لم تكن مسرحية «بينوكيو» التي قدمها أطفال مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة، خلال الحفل السنوي الذي أقامة المركز في نهاية العام الماضي عملاً عادياً، فقد خرج إلى الواقع كعمل مسرحي رائع يشبه تلك التي يخرجها الأصحاء، ولكنه كان من إنتاج ما يقارب ‬150 طفلاً كلهم من ذوي الاحتياجات الخاصة.

في تلك المسرحية التي أبهرت الجمهور، استطاع هؤلاء الأطفال أن يقدموا رسالة واضحة للمجتمع بأنهم قادرون على فعل أي شيء، وأنهم يمتلكون القدرة على ذلك، لم يكن أداؤهم عبثياً، وإنما كان يعتمد على ما تعلموه في دروس الدراما الحركية التي يقدمها لهم الأستاذ محمد يونس اختصاصي الدراما الحركية في المركز، في قاعة كبيرة تم تجهيزها مؤخراً بتبرع من مجموعة «لاند مارك»، وشركة «شفيلد»، حيث رصفت القاعة بألواح خشبية وزودت بمرآة كبيرة وبإضاءة خاصة، بالإضافة إلى عدد كبير من العرائس التي تستخدم في تعليم أطفال المركز.

ولكن ترى ما هي الدراما الحركية؟ وكيف يمكن توظيفها لتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة لإبراز مواهبهم وطاقاتهم الكامنة؟ خاصة وأن الكثير منهم يمتلك مواهب كبيرة.

في البداية قال محمد يونس: الدراما الحركية هي تعبير أو تمثيل للكلمة، مع مصاحبتها بحركة أو حركات معينة ضمن في مشهد معين، ومن خلال الدراما الحركية نقوم بتعليم الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة كيف يمكن أن ينطقوا الكلمة، بالإضافة إلى تمثيلها بحركة حتى يتمكن من إيصال الفكرة للأشخاص العاديين، وعادة تكون الدراما الحركية مكملة لعلاج التخاطب الذي يتعلم فيه ذوو الاحتياجات الخاصة كيفية التخاطب بالكلمة، ولكن في الدراما الحركية هم ينطقون الكلمة ويمثلونها، الأمر الذي يجعل المعاق يشعر بالكلمة لتبدو وكأنها نابعة من داخله. ويضيف: بالنسبة لنا فنحن عادة ما نقوم بتعليم الأطفال طرق الدراما الحركية، من خلال وضعهم ضمن مشهد معين تابعة لقصة أو مسرحية، وذلك لمساعدة المعاق على أن يعيش المشهد بكل حذافيره، والقصص التي نعتمدها عادة تكون قريبة منهم، ولكن قبل تنفيذها نقوم بإعادة صياغتها مرة أخرى بحيث تكون صالحة لهم، كما حدث معنا في قصة «بينوكيو»، التي أعدنا صياغتها لتتناسب مع قدراتهم الجسدية والعقلية والحركية.

 

استيعاب الإعاقات

واوضح يونس ان الدراما الحركية لا يتم التركيز على إعاقة محددة، وإنما تستوعب كافة الإعاقات ولكن الاختلاف يكون في أسلوب تدريسها للطفل المعاق، بحيث يمكنه أن يطور من قدراته الذاتية، وفي الوقت ذاته لا تعتمد الدراما الحركية على نوع معين وإنما تقسم إلى أربعة أنواع، وحول طبيعة هذه الأنواع يقول يونس: هناك أربعة أنواع من الدراما الحركية، وعادة نستخدمها جميعها ولكن بحسب الإعاقة الموجودة لدينا، النوع الأول هو التعبير الحركي، وهو أن يلتزم الأطفال المعاقون بشكل وتعبير معين، ويقوموا بأداء حركات متتابعة مبنية على إيقاعات موسيقية، وفي هذا النوع يكون الطفل عارفاً بكافة تفاصيل العرض، كما أن هذا النوع يعتمد بشكل أساسي على فكرة الفريق الواحد، وبالتالي فهو يعطي الطفل الفرصة ليتعلم التركيز. أما النوع الثاني «البامتومايم»، وهو التمثيل الصامت وعادة ينفع هذا النوع في إعاقة الصم والبكم، ويمكنهم من إيصال أفكارهم باستخدام الحركات، وهو يختلف عن لغة الإشارة التي يستخدمها الصم والبكم عادة فيما بينهم. والنوع الثالث هو العرائس والذي نستخدمه مع الأطفال الذين يستخدمون الكراسي المتحركة، بحيث يمكنهم المشاركة معنا دون إشعارهم بمشكلتهم، وإذا كان لا يعاني من مشكلة في النطق فهذه ميزة بحيث يمكنه أن يؤدي استعراضاً حركياً ولفظياً، أما النوع الرابع فهو الدراما أو التمثيل والذي يعتمد على تنفيذ مشهد من قصة أو مسرحية.

وأشار يونس إلى أن الهدف الأساسي من وراء هذه الأنواع هو تطوير قدرات الطفل للوصول به إلى حياة أفضل، بالإضافة إلى أنها تساعد في دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع بسهولة، لأنها تعلمهم كيفية التصرف في مواقع كثيرة دون الحاجة إلى مساعدة أحد.

 

الدمج في المجتمع

منذ سنوات والإمارات تسعى إلى دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، ولإنجاح هذه الخطوة فقد صدرت العديد من التشريعات التي تساعد على ذلك ومن أبرزها دمجهم في المدارس، وهنا يبرز السؤال كيف يمكن للدراما الحركية أن تساعد على دمج المعاق في المجتمع، وحول ذلك أجاب يونس: من دون شك تساعد الدراما الحركية المعاق على استعادة ثقته بنفسه وتعميقها، بحيث يكون قادرا على كسر حاجز الخجل الذي يفصله عن المجتمع الذي دأب على النظر إلى المعاق بعين الشفقة، في حين أن المعاق قادر على انجاز كل ما يطلب منه دون مساعدة أحد، ومن هنا يأتي دور الدراما الحركية في تعليمه كيفية إنجاز المهمات المختلفة، وإيصال أفكاره إلى المجتمع باستخدام الحركات والأصوات المختلفة، وقد لاحظنا من خلال الحفلات السنوية والعروض المختلفة التي نقدمها في مختلف الأماكن والمؤسسات، أن الدراما الحركية استطاعت أن تغير من نفسية الأطفال المعاقين ومن نظرتهم لأنفسهم، وزادت من ثقتهم بنفسهم، ومن دون شك فإن تصفيق الجمهور لهم في نهاية أي عرض يقدمونه، يلعب دورا مهما في رفع ثقتهم بأنفسهم ويشجعهم على تقديم المزيد.

وتابع يونس: عندما قدم الأطفال عرض «بينوكيو» في العام الماضي تمكنوا من إبهار الجمهور، فقد قدم العرض ‬150 طفلاً واستمر لمدة ‬45 دقيقة دون مساعدة أحد من المدرسين، وقد بدوا محترفين في ذلك، فقد كان كل واحد منهم يعرف دوره جيداً، وكان الكبار منهم يساعدون الصغار في أداء الأدوار، واذكر أنهم استطاعوا أن يوجهوا رسالة إلى المجتمع مفادها «إننا قادرون على صنع أي شيء بالرغم من إعاقتنا»، ولكنهم يحتاجون إلى فرصة لعرض إمكانياتهم أمام الجمهور، ولذلك أتمنى في المستقبل أن أرى مسرحاً لذوي الاحتياجات الخاصة، أو فرقة خاصة بهم تقدم عروضاً مختلفة، كتلك الموجودة في أوروبا والولايات المتحدة، ولكن هذا الأمر يحتاج إلى دعم ومبادرة لإخراجه على ارض الواقع. وعموما في الدراما الحركية لا يوجد هناك إشارات معينة يتعلمها الطفل، وإنما يكون هناك التزام بالحوار الذي يكون إما بالعربية أو الانجليزية بحسب القصة المختارة.

 

تغيير الواقع

لقد استطاعت الدراما الحركية أن تؤثر كثيرا في نفوس أطفال مركز راشد، وأن تغير من واقعهم بشكل ملحوظ، وهو ما يمكن ملاحظته من ردود فعل الأطفال أنفسهم أثناء وجودهم في غرفة الدراما الحركية، وحول ذلك قال يونس: منذ بداية عملي في المركز قبل خمس سنوات وحتى الآن لاحظت تغيراً جذرياً في قدرات الأطفال، فهذه القدرات تتطور بشكل ملحوظ، وإذا قمنا باستعراض كافة العروض التي قمنا بها منذ بداية الدراما الحركية وحتى الآن سنجد فرقا شاسعاً، ففي البداية كنا نضطر إلى إدخال بعض المقاطع المسجلة لمساعدة الأطفال في عرضهم، ولكن في العروض التالية تغير الوضع وأصبح الأطفال يقدمون كل شيء بأنفسهم دون مساعدة من احد، وهذا انعكس ايجابيا على أهالي الأطفال أنفسهم الذين لم يتوقعوا في البداية أن يكون لدى أبنائهم قدرات هائلة في التمثيل والرقص والتقليد، وكثير منهم أصبحوا يطلبون منا أن نركز أكثر على أبنائهم في هذا الجانب، ويؤكدون على مشاركة أبنائهم في العروض الحركية التي أصحبوا يحرصون على حضورها، عادل عثمان (‬20 عاماً) أحد طلبة المركز.

وسبق له المشاركة في عدد من العروض التي قدمها المركز في مناسبات مختلفة، وقد استفاد عادل المصاب بمتلازمة داون من الدراما الحركية كثيراً، فقد ساهمت في تعميق ثقته بنفسه ليصبح أحد الشخصيات الرئيسية التي يعتمد عليها في العروض المختلفة، وعن تجربته يقول عادل: بالنسبة لي أحب حصص الدراما الحركية كثيراً، فمن خلالها تعلمت طرق إيصال الأفكار إلى الناس، وتعلمت الاعتماد على نفسي بشكل اكبر ولم أعد مضطراً لمساعدة أحد. أما غمدان احمد يحيى (‬13 عاماً)، والذي يعاني من مشكلة بطء التعلم، فقد كان أحد الشخصيات الرئيسية في عرض «بينوكيو»، الأمر الذي يوضح مدى تأثير الدراما الحركية عليه وعلى قدراته، وقال غ مدان إنه استطاع من خلال الدراما الحركية أن يخرج كل ما في نفسه، وإن يطور من قدراته الذاتية، وإنه أصبح قادرا على التعامل مع الآخرين بطريقة أسهل وأسرع.

عرض «بينوكيو»

قصة «بينوكيو» من تأليف الروائي الإيطالي كارلو كولودي عام ‬1880، وترجمت هذه القصة لأكثر لغات العالم، وتحولت إلى عشرات الأفلام، منها ما أنتجته ديزني بالرسوم المتحركة عام ‬1940، والتلفزيون الإيطالي في خمس حلقات، كل حلقة بمدة ساعة وذلك عام ‬1972. وكان الهدف من المسرحية هو تأكيد قدرة ذوي الاحتياجات الخاصة على العمل والإنجاز والتحرك الإيجابي والتعبير عن الذات، والقدرة على الاندماج مع مجتمع الأسوياء.

وخلال هذه المسرحية، وجه الأطفال رسالة قوية إلى المجتمع مفادها «أننا ورغم إعاقتنا وصعوباتنا في الحركة والنطق والمشكلات السلوكية، نستطيع أن نتحرك ونرقص ونستمتع ونمتع من يشاهدنا ويجالسنا ويحضر عروضنا».وكان الأطفال المشاركون في هذا العمل قد خضعوا لتدريبات مكثفة وفق تقنيات عالمية لمساعدتهم على الأداء المقنع، والتغلب على إعاقاتهم ومشكلاتهم السلوكية، وهم من خلال هذا العمل يؤكدون أنهم وبقليل أو كثير من الجهد والمتابعة والتعليم والتدريب والعناية والرعاية، يمكن أن يسهموا في تنمية مجتمعاتهم وخدمتها تماماً كالأسوياء .