شرع الإسلام الخلع، انطلاقاً من احترامه لحق المرأة وتقديره لكيانها، واستجابةً لرغبتها في إنهاء الحياة الزوجية، في حال كانت متضررةً منها، بشكل أو بآخر، على أن تؤدي لزوجها، مقدم الصداق الذي سدده، وتتنازل عن حقوقها لديه.
ويتم الخلع بحكم من القضاء، وحسب القانون، لا يجب أن تفصح الزوجة عن أسباب رغبتها في إنهاء العلاقة الزوجية، على أساس أن هذا الإفصاح قد يؤدي إلى جرح مشاعرها، غير أن المنطق يقتضي أن تكون الأسباب التي تتذرع بها كل امرأة لتحطيم بيتها، أسبابا منــــــطقية قوية، إذ لا يجوز اللجوء لأبغض الحــــــــلال «الطـــــلاق أو الخلع» ما لم تكن الحياة بين طرفي العلاقة الزوجية، قد غدت مســـتحيلة.
فهل هذا هو ما يحدث دائماً، أم أن بعض النساء يستخدمن حقوقهن الشرعية، في الحصول على الخلع، لأسباب واهية؟
وما هي أبرز وأغرب المسببات التي تقف وراء رغبة بعضهن في الخلع؟ وهل أصبح هدم أركان عش الزوجية سهلاً إلى الحد الذي يدفع زوجات إلى طلب الخلع لأسباب أقل ما يمكن أن توصف به، أنها سخيفة وغير مقبولة؟
أسباب واهية
تقول وداد لوتاه الخبيرة والمستشارة الأسرية والموجهة الأسرية السابقة في محاكم دبي: من الظواهر المؤسفة والغريبة أن الكثيرات أصبحن يهدمن بيوتهن لأسباب تافهة هشة، وهناك من واقع خبرتي في هذا المجال، قصص لبيوت تهدمت، لا يكاد العقل أن يصدقها من فرط سخافتها.
ومؤخراً طرقت بابي سيدة مواطنة في منتصف العشرينات، وقد تزوجت منذ أقل من عام، وهي جامعية ومتعلمة، وعلى قدر لا بأس به من الثقافة، ولكنها رغم هذا كله، ترغب في الخلع، لأن حماتها ؟ حسب كلامها- شديدة التدخل في شؤونها، ولأن زوجها شديد الارتباط بأمه، التي تتدخل في كل شؤون حياتنا.
وتتابع لوتاه: بعد استماعي لقصتها، أخذت أشرح لها أن ما تعتبره هي تدخل في الحياة، هو ليس إلا مشاعر حب فياضة، تجاه هذا الابن، وأن وجود حماتها معها في بيت واحد، سيكون ذا فوائد جمة، حينما يرزقها الله بالأطفال، حيث ستتولى الجدة عنها الكثير من أعباء رعاية الصغار، حتى بدأت ثورتها تهدأ وتراجعت عن الفكرة الهدامة التي كانت تهيمن عليها.
ومن الحالات الغريبة أيضاً، حالة زوجة شابة تطلب الخلع، لأن زوجها يطلب منها تخفيف ماكياجها وزينتها لدى خروجها إلى الدوام، وهو الأمر الذي اعتبرته حجراً على حريتها وانتقاصاً من كرامتها.
كما استقبلت مؤخراً حالة لزوجة تطلب الخلع، لأنها حصلت على فرصة عمل مرموق، ولكن زوجها يرفض هذا العمل، ولما استدعيت الزوج للتعرف على مسببات رفضه، قال لي: إن العمل الجديد يقع في إمارة بعــــــــيدة عن مقر سكن الزوجية، مما سيؤدي إلى استهلاكها في الذهاب والإياب، وبالتالي سيحرم طفليها الصغيرين من رعايتها.
قصص غريبة
وتواصل لوتاه سرد القصص الغريبة، حيث تقول: ذات مرة طرقت بابي سيدة في بداية الثلاثينيات، على قدر من الجمال والتعليم، لتطلب الخلع من زوجها، لأنه حسب قولها، يعتدي عليها بالضرب والسباب، ويعاملها بوحشية، مما دفعني إلى التعاطف معها، وحينما استدعيت الزوج لمناقشته، وجدت نفسي إزاء شاب دمث الخلق هادئ الطباع، الأمر الذي دفعني إلى التشكك في كلامها، ولما استدعيتها مرة ثانية، فوجئت بأن سبب إصرارها على الخلع، يعود إلى أن هذا الزوج، يرفض أن يشتري لها مستحضرات تجميل من ماركة عالمية باهظة الثمن.
وتقول: ومن حالات الخلع الغربية أيضاً، حالة لزوجة طلبت الخلع من زوجها لأنه رفض جلب خادمتين لها مثل جارتها التي لا تعمل ولديها خادمتان في حين أنها ؟ أي الزوجة - تعمل وليس لديها سوى خادمة واحدة، وهناك زوجة طلبت الخلع أيضاً لأن زوجها أحضر خادمة لأمه الطاعنة في السن ولم يجلب لها خادمة، وأخرى طلبت الخلع من زوجها لأنه يصر على أن يعيشا في بيت الزوجية الكائن في حي شعبي في إحدى إمــــــــارات الدولة، وهي تريد السكن في حي راق.
وتتابع وداد لوتاه: مثل هذه الحالات الغريبة تنذر بأن هناك منظومة قيم مختلة بدأت تتسرب إلى المجتـــــمع، وتحطم قيمنا الأصيلة، فالطلاق كان دائماً من الخيارات التي تحاول المرأة قدر الإمكان تجنبها، وكثيراً ما كانت المرأة تصبر على الضيم حرصاً على مصلحة أطفالها، وحتى لا تحمل لقب: مطلقة.
وتكشف أن الغالبية العظمى ممن يرفعن دعاوى خلع من المتعلمات، وبعضهن يقرأن قوانين الأحوال الشخصية للتعرف على المواد القانونية التي تكون في صالحهن، الأمر الذي يمثل مفارقة غريبة، ويضع على وسائل إعلامنا مسؤولية كبيرة، وتتمثل في ضرورة التثقيف والتوعية بمخاطر هذه الظاهرة الغريبة وغير المفهومة.
خلافات بسيطة
ويرى عيسى المسكري، خبير الاستشارات الزوجية، أن معظم المشكلات الأسرية الكبرى، تنجم عن خلافات بسيطة، ومن الممكن تجاوزها بوسائل بسيطة أيضاً.
ويضيف: تقع معظم حالات الخلع بسبب شعور الزوجة بأنها محرومة من القوامة، وبأن زوجها لا يلبي حاجاتها العاطفية أو المادية، أو لأنه لا يعتمد عليه، وهو أمر يجب تداركه بالتوسع في برامج التثقيف التي تستهدف تعريف الشباب بواجباتهم بعد الزواج، وتبصيرهم بالمسؤوليات التي ستكون ملقاة على عاتقهم بعدما يودعوا حياة الفوضى والعزوبية.
لحظات الانفجار
من جانبها ترى الاختصاصية النفسية أمل بالهول، أن لجوء المرأة إلى الخلع، يحدث عادةً فيما تسميه «لحظات الانفجار» فقد يحدث أن تلجأ امرأة ما إلى قرار الخلع، لأسباب تريد أن تحتفظ بها لنفسها، كونها حساسة أو تسبب لها الخجل، ولما تُسأل عن الأسباب، تضطر لفبركة أسباب قد تبدو غير منطقية.
وتقول: لكن هذا لا ينفي أن بعض النساء مزاجيات، وقد يؤثر تقلبهن المزاجي على حياتهن، ومن ثم يتخذن قرارات خاطئة، ويتشبثن بهذه القرارات التي تنافي المنطق والعقل، ويدمرن بيوتهن من دون مقابل.
وتقول: في الخلافات الأسرية، يجب علينا أن نعي بأنه لا يوجــــــد منتصر ومهزوم، وهناك دائماً حلول تقريبية ومنطـــــقة التقاء وتنازلات من الطرفين، إذا كانا يريدان لحياتهما أن تستمر، ويجب على المــــــرأة أن تؤمن بأن «معظم النار من مستصغر الشرر» فلا تصر على إملاء إرادتها على الزوج، في أمــــور وقضايا تافهة.
نحو المحكمة
ويقول عبد السلام درويش، رئيس قسم التوجيه الأسري، في محاكم دبي: إن الخلع حسب قانون الأحوال الشخصية في الإمارات، لا يتم إلا في حال موافقة الزوج، وذلك بعد الدخول، أما في فترة في«الملكة» أي عقد القران، دون دخول، فيحق للمرأة، أن تحصل على الخلع، من دون موافقته، وذلك شريطة أن تــرد إليه ما أنفقه من مال، أو من هدايا عينية. وبالنسبة للحالات التي أتمت الزواج، وأرادت المرأة الانفصال، فإنه يتم تحويلها إلى محاكم الأحوال الشخصية للبت فيها، وعندئذ تصبح دعوى طلاق، وكثيراً ما يرفض الزوج هذا الأمر، على اعتبار إنه إهانة لكرامته، فيوافق على إنهاء العلاقة الزوجية، مع رد ما تكبده من أموال، حتى لا يضطر للدخول فيما يعتبره البعض متاهات القضاء.
ويحصل الرجل على بدل الخلع، حيث تتنازل له الزوجة عن مؤخر الصداق ونفقة العدة وجميع نفقاتها وحقوقها الشخصية، ولكن لا تتنازل عن حقوق أبنائها لأنها لا تملك ذلك، وبعض النــــــــساء أحياناً يدفـــــــعن أموالاً إضافية، من أجل الخلاص من زوج مللن الحياة معه. ويضيف: معظم الحالات التي تطلب الخلع، تتحفظ على ذكر أسبابها، وفي حالات ما قبل الدخول، يتمثل السبب الرئيسي، في أن الفتاة تشتكي من بخل زوجها وشحه، وهي في هذه الحالة تردد: مازلت على البر وليس عليّ التورط بقية عمري مع شخص بخيل، مشيراً إلى أن التوجيه الأسري يرفض النظر إلى أية حالة، على اعتبار أنها واهية المبررات، لأن ما يعتبر بالنسبة للبعض تافهاً، قد يكون مهماً ومحورياً بالنسبة للبعض الآخر، لأننا في نهاية الأمر نتعامل مع حالات إنسانية شديدة التباين، ولا يمكن أن نصنع قوالب أو أطراً جاهزة لتطبيقها على الجميع.
ويتابع: حينما تبدو مبررات المرأة التي تطلب الخلع واهية، فإن التوجيه يحاول إقناعها بالعدول عن الفكرة، وفي حال تشبثت نحاول البحث عما إذا كانت هناك أسباباً خافية، والحق إن المرأة حينما تتذرع بمبررات واهية، فإنها تخفي على الأرجح ما لا تحب البوح به، أو أن الكيل قد فاض بها، وأن ثمة قشة كالتي تقصم ظهر البعير، لم تعد قادرة على حملها، مؤكداً أن المجتمع الإماراتي رغم كل رياح التغيير التي تهب عليه، مازال متشبثاً بقيمه العربية الأصيلة، ومازال يتعامل مع الزواج باعتباره رباطاً مقدساً، لا يجوز حله إلا تحت ذرائع قوية قهرية.
وقفة قبل إنهاء الحياة الزوجية
يرى المختصون التربويون أن ثمة سلوكيات وأخلاقيات يجب على الزوجين أن يتحليا بها، حتى تسير سفينة الحياة، وتتجنب العواصف العاتية التي قد تحطمها، فالاعتذار والكلمات الرقيقة والثناء والإطراء وتبادل الهدايا، حتى لو كانت رمزية من الممكن أن يذيب الكثير من الجليد، مشيراً إلى أن الانفصال بالطلاق أو الخلع ليس قراراً عشوائياً يتم اتخاذه من دون تفكير عميق، وإنما هو قرار مصيري ولابد من دراسته دراسة مستفيضة، قبل أن يقع المحظور.
ويؤكدون أن المرأة هي الطرف الأكثر تضرراً بسبب الانفصال، وأن المجتمع كثيراً ما يلقي عليها باللائمة في حال انفصلت عن الزوج، حتى وإن كان هذا الانفصال رغم أنفها، لذلك فالأجدر بكل امرأة وقبيل أن تتخذ قراراً برفع دعوى خلع، أن تفكر عشرات المرات، وتبدأ عملية تقييم لحياتها الزوجية، بحيث تضع نصب عينيها، عيوب زوجها وحسناته ثم توازن بين الكفتين، لمعرفة ما إذا كان الانفصال قراراً سليماً أو خاطئاً. وفي السطور المقبلة، نرصد ظاهرة الخلع لأتفه الأسباب، للبحث عن مدى انتشارها في مجتمعنا، ولمناقشة حجم ومدى التغير في منظومة القيم والعادات والتقاليد، عبر استعراض رأي الخبراء، وعلم النفس والاجتماع ورأي الشريعة الإسلامية السمحاء.
