كلثوم نور الدين فتاة إماراتية متخصصة في رعاية الطفولة، وذلك بحصولها على شهادة البكالوريوس في تخصص التربية الخاصة. دافعها الأول لهذا التخصص معاناة شقيقتها الصغرى، ومن أجل ذلك قررت السفر بعد إقناع عائلتها بالدراسة في الخارج لإكمال مسيرتها التعليمية، ومن ثم عادت إلى الإمارات لتؤدي دورها معلمة للأطفال المعوقين والمحتاجين للرعاية الخاصة، وذلك من خلال التحاقها بالهيئة التدريسية في مركز دبي للرعاية الخاصة.
تقول كلثوم: أنطلق من منزلي في أبوظبي في الصباح الباكر متوجهة إلى مقر عملي في دبي مصطحبة شقيقتي المعاقة، وبمجرد وصولي أبدأ بالتحضير لليوم الدراسي والإشراف على مدرسات القسم، ثم أتوجه إلى الأطفال بالتحية أولا ومن ثم تنظيمهم لتمارين صباحية بهدف التنشيط، كتحريك الأيدي وممارسة الرياضة بخفة وإدخالهم بعد ذلك إلى مقاعدهم الدراسية حتى نهاية اليوم المدرسي في الظهيرة، لأقوم بعد ذلك بإيصالهم إلى حافلاتهم للعودة بهم إلى منازلهم. ورغم الإرهاق الذي يدركني أثناء خروجي من العمل، إلا أني في صباح اليوم التالي أجدني متحمسة للذهاب إلى العمل بنشاط وحيوية. ولاشك أن حبي للقيام بعملي وطابعه الإنساني هو السبب المباشر لشحني بالحيوية اليومية، فهو مصدر للأجر والثواب خلافاً للراتب الذي أتقاضاه كل شهر.
وأمام هذه المشاعر فإن الصعوبات تتلاشى من أمامي، علما أن متابعة الأطفال تتطلب صبرا كثيرا وقدرة على مجاراة انفعالاتهم وسلوكياتهم وصعوبة تعلمهم بقدر من التأني والمضي معهم خطوة بخطوة حتى يبلغوا درجة كافية من التعلم.
الدافع الأول
كانت حالة شقيقتي الصغيرة وحاجتها إلى رعاية دائمة أهم الأسباب التي دفعتني وشجعتني للدخول إلى هذا المجال، بعد أن رأيت معاناتها في التعامل مع الأشياء، وبعد تكرار زيارتها للمستشفيات، وتناولها للأدوية باستمرار، خاصة ما صاحب ذلك من عدم فهم بعض الأطباء وحتى عائلتي لحالتها الصحية والنفسية، لذلك قررت أن أتجه إلى هذا المجال، لأجعل حياتي قريبة من حياة هؤلاء الأطفال الذين فقدوا الذكاء والفهم الذي يتمتع به الإنسان الطبيعي. وأبرز ما يميز هؤلاء الأطفال عن غيرهم، هو قصر الأيدي والأقدام، والمفاصل المفكوكة، والشفاه البارزة، ولديهم عيوب خلقية في القلب، وخطوط غريبة في اليد، ونسبة الذكاء لدى هذه الفئة تكون متوسطة أو فوق المتوسطة، أي وجود اختلاف نسبة الذكاء عن الشخص السليم.
تدخل مبكر
عملت مساعدة تدريس منذ تخرجي عام 1997 حتى أصبحت اليوم مسؤولة قسم، إضافة إلى تدريس الأطفال الذين تتراوح أعمارهم من 3-6 سنوات. وذلك لاهتمامي بهذه الفئة العمرية حيث يمكننا القيام بما يتصف بالتدخل المبكر بهذه السن، حيث إن الطفل في هذا العمر يعتبر جاهلاً عن أشياء كثيرة كالطفل المولود حديثاً لا يملك أي معلومات أو أفكار عما يدور حوله، لذلك أقوم بتقييم الأطفال وإعطائهم برامج فردية كلاً حسب المهارات التي يمتلكها، واستجابة لما يحتاجه الطفل من مهارات لا يملكها وتطويرها، فعلى سبيل المثال عملية تناوله الطعام بواسطة الملعقة تتبعها خطوات، وعند قيامه بتناول الطعام نعتبر هذا الأمر إنجازاً رغم سهولة الأمر عند الإنسان أو الطفل العادي، وهذا ما نهدف إليه وهو الوصول بالطفل إلى الاعتماد على النفس، لذلك أشعر بالسعادة الكبيرة عندما أحقق هذا الهدف وأرى أي طفل قد تعلم مهارة جديدة كان يجد صعوبة في تعلمها.
إنجاز
منذ عامين التحق بالمركز طفل وشقيقته، وكانت عائلة الطفلين تشعر بالانزعاج من صعوبة التعامل مع أطفالهم وصعوبة تعلمهم وإدراكهم لما حولهم، إضافة إلى أنهم لا يستطيعون الحديث أو الجلوس، ولا يكفون عن الصراخ طوال الوقت، فقمت بتعليمهم بعد ذلك ومتابعة حالتهم إلى ما بعد خروجهم من المستوى الذي أقوم بتعليمه، وبالفعل تحسن وضعهم العام وبدأت تتشكل مهاراتهم، وعن نفسي يكفيني تعلم هؤلاء الأطفال وأمثالهم، وإسهامي بإسعاد عائلاتهم، حيث يشكل ذلك بحد ذاته إنجازاً كبيراً سواء لي أو للطفل أو عائلته. خاصة أنه تنبع من هؤلاء الأطفال إبداعات وأفكار في بعض الأحيان قد لا يفهمها البعض أو لا ينتبه لها فيتجاهلها، ولكن ذلك مؤشر لأقوم باختيار من ألتمس فيه الإبداع وأنمي مهاراته قدر المستطاع وأقرب مثال لذلك: كانت فاطمة إحدى الطالبات تبلغ من العمر أربع سنوات تميل إلى الرسم، وكانت في البداية ترسم دائرة وعيون فقط عاجزة عن رسم أي شيء آخر، وكمعلمة قمت بتطوير مهاراتها حتى أصبحت ترسم لوحات جميلة لم أتوقع أن ترسم مثلها قط، وهي اليوم تدرس بجانب الأطفال الأسوياء في مدرسة حكومية، حقيقة انني افتقد هذه الطفلة كثيراً ولكن يعزيني ارتقاؤها إلى مستوى أعلى.
