل.

 

الخالة فصلته

وتقدم عامل في إمارة أبوظبي بشكوى يطلب فيها الحصول على تصريح عمل مؤقت، لأن ربة العمل «وهي خالته» قد فصلته فصلاً تعسفياً من محل الملابس الذي تمتلكه، ولأنه تقدم بشكوى عمالية ضدها، وطالب العامل في شكواه بإصدار تصريح عمل مؤقت له لحين الفصل في منازعة عمالية ضدها.

ونصت الشكوى على أن العامل اتهم خالته بفصله تعسفياً بعد ثلاثة أشهر من التحاقه بالعمل، كما امتنعت عن سداد مستحقاته المادية، مما يعني أنه في حاجة ماسة وعاجلة إلى العمل، خصوصاً وأنه تكبد تكاليف انتقاله ورسوم العمل والإقامة بالمخالفة لقوانين وزارة العمل التي تلزم المنشأة بتحمل كل هذه التكاليف. وحينما استدعت الوزارة المشكو في حقها، رفضت الشكوى من حيث الشكل والمضمون، وزعمت أنها سددت له كل مستحقاته، لكنها لم تحتفظ بالأوراق التي تثبت ذلك، كونها لم تتوقع أن يقوم ابن أختها بما وصفته «بعمل مشين» على هذا النحو. وأمام تشبث كلا الطرفين بأقواله، تقرر تحويل القضية إلى المحكمة العمالية.

 

مخالفة قانونية

وتعليقاً على هذه الظاهرة، يقول حميد بن ديماس مدير عام وزارة العمل بالوكالة: إن الوزارة تتعامل مع مثل هذه الحالات على أنها شكاوى عمالية، بغض النظر عما يكون في الكواليس من دوافع ومبررات، وفي كل الحالات يتم بحث الشكوى بشكل مجرد، للوصول إلى الحقيقة، ففي حال كانت الدوافع والمبررات منطقية، وكانت هنالك ثمة مخالفة ما لقوانين العمل، يتم البت في الشكوى، أما في حال، لم تكن هنالك مخالفة للقانون، فإن الوزارة تقوم بالتعامل مع الشكوى على اعتبار أنها كيدية، ومن ثم يكون القرار الوحيد هو حفظها.

لذلك يجب على من يتقدم بشكوى من هذا النوع إلى وزارة العمل أن يفصل بين العلاقات الأسرية والعلاقات العمالية التي تحكمها قواعد وضوابط نص عليه قانون العمل، وبالتالي استخدام هذه العلاقة لأي هدف صوري مثل عمل إقامة صورية أو استخراج بطاقة عمل من دون أن يكون صاحب البطاقة يعمل لدى كفيله الذي هو في الوقت نفسه من أفراد عائلته، يعرض كلا الطرفين للمسؤولية القانونية لأن هذا الأمر يعتبر مخالفة قانونية يترتب عليها إساءة، وكثيرة هي الحالات التي يتقدم فيها بعض الأفراد بشكاوى في الوزارة ضد أحد من أفراد أسرته من دون أن تكون بينهما علاقة عمل.

ويؤكد أن الوزارة تنظر في مثل هذه القضايا إلى حقيقة العلاقة بين الطرفين، فإذا اكتشفت أن العلاقة بين الطرفين صورية تحرك الدعوى ضد جميع الأطراف ويتم التحقيق معهم ومعاقبة من تقدم بالبلاغ لأنه قدم بيانات كاذبة إلى جهة رسمية، مشيراً إلى أن هناك آليات في الوزارة لكشف ذلك من خلال معرفة الراتب أو من خلال مفتش من الوزارة يزور مكان العمل للإطلاع لكشوف الحضور والانصراف لمعرفة ما إذا كان هناك علاقة عمل بين الشاكي والمشكو في حقه أم لا.

تدمير الكيان الأسري

 

قالت الدكتورة آمنة خليفة أستاذ أصول التربية في جامعة الإمارات، مدير عام مؤسسة حميد بن راشد للتطوير والتنمية البشرية: إن سيطرة القيم المادية، وقيام قطاع كبير من البشر، بجعلها على صدارة أولوياتهم، يؤدي بالضرورة إلى تصدع العلاقات الأسرية، وتدمير صلات القربى بين أفراد المجتمع.

وأضافت: إن ظاهرة لجوء بعض الأزواج أو الآباء والأبناء إلى المنازعات العمالية، والوقوف أمام المحاكم لتفصل في خلافات مادية، تمثل تنصلاً من كل قيم المودة والرحمة التي يجب أن تهيمن على الحياة، مما يستدعي طرح السؤال: إلى أي حد تأثر المجتمع بالأفكار المستوردة، وإلى أي مدى انعكست الثقافات الوافدة سلباً علينا؟

وتقول: من الأجدر بأي زوجين أو والد وابنه، أن يلجآ إلى معالجة ما قد يطرأ بينهما من خلافات، في إطار أسري، وما من بأس في اللجوء إلى حكم يثقان فيه، للفصل بين الطرفين، فالوقوف أمام جهة تحقيق سيؤدي بالضرورة إلى شرخ العلاقة شرخاً لا يتم رأبه فيما بعد.