منذ طفولته المبكرة، أحب عبد الرحمن صقر الزعابي، القلم والريشة والألوان، فكانت حصص التربية الفنية والأحياء والجغرافيا، هي الأقرب إلى قلبه، لأنها كانت بمثابة التدريب لموهبته الناشئة.

ولولا أنه درس إدارة الأعمال، ثم حصل على الدبلوم في تخصص الإدارة المدرسية، لكان قد اختار أن يدرس الفنون الجميلة، فالرسم - كما يقول- هو متعته الكبرى التي لا تعادلها متعة، وحينما يجلس ليصنع دنياه على مساحات الورق البيضاء، يشعر بسعادة لا يمكنه وصفها أو التعبير عنها، خصوصاً وأنه متيم بتراث وطنه الإمارات، وشغوف بالتعامل مع مفردات هذا التراث فنياً، وكذلك مهتم بأن ترصد ريشته الرشيقة، عناصر الدولة الحديثة وتفاصيل التطور والحداثة التي حققتها الإمارات، في السنوات القليلة الماضية.

 

برج خليفة

أحدث أعماله هي لوحة لبرج خليفة، أعلى ناطحة سحاب في العالم، وقد اهتم برسم هذا المعلم المعماري، الذي تفتخر به الدولة، لعدة أسباب، منها: مرور نحو عام على افتتاح البرج، ولكون رسم البرج في حد ذاته يمثل تحدياً كبيراً، نظراً لصعوبة الالتزام بالتوازن بين الأبعاد، ولدقة تصميم البرج، وكثرة التفاصيل، وفوق ذلك أن البرج، يحمل اسم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله.

ويقول: منذ الإعلان لأول مرة عن اعتزام إمارة دبي، تشييد أكبر ناطحة سحاب في العالم، شعرت بالفخر والسعادة، وتعاملت مع الأمر باعتباره تحدياً حضارياً جديداً، وكنت واثقاً من أن حكومة دبي ستتمكن من خوض هذا التحدي، بمنتهى القوة والقدرة على صناعة الدهشة، كما هي العادة.

ولما رأيت تصميم البرج لأول مرة، على صفحات «البيان» وقعت في حب هذا الصرح الرائع، وأصبحت شغوفاً بمتابعة مراحل التشييد، وقراءة كل ما ينشر عن البرج، في الصحف المحلية والصحافة العالمية، وبعد الانتهاء من تشييد البرج، وافتتاحه رسمياً، توجهت بسيارتي من أبوظبي إلى دبي، حتى وصلت إلى المبنى الرائع، وقد أخذت أدور حوله وأشاهده من مختلف زواياه، مبهوراً بروعة التصميم، ودقة التفاصيل، وفي هذه الأثناء لم أكن قد قررت أن أرسمه، كوني بسبب مشاغل العمل، أصبحت نادراً ما أمارس هوايتي الأثيرة.

ويتابع: بحكم عملي أسافر كثيراً إلى خارج الدولة، وقد لاحظت في كل مكان تطأه قدمي، أن الناس مهتمون بسؤالي عن برج خليفة، وهو ما يؤكد أن الإنجازات الكبرى، تمثل أبرز وأهم دعاية للدولة، مشيراً إلى أن ما حصلت عليه السياحة في دبي من اهتمام، يعد ثمرة ناضجة لجهود حكومة دبي المتواصلة والدائمة، لخوض التحديات الكبرى، بلا خوف أو تردد، وهو أمر ينبع من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد المكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، فسموه يؤمن بمنطق العمل وبأن لا وجود لما يسمى بالمستحيل، مما جعل دبي تتبوأ أسمى مكانة تحت ظله.

ويضيف: طرأت فكرة رسم البرج بعدما لاحظت أنه قد أصبح رمزاً لإمارة دبي، وأصبح يستخدم في بطاقات المعايدة والطوابع البريدية، ويطبع على القمصان، وما إلى ذلك من أشياء، وقد رسمت البرج ثلاث مرات، ولم أرض عن الشكل النهائي، وفي المرة الرابعة شعرت بأني حققت ما أرغب فيه، وقد عرض عليّ أحد الأصدقاء وهو بالمناسبة، من دولة غربية، مبلغاً مجزياً لشراء هذه اللوحة، لكنني رفضت، ويكفيني فخراً أنني ؟ كما قالت شركة إعمار- أول مواطن يرسم هذا الصرح المعماري الذي يبعث في نفوسنا الفخر والاعتزاز.

ويقول: عقدت النية على إهداء هذه اللوحة لجريدة «البيان» لأنها كانت الصحيفة الأكثر اهتماماً، بمتابعة مراحل بناء البرج خطوة تلو خطوة، وكانت تهتم بتوثيق مراحل تشييد هذا الصرح، مما ساهم في توثيق علاقتي الوجدانية، ببرج خليفة، مشيراً إلى أنه مازال يحتفظ بعدد من نسخ «البيان» التي تضمنت أخبار برج خليفة، وهي أعداد سيحرص على الحفاظ عليها، حتى يطلع أبناؤه حينما يكبرون، على «قصة صناعة الدهشة» في دبي، حسب تعبيره.

 

المبدع والبيئة

وينتقل عبد الرحمن الزعابي إلى الحديث عن عشقه لرسم مفردات تراث وحاضر الإمارات قائلاً: المبدع الحقيقي يجب أن يكون ابن بيئته، وثيق الصلة بمفردات مجتمعه، وهذا أمر ينطبق على المبدعين في كل مجال، وليس في مجال الرسم فقط، ولنضرب المثل بالأديب الراحل نجيب محفوظ، فقد حصل هذا المبدع الكبير على جائزة نوبل في الآداب، وهي أكبر جائزة عالمية، انطلاقاً من اهتمامه بالحارة المصرية، وبالغوص في مشاكلها وحياتها اليومية، مما أضفى على أعماله سمة المصداقية والجدية والقدرة على التأثير.

وبالنسبة لي، فإن أبرز تفاصيل التراث التي تجذبني، هي مفردات الحياة اليومية، قبيل اكتشاف النفط، فالفانوس «الفنار» الذي طالما استخدمه أبناء جيلي للدراسة في ضوئه الشاحب الهزيل، أثناء انقطاع التيار، والقلاع الأثرية، وكذلك مشاهد الصحراء في مختلف حالاتها، والبيوت القديمة، وتحديداً في إمارة رأس الخيمة، التي نشأت وترعرعت فيها... كلها تفاصيل تثير في أعماقي الرغبة في الرسم، وتدفعني دفعاً إلى السعي إلى تجسيدها في أعمالي الفنية.

ويقول: إن اهتمامي بتراثنا الوطني العريق، وبمفردات البيئة المحلية، يرجع فيما يبدو، إلى أنني تربيت في مدرسة المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فقد تعلمت كما تعلم الكثيرون، من أبناء جيلي، من الراحل الكبير، الكثير من القيم السامية، ومن أهمها: الحرص على حماية البيئة والاهتمام بها، وكذلك التمسك بالتراث الحضاري للوطن، وعدم التنكر له، وأن لا تعارض بين الحداثة والأصالة، فالمجتمعات الواثقة من نفسها، هي تلك القادرة على الاعتصام بماضيها، واستثماره ومن ثم السير قدماً نحو المستقبل المنشود.

 

اكتشاف المواهب

وينتقل عبد الرحمن الزعابي إلى الحديث عن أهمية البحث عن المواهب والعمل على إطلاق طاقاتها، مستنداً على خبرة تصل إلى حوالي عشرين عاماً من العمل، في المجال التربوي، حيث يقول: من الأخطاء الجسيمة التي تعاني منها كل المجتمعات العربية، أن التميز يعد مرادفاً للتفوق الدراسي، ليس إلا، وكثيراً ما يحطم أولياء الأمور أو البيئة المدرسية غير المرحبة بالموهوبين، عناصر متميزة كانت جديرة بأن ترفع اسم وطنها عالياً في المحافل الدولية، علماً بأن الرؤية العالمية للتميز الآن قد أصبحت تتعامل مع كل حالة باعتبارها حالة مستقلة بذاتها، فالطالب قد يكون متميزاً في الرياضة، ولكنه غير مهتم بالرسم مثلاً، أو قد يكون متميزاً دراسياً في اللغة العربية وكتابة التعبير والشعر، لكنه لا يقبل على الرياضيات، وهكذا... ومن ثم فإنه من الجائر أن نرغمه على تبديد طاقاته فيما لا يروق له.

ويضيف: خلال السنوات العشر الماضية، انتشرت ثقافة التميز في الممارسات الحكومية، وأطلقت الدولة العديد من الجوائز والمبادرات التي تشجع المتميزين، وهناك أيضاً الكثير من الجوائز التربوية التي يتم منحها للطلبة والطالبات المتميزين، وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوات، إلا أن ما يجب علينا أن نقر به ونعترف، هو أن الاهتمام بالموهوبين مازال دون مستوى الطموح، وهو يحدث على مواسم، وفي مناسبات بعينها، مما يستدعي ضرورة إعداد وطرح إستراتيجية تربوية وطنية، للتنقيب عن الطلبة والطالبات المتميزين، ومن ثم إعداد البرامج المناسبة لهم، والتي تكفل صقل مواهبهم وقدراتهم.

 

ثقافة التميز

ويقول: من الضروري أن نسعى لتعزيز ثقافة التميز، ودعم الكوادر الموهوبة عبر توعية الطالب وولي الأمر والكوادر التربوية، وعلينا أن نهتم بتعريف المدرس بكيفية اكتشاف الموهبة، وأساليب رعايتها وصقلها، لأن الموهوبين هم ثروة بشرية لا تقدر بثمن، موضحاً أن عملية تأهيل شاب ليكون بطلاً أوليمبياً على سبيل المثال، أجدى للدولة وأكثر نفعاً من إنفاق الملايين على الدعاية عنها والتعريف بها.

ويتابع: عملت فترة طويلة من حياتي المهنية في المدارس الصناعية، وخلال عملي كثيراً ما لاحظت أن نسبة كبيرة من أولياء الأمور يشعرون بخيبة الأمل كون أبنائهم اتجهوا إلى التعليم الفني، وهذه الرؤية المغلوطة غير موجودة في دول العالم المتقدمة، ولعلني أذكر في هذا الصدد، قصة طالب مواطن، كان من أنبغ من التقيت بهم في مجال ميكنة السيارات، وقد شارك ممثلاً للدولة في مسابقة عالمية، فحصد المركز الأول، وفور عودته سعت إحدى وكالات السيارات العالمية وراءه، وقامت بتوظيفه براتب فلكي، ثم ابتعثته للخارج لدراسة الميكانيكا، وقد التقيت به بمحض الصدفة قبل بضعة أشهر في ملتقى عالمي في اليابان، حول الجديد في صناعة السيارات. ويختتم كلامه قائلاً: لكي نحقق الغد المنشود، يجب علينا أن ننقب عن المبدعين في كل المجالات، وأن نعي أن هؤلاء هم النخبة التي تقود قاطرة النهضة، وحينما أتحدث عن المبدعين، فإنني أعني المبدعين في كل المجالات، وليس في مجال دون غيره، فالمجتمع مثلما يحتاج للشاعر والرسام والموسيقي، يحتاج أيضاً للمهندس والطبيب والنجار والميكانيكي، فكل يستطيع أن يثري وطنه بصورة ما.

 

 

مواهب متعددة

 

يعمل عبد الرحمن صقر نائباً للمدير في مركز أبوظبي للتعليم والتدريب المهني، غير أن اهتماماته الخاصة تبتعد كثيراً عن مجال عمله.

فإلى جانب الرسم، يمتلك الموهبة في مجال الخط العربي، الذي يعتبره واحداً من أرقى مجالات الإبداع في الثقافة العربية، وله من الأبناء ستة، وقد ورثوا منه جميعاً ملكة الخط الجميل.

وهو فضلاً عن ذلك، يكتب مقالات من باب الهواية لا أكثر للصحف المحلية، ويشارك ضيفاً على الإذاعات المحلية بانتظام، حينما يدور الحديث عن الشأن التربوي عموماً، وتحديداً حينما يتم التطرق إلى البيئة المدرسية وعلاقتها بصناعة الشخصية المبدعة وصقلها.

وقد حصل على عدد كبير من الجوائز منها: جائزة مشروع الفكرة من مكتب شؤون المواطنات الذي كان يتبع الاتحاد النسائي العام، وجائزة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم للتفوق العلمي، كما أنه محكم في جائزة حمدان بن راشد للتميز التربوي.