تعد شجرة الغاف من العلامات المميزة وإحدى الأشجار الوطنية في الإمارات، وتمتاز بالخضرة الدائمة طوال العام، إلا أن قلة المياه الجوفية وندرة هطول الأمطار أدت إلى تراجع أعدادها. ويتراوح عمر شجرة الغاف بين ‬80-‬150 سنة تقريباً وكلما عمرت زاد طولها، وتتواجد في السهول الوسطى للدولة شرقي الساحل الغربي وفي الوديان الرملية. وتمتلك شجرة الغاف فوائد عديدة أهمها وقف الزحف الصحراوي للمناطق إضافة إلى الاستفادة من بذورها كعلف للحيوانات، واستخدم الإنسان أخشاب «غاف الكيل» في بناء بيوت الشعر لما تمتاز به من الاستقامة وتستخدم الأغصان الصغيرة كوقود لطهي الطعام في المنازل، بينما يتم استخدام الكبيرة للحصول على الفحم «الصخام»، ويتم تقليم شجرة الغاف وتقطيع غصونها مرة واحدة في السنة خلال الفترة من ديسمبر حتى نهاية فبراير تقريباً.

 

حملة المليون

وحرصاً على سلامة هذه الشجرة أطلقت بلدية الذيد بالتعاون مع المجلس البلدي حملة الغاف لزرع مليون شجرة منها وتوزيع شتلاتها على المنازل في الأحياء السكنية، وجاء ذلك ضمن أسبوع التشجير الحادي والثلاثين بمشاركة من طلاب المدارس ومسؤولي المنطقة كما حثت البلدية الجميع على زراعة هذه الشجرة سواء في المنازل أو المزارع.

وقد حث محمد سلطان بن هويدن رئيس المجلس البلدي في الذيد المواطنين بالاهتمام بزراعة شجرة الغاف وذلك من خلال المبادرة التي قامت بها البلدية بالتعاون مع المجلس البلدي في منطقة الذيد وقال: «حملة الغاف تبنتها البلدية بالتعاون مع المجلس البلدي وجاءت هذه المبادرة نظراً للغزو الذي واجهته المنطقة من الإنسان والتطور العمراني الذي كان له دور كبير في قطع الأشجار حيث كانت شجرة الغاف تتركز في الأودية، وكانت هذه المناطق المنخفضة موطن الغاف، وتم إتلاف الكثير منها جراء قطع أخشابها بكثرة وفي غير موسم القطع كما أن الرعي الجائر كان سبباً في انخفاض نسبتها في المنطقة حيث أن أهالي المنطقة والجهات المعنية تحترم هذه الشجرة ووضعت لذلك قانوناً لمنع قطع الأشجار وخاصة الغاف منها سنتين وعدم الإسراف في القطع أثناء فترة تصريحه، وكانت هناك طريقتان للقطع، إما بتقصيته أي تقطيع أطراف الشجرة أو التقطيع من خلال رعي الإبل وتغذيتها من الغاف بشكل مباشر. واستهدف برنامج الحملة حماية الغاف وزراعتها والذي يمتد لفترة تستغرق أربع سنوات زرع ‬250 ألف شجرة سنوياً حيث تتطلب زراعة الشجرة الواحدة من ‬3,5 دراهم إلى ‬6 دراهم وتحتاج فترة للنمو تستغرق عاماً حتى تكبر وبعد ذلك يتم سقيها بالماء مرة شهرياً في السنة الأولى والثانية مرة كل شهرين أما السنة الثالثة كل ثلاثة شهور يتم سقيها مرة، وتتضمن الخطة الحالية للحملة زرع الغاف في الأحياء السكنية ومنح كل منزل ‬10 شتلات أو أكثر إذا أراد الشخص بلا مقابل لتحفيزهم على زراعتها. ويتم استخدام ثمار الغاف من الحنبل كعلف للحيوانات حيث أن الشجرة الواحدة تستطيع إنتاج ستة أكياس سنوياً إضافة إلى الاستخدامات الأخرى التي تشتق من الغاف.

 

صديقة البيئة

وتحدث خليفة الطنيجي مدير الطب الوقائي في الذيد وناشط في زراعة الغاف عن اهتمامه بهذه الشجرة وقال: إن شجرة الغاف هي شجرة صديقة للبيئة ومن أفضل الأشجار التي تتأقلم مع مناخ دولة الإمارات وتتحدى عواقبه من رطوبة وجفاف وحرارة. وكثيراً ما نراها في المناطق الساحلية والصحاري ونادراً ما نلقاها في المناطق الجبلية حيث يكثر السمر والسدر في الجبلية. وتتسم شجرة الغاف ببعض الصفات والتي تختلف باختلاف مراحل نموها وفي أولها يطلق عليها الحضيبة وبعد نموها بفترة تسمى «نشوة» وفي هذه المرحلة لا يتم تقطيعها لأن موسم التقطيع يكون في نوفمبر أو ديسمبر حتى نهاية يناير، أما الغصن الذي يقطع فكان يطلق عليه قديماً (ركبة) ينمو مكانه بعد مدة عشرة أغصان (ركب)، أما المرحلة الثالثة فيطلق عليها غافة وبعد ذلك عندما يزيد حجمها قليلاً تسمى (عود). ويضيف الطنيجى أنه إذا تم قطع الأغصان أو الركب خلال الشهور الثلاثة المحددة تبدأ تزهر ويطلق على هذه الزهور(ناظر الغاف) وتميل ألوان الأزهار إلى الاصفرار المخضر، وإذا تم قطع الأغصان أو (الركب) بعد أو قبل الفترة المخصصة للقطع تذبل الشجرة وكانوا قديماً يصفونها عندما تذبل بأنها «تستحزن» وقد يستغرق نموها بعد ذلك فترة طويلة أو أنها تموت في بعض الحالات النادرة. ويحرص الطنيجي على زراعة الغاف في مزرعته ومنزله حيث قام بشراء الكثير الشتلات وزراعتها وفي المساحة الكائنة في منزله قام بتشكيل دائرة كبيرة من الغاف.

 

أشجار معمرة

وأكد سلطان مطر بن دلموك الكتبي عضو المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة أن شجرة الغاف تحتل المرتبة الثانية في الأهمية بعد النخلة بالنسبة لسكان الإمارات، وهي من الأشجار المعمرة وتتحمل الظروف البيئية الصعبة، وكانت منطقة وشاح التي تبعد عن مدينة الذيد سبعة كيلومترات تقريباً، تحتضن وادياً من شجر الغاف وبمساحات كبيرة ويسمى وادي الخبي ويقع هذا الوادي خلف شعبية وشاح الجنوبية الحالية. وفي السابق كان شجر الغاف بأعداد كبيرة وبكثافة عالية من الأغصان حتى أنها تتدلى إلى الأرض وتعيش بها أعداد كبيرة من الطيور وخاصة طيور الحمام البري، كما حدثني والدي مطر بن دلموك بأن وادي وشاح (الخبي) كان من كثرة أشجار الغاف وتشابكها مع بعضها تعيق مرور الركبان، وكان الأهالي في السابق وحتى وقتنا الحالي يستخدمون ورق الغاف للأكل وطعام للحيوانات والحطب للطبخ، ويبيعون فحم الغاف في الشارقة ودبي، وهناك مناطق بالقرب من وشاح تسمى وادي محروق غربي وشاح والمالحة بالقرب من ميدان سباق الهجن الحالي وكانت المالحة بها غدير ماء ويعيش عليه طيور القطا تتواجد بها أشجار الغاف بكثافة، ولكن في نهاية السبعينات بدأت أشجار الغاف تندثر بسبب قلة الأمطار وبعد المياه الجوفية. وصارت المناطق المشهورة بالغاف اليوم أرضاً خالية إلا من الشجر الصغير، ونقترح التكثيف في زراعة هذه الأماكن عن طريق البلدية وريها بالتنقيط.

 

ذكرى قديمة

وكانت لنا وقفة مع الوالد محمد عبدالله بن هويدن الذي عاش الحياة القديمة للإمارات والمنطقة وكان الحزن يملأ قلبه على فقدانه الكثير من الأشجار وقلتها والتي وصفها بأنها ذكرى قديمة، وشرح لنا عن كيفية استخدام الغاف ومدى أهميته لأهل الإمارات قائلاً: منذ ولادتي وأنا أرى شجرة الغاف في كل مكان، وعندما كنا نطعم المواشي والإبل كان طعامها الأساسي من الغاف وأوراقه لامتلاكه فوائد كثيرة تعود على هذه الحيوانات، وهذا ما كان متعارف عليه بين آبائنا وأجدادنا، ومع الجفاف العائم وقلة الأمطار تراجعنا عن الاستخدام المكثف لقلة أشجار الغاف واستبدلناها بشراء الطعام المعلف من السوق لإطعام الحيوانات. وكنا في الماضي وعندما يصيب منطقتنا جفاف نطلب الإذن من شيخ المنطقة رحمه الله علي محمد بن علي بن هويدن لتقطيع شجر الغاف، فتلتم قبائل المنطقة والمناطق المجاور ونتوجه جميعاً إلى الوادي ونقطع ما يحلو لنا منها وإطعام الحلال منها. وكان الشيخ زايد رحمه الله يحث على زراعة الأشجار والغاف وأيد فكرته الكثيرون وذلك لمواجهة أخطار التصحر. وأثناء حديثنا، توقف بن هويدن عن الحديث برهة وقال: «تمر وإلا سمر وإلا من قليل الغاف»، وهذا مثل كان متعارف عليه قديماً ويحمل دلالة معنوية تدل على أهمية الغاف واستخدامه كغذاء في الضرورات. أما الآن فإن هذه الأشجار عند قطعها نرى جذوعها تميل إلى السواد الداكن، ويضيف الوالد بن هويدن بأنه الآن لا يستطيع تقطيع الخشب نظراً لقلة أشجار الغاف، وكل من أراد ذلك يقوم بتقطيعها من مزرعته الخاصة. وأشار إلى أن الغاف يحمل قيمة غذائية كبيرة ويدلل على ذلك من خلال قصة ذكرها لنا حيث أصاب ناقته المرض، وبادر بإطعامها من الغاف بكثرة حتى شفيت تماماً من ما أصابها.

 

 

تحذير

القطع الجائر يهدد شجرة الغاف

 

أدت عمليات القطع العشوائي وزحف البناء العمراني إلى تهديد انتشار شجرة الغاف وأصبحت من الأشجار التي قلّ وجودها بعد أن كانت في السابق منتشرة في الإمارات ودول الخليج، ولجأ إليها الكثيرون في الماضي من خلال توفيرها فوائد كثيرة من غذاء ودواء، ورغم حاجة هذه الشجرة القليلة للماء إلا أن المتغيرات التي من حولها أثرت في تراجعها، إضافة إلى عدم اهتمام الإنسان نفسه وارتكابه بعض الأخطاء ومنها عدم تقليم الأشجار وتقطيع أغصانها خلال شهور محددة غير مدرك بأن تركها بلا تقطيع يؤدي إلى عدم تكاثرها.

 

 

غذاء

الإبل تتلذذ بالغاف «القريطي»

 

 

تتعدد أنواع الغاف ومن أبرزها «القريطي»، وتكون مملوءة بالشوك الناعم وورقها يميل إلى اللون الزعتري وكثيراً ما تتلذذ الإبل بطعمه ولكنه قد يكون مزعجاً إذا تم زرعها في البيت لمضايقة أشواكها كل من يقترب منها. أما الغافة المرة فإنها تمتاز بأوراقها العريضة وعادة ما تتكاثف الأشواك فيها، والنوع الثالث كان يطلق عليه (العبرية) أو (السلة) حيث يستطيع أي شخص صعودها وتقطيع أغصانها أو أوراقها وكان يسمى ورق الغاف (قصاي) وعملية سحب الورق من الغاف يطلق عليها (خرط الورق).