لم يكن يعرف الطفل راشد ابن السنوات السبع أن لعبته الصغيرة ستعرضه لمخاطر صحية جسيمه ستدخله إلى المستشفى لتلقي العلاج بعد شعوره بأعراض انتفاخ في البطن وإمساك حاد وضيق في التنفس نتيجة لانسداد جزئي في الأمعاء الذي حدث نتيجة لابتلاعه للعبة صغيرة على هيئة حلوى من النوع الجيلاتيني والتي انتفخت في بطنه، وكادت أن تودي بحياته لولا إنقاذ العناية الإلهية له، وكانت حالة الطفل راشد قد أثارت اهتمام الرأي العام في الدولة، خاصة وأن السوق المحلي متشبع بألعاب الأطفال والتي تمتاز بألوانها وأشكالها الجذابة، ومن بينها الألعاب الجيلاتينية التي تنتفخ بعد تعرضها للبلل، لترتفع بعد هذا الحادث الأصوات المنادية بضرورة تشديد الرقابة على سوق ألعاب الأطفال الذي يعتبر مهماً جداً ليس على مستوى الإمارات وإنما على مستوى العالم أجمع. وبحسب توقعات قسم الأبحاث والدراسات في إيبوك ميسي فرانكفورت (وهي شركة ألمانية متخصصة في تنظيم المعارض التجارية حول العالم) فإن حجم الإنفاق على قطاع لعب الأطفال في كل من أوروبا وأمريكا مرشح للزيادة، فيما تشير إحصائيات السوق إلى ارتفاع قيمة السوق العالمي للألعاب والذي من المتوقع أن تصل قيمته إلى حوالي ‬122,2 مليار دولار بحلول العام المقبل.

وبلا شك فإن السوق الإماراتي يعد من أهم الأسواق العالمية لشركات تصنيع لعب الأطفال، وشركات التجزئة، والموردين، خاصة وأن متوسط إنفاق المستهلك في الدولة يبلغ نحو ‬100 درهم للطفل الواحد مقارنة مع أقرانهم في المنطقة، إلى جانب أن الإمارات تتميز بقوة الإنفاق العالية والطلب الدائم لأحدث التطورات في هذا المجال وهو ما يجعلها منطقة هامة جدا لشركات التصنيع والمصممين.

معايير جديدة

وفي ظل ارتفاع الوعي بالمخاطر التي يتعرض لها الأطفال نتيجة المواد والكيماويات الضارة مثل المعدات الخطيرة والأصباغ الضارة المستخدمة في تصنيع الألعاب، فقد أصدرت مختلف الهيئات من حول العالم سلسلة من لوائح الصحة والسلامة التي تهدف إلى تغيير خريطة صناعة الألعاب، ومؤخراً أصدرت منظمة معايير الخليج لوائح السلامة والصحة على مستوى دول مجلس التعاون والتي يتوجب على شركات تصنيع وموزعي الألعاب في دول الخليج الالتزام بها، حيث حددت هذه اللوائح معايير أساسية لصناعة ألعاب الأطفال منها تجنب وجود حواف حادة لألعاب الأطفال، وألا تعرض مستخدميها لخطر الاختناق أو الغرق، ويجب أن تكون ضد الحريق وأن تتوافق مع المستويات الكيميائية القياسية.

كل ذلك يطرح السؤال إلى أي حد باتت الشركات المصنعة لألعاب الأطفال حريصة على اتباع معايير السلامة في منتجاتها كافة، علماً بأن العالم أجمع لم ينس بعد أزمة الألعاب الصينية التي حدثت في العام ‬2007 عندما قررت شركة الألعاب الأميركية «فيشر برايس» سحب نحو مليون لعبة صنعت في الصين من الأسواق بسبب مخاوف تتعلق بسلامة مستخدميها، حيث كانت تلك الألعاب تحتوي على مواد خطرة ثبت تأثيرها السلبي على النمو العقلي للأطفال ما دون سن الخامسة، وبلا شك أن ذلك القرار قد انتزع ثقة المستهلك في الألعاب المصنعة في الصين.

إثارة خيال الطفل

«البيان» استطلعت آراء بعض مدراء شركات صناعة ألعاب الأطفال للتأكد من مدى حرص الشركات المصنعة للألعاب الأطفال على معايير الأمن والسلامة، وحول ذلك قال ديرك جافر، العضو المنتدب لشركة «وايلد ريببلك» لمنطقة أفريقيا والشرق الأوسط: «نحن ننتج مجموعة من الألعاب المستمدة من الطبيعة، التي تبرز جماليات الطبيعة بالإضافة الحيوانات الموجودة فيها، كما نقدم أيضا مجموعة واسعة من الألعاب التفاعلية والمبتكرة التي تساعد على إثارة الخيال لدى الطفل وتساعد على جعل عملية التعلم بالنسبة له متعة، ولذلك نحرص على وضع نشرة مرافقة لأي لعبة تحتوي على بعض المعلومات المفيدة عن اللعبة خاصة إذا كانت تمثل نموذجاً لحيوان معين، بحيث تساعد الطفل في التعرف عليها». وحول معايير الأمن والسلامة التي يجب أن تتوفر في ألعاب الأطفال قال جافر: «نحن نعتمد في صناعتنا على المعايير الدولية وذلك بسبب انتشار مكاتبنا وفروعنا حول العالم، أما بالنسبة لسوق الإمارات فإلى جانب المعايير الدولية نعتمد أيضاً المعايير الجديدة «لمنظمة معايير الخليج»، ونحرص على إخضاع كل قطعة من إنتاجنا للفحص الفني قبل وصولها إلى الأسواق، وذلك للتأكد من عدم تشكيلها لأية خطورة على الطفل بأي شكل من الأشكال، وبالطبع يتم إخضاع كل قطعة للفحص المخبري من حيث الألوان والمواد المستخدمة فيها، وفي حالة عدم تطابقها مع المعايير التي نعتمدها في التصنيع يتم إتلاف اللعبة على الفور، فلا يمكننا المغامرة في هذا الأمر حفاظاً على سلامة أطفالنا بالإضافة إلى سمعتنا حول العالم»، وأضاف: «كما نحرص إلى الإشارة في كل لعبة أو قطعة نقوم بإنتاجها إلى العمر الذي يتناسب معها، ونتعمد أن تكون بخط واضح ومكان بارز ليعرف أولياء الأمور ما إذا كانت هذه اللعبة تناسب طفلهم أم لا، وحتى بالنسبة للقطع الصغيرة فيتم مراعاة ألا تكون أطرافها حادة، وأن تكون ألوانها غير ضارة أو قابلة للتحلل لإدراكنا أن الطفل قد يضعها في فمه، وعموماً نحن نحرص على وضع تحذير للأهل على كل قطعة، وهذا كنوع من التحفيز لهم لرفع مستوى مراقبتهم لأبنائهم الصغار، كما نشير داخل النشرة إلى أن هذه القطعة لا يمكن أن تعطى لطفل صغير بعمر السنة أو أقل».

مسؤولية الوالدين

من جهته قال إيهاب ديبدب، مدير العمليات في شركة «إنوستريم» بمنطقة الخليج: «لدينا تشكيلة واسعة من الألعاب التي تناسب مختلف الأعمار، مثل نماذج للسيارات الصغيرة والكبيرة المخصصة للأعمال الإنشائية، لتعليم الطفل على آلية عمل هذه السيارات، بالإضافة إلى ذلك لدينا ألعاب أخرى تهدف إلى تطوير عقل الطفل وتعليمه ومساعدته في التعرف على البيئة المحيطة به»، وأشار ديبدب إلى أن شركته تحرص على توفر معايير الأمن والسلامة في كافة الألعاب التي تبيعها، وقال: «نحن نتعامل مع مقاييس الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن خاصة فيما يتعلق بقطع الألعاب البلاستيكية والتي تكون عادة للأطفال من سن الثالثة وحتى العاشرة»، وتابع: «عند الحديث عن معايير السلامة يجب النظر إلى مدى التزام الشركة المصنعة بالمعايير الدولية والتي تمنع وجود أجسام سامة أو أن تكون الأطراف فيها حادة أو أن تكون اللعبة قابلة للكسر وغير ذلك، ولكن في المقابل هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الوالدين، حيث يجب عليهم أن يعرفوا جيداً ما الذي يحتاجه طفلهم، وعليهم الإطلاع على النشرات التحذيرية التي تكون موجودة مع كل لعبة، بالإضافة إلى التحقق من إذا كانت هذه اللعبة تناسب سن طفلهم أم لا، وهذا عادة يشار إليه على الغلاف الخارجي للعلبة».

ومن جانبه قال أحمد باولس، الرئيس التنفيذي لإيبوك ميسي فرانكفورت والتي قامت مؤخراً بتنظيم معرض «بلاي ورلد» الشرق الأوسط: «إن اللوائح الجديدة من شأنها وضع معايير ونظم جديدة للشركات المصنعة للألعاب حول العالم، حيث يتوجب عليهم، إن كانوا يريدون مواصلة العمل في هذا القطاع، ضمان الالتزام بالإجراءات الجديدة للصحة والسلامة»، وأضاف: «لقد بدأت شركات التصنيع والموزعون، والموردون وشركات التجزئة الآن وضع هذه اللوائح بعين الاعتبار عند تصنيع منتجاتهم الجديدة من اللعب والألعاب، وهو ما سعينا لإبرازه من خلال عرض الألعاب الآمنة الخالية من المخاطر في معرض بلاي ورلد الشرق الأوسط».

ألعاب الفيديو

تجدر الإشارة هنا إلى أن حجم سوق الألعاب العالمي وحتى المحلي آخذ بالارتفاع، ويتوقع أن يتجاوز المئة مليار دولار بحلول العام القادم، وفي إشارة منها إلى نسبة ما تنفقه الأسرة العربية على الألعاب مقارنة مع أوروبا وأميركا، قالت مونيكا كويبك، مديرة معرض الألعاب «بلاي ورلد» الشرق الأوسط: «تشير الإحصائيات العالمية إلى أن معدل الصرف السنوي بالنسبة لألعاب الفيديو في أسواق المنطقة يصل إلى ‬1200 درهم للطفل الواحد، ويتضاعف هذا الرقم في أوروبا وأميركا الشمالية، أما بالنسبة لدبي فقد أشارت الإحصائيات إلى نجاحها في مضاعفة نمو قطاع الألعاب بنسبة تصل إلى ‬11,8٪ سنوياً».

معايير السلامة تشمل أثاث الأطفال

أصبح المستهلكون أكثر إدراكاً للمخاطر الصحية التي قد تتسبب بها ألعاب الأطفال خاصة تلك التي لا تتبع معايير السلامة والأمان في إنتاجها، وفي الفترة الأخيرة اهتمت هيئات المواصفات والمقاييس في دبي ومنطقة الخليج كثيراً بالمعايير التي يجب أن تتوفر في ألعاب الأطفال بأن تكون خالية من أية مواد سامة وأن تكون الحواف فيها غير حادة، وذلك لتجنيب الأطفال الأخطار التي قد تسببها لهم هذه الألعاب. من جهة أخرى، زادت الشركات المصنعة لألعاب الأطفال من حرصها على إنتاج ألعاب تتناسب مع أعمار الأطفال وأن تكون خالية من أية مخاطر قد تقع أثناء استعمالهم لها، الأمر ذاته انسحب أيضا على أثاث الأطفال فقد دفع العديد من المستهلكين الشركات العاملة في هذا المجال إلى تطبيق معايير السلامة والأمان بالإضافة إلى الجودة العالية فيها، حيث أخذت الشركات بتجهيز الأثاث من المواد اللينة لتجنب إصابات الأطفال، إلى جانب مراعاة عدم احتواء معدات الرضع على أجزاء ضعيفة أو طلاء سام أو عنصر الرصاص المضر جداً بالأطفال.