من المتعارف عليه أن مسألة «التسعير حسب جنسية المشتري» ظاهرة شائعة، وكثيراً ما اشتكى المواطنون تحديداً، من أن نسبة كبيرة من التجار الآسيويين يتعمدون رفع أسعارهم حينما يقصدهم المواطن، وأن قطاعاَ كبيراً من التجار يعتبرون أبناء الدولة فرائس سانحة سهلة، وما من ضير في التهامها بأسرع ما يكون.
يقول محمد عبد الله أحمد «موظف حكومي»: ليس سراَ أن المواطن يعد الحلقة الأضعف في كل عملية تجارية، فالتاجر متأهب دائما لاقتناص فرصة وجود مستهلك مواطن، وهو أمر لا يقتصر على سلعة محددة، فجميع التجار- إلا من رحم ربي- يسعون بكل ما أوتوا من مكر ودهاء إلى استغلال المواطن واستنزاف ما لديه من أموال.
ويضيف: في كثير من الأحوال، أصطحب أحد أصدقائي من المقيمين العرب، لدى خروجي إلى التسوق، وفي هذه الحالات أكتفي بالإشارة إلى السلعة التي أرغب في اقتنائها، ومن ثم أترك لصديقي مهمة التفاوض مع البائع، مما يمكنني من شراء ما أريد من سلع، بنفس الأسعار التي يحظى بها الوافدون، وهي مفارقة غريبة ومؤلمة، فمن غير المقبول أن يسعى المواطن إلى التستر خلف الغرباء للحصول على حقوقه في وطنه، مما يجعل مشروع قانون حماية المستهلك الجديد الذي وافق عليه المجلس الوطني الاتحادي مؤخراَ، خطوة لتصحيح الأوضاع، وحماية أبناء الدولة ممن يستغلهم.
الضبط المفقود
وترى مريم الفزاري «خبيرة اجتماعية في الهلال الأحمر» أن مشروع القانون في حد ذاته لن يحقق الضبط المفقود والمنشود للسوق، فلابد من تشديد قبضة الرقابة وتكثيف الفرق التفتيشية، ومن ثم تطبيق العقوبات المنصوص عليها في القانون على كل من تسول له نفسه مخالفته.
وتقول: هناك العديد من القوانين الصارمة، التي تستهدف ضبط السوق، غير أن هذه القوانين تبقى حبيسة الأدراج، لأنها لا تحظى بالمتابعة ولا يجد مخالفوها العقاب الرادع، وهناك مشكلة أخرى تتعلق بتقاعس الكثير من المواطنين من البحث عن حقوقهم، والسعي للحصول عليها، ففي حال اكتشف المواطن أنه تعرض لغش تجاري، قلما يتجه إلى الجهات المسؤولة ليطلب إليها استعادة حقه، ومعاقبة الغشاشين.
وتضيف: بصفة عامة يمكنني أن أدعي بأن معظم التجار يرفعون أسعار سلعهم في حال كان المستهلك مواطناً، وهم يفعلون ما يفعلونه من منطلق الحسد «لأن كل ذي نعمة محسود» وبدافع الحصول على أرباح غير مشروعة، وهذا الأمر يدفعني إلى الامتناع عن التسوق لدى المحلات والمتاجر الصغرى، والاكتفاء فقط بالشراء من المتاجر المعروفة، وهذا حينما يتعلق الأمر بشراء سلع إلكترونية أو ملابس وعطور، ولكن ماذا عن مستلزمات الحياة اليومية؟
إن تجار الخضروات واللحوم والأسماك وما إلى ذلك من سلع أساسية، يتلاعبون بدورهم بالأسعار، ويضاعفونها عدة مرات، حالما يجدون مواطناً أمامهم، وشراء هذه السلع من المتاجر الكبرى ليس حلاً عملياً، لأنها سلع يومية، ولا يمكن أن تتوجه ربة المنزل يومياً لشراء ما يحتاجه بيتها إلى مثل هذه المتاجر، بالإضافة إلى ذلك، من الملاحظ أن أسعار مثل هذه السلع في المتاجر الكبرى تزيد كثيراً عن أسعارها في الأسواق الشعبية.
وتقترح في ختام حديثها أن تقوم الدولة ممثلةً في وزارة الاقتصاد بافتتاح متاجر صغرى في الأحياء السكنية، لتوزيع السلع الغذائية بأسعار مقبولة، ولا ضير من تحقيق هامش ربح مقبول.
وتتابع: تنفيذ هذه الفكرة سيؤدي إلى فوائد جمة، منها أن الجميع سيحصلون على السلع بأسعار مقبولة، وسيضطر التجار إلى تخفيض أسعارهم حتى لا يهجرهم المستهلكون، كما ستؤدي إلى تخفيض مشكلة ازدحام المواصلات، لأن الكثير من الناس سيتوقفون عن التوجه بسبب ومن دون سبب إلى المتاجر والمجمعات الاستهلاكية الكبرى لشراء مستلزماتهم اليومية البسيطة.
أسعار الخدمات
ويقول زايد غانم المزروعي «متقاعد»: إن المواطن مستغل دائماً، ليس فقط حينما يذهب للتسوق، فحتى حينما يحتاج خدمة ما، كتصليح عطل فني في سيارته، فإن العامل يغالي في السعر إلى حدود مزعجة وغير مقبولة، وهذه ظاهرة لا يمكن ضبطها، لأنه لا توجد أسعار محددة لمثل هذه الخدمات، مشيراً إلى أن إصرار البعض على استغلال المواطن، واستنزاف أمواله بغير وجه حق، يصيب الكثير من المواطنين بالحنق والغضب، ويشعرهم بأنهم الحلقة الأضعف والمُستغلة على أرضهم، وهذه حالة شاذة وغريبة، ولا يمكن أن تكون في أي مكان في العالم.
ويضيف: كثيراً ما تعرضت لغش من قبل أصحاب المحلات الصغرى، وكنت أكتشف الأمر عادة بمحض الصدفة، أي عندما أتسوق في أحد المتاجر الكبرى، وأتفقد سعر سلعة ما سبق لي شراؤها، وقد حدث أن اشتريت زجاجة عطر من أحد المحلات قبل نحو شهرين، فوجدتها بأقل من نصف السعر في أحد المراكز التجارية، مما أصابني بغضب عارم، دفعني إلى التوجه مرةً أخرى إلى البائع، فلم يكترث لأمري واكتفى بقوله: لست مسؤولاً عن الأمر، وبما أنك اشتريت راضياً فإن الأمر قد انتهى، فخرجت من عنده والغضب يعتصرني.
ويقول عبد الله المر البادي «موظف حكومي»: لكي يتمكن المواطن من إيقاف الاستغلال الذي يتعرض له من قبل الكثيرين، عليه أن يأخذ بزمام المبادرة، ولا يركن إلى التقاعس عن البحث عن حقوقه، فاذا اكتشف بأن تاجراً استغله، عليه أن يسارع إلى توجيه شكوى ضده إلى الجهات المعنية، ولا يتردد في تحويل الأمر إلى القضاء، حتى يرتدع المتلاعبون المستغلون، ويشعرون بأن أبناء الإمارات ليسوا لقمة مستساغة.
ويرى أن الجهات الرقابية في الدولة تؤدي دوراً لا بأس به، وعلى المجتمع بكل فئاته أن يساندها قدر ما يستطيع، ولا تكون المساندة الحقة، إلا بأن يؤدي كل مستهلك دوراً ما في مجال الرقابة، وبأن يسارع بالإبلاغ عن أي تاجر يتلاعب بالأسعار، أو يستغل وجود نقص ما في سلعة فيرفع قيمتها، عندئذ سيرتدع الجميع.
استغلال بشع
ويتفق معه عمر عبد العزيز «تربوي» حيث يقول: بادئ ذي بدء يجب أن نعترف بأن المواطن يتعرض لعمليات استغلال بشعة من قبل الكثير من التجار، وهو أمر طالما لمسته حينما كنت أقارن سعر سلعة ما اشتريتها بسعر نفس السلعة حينما يشتريها أحد الإخوة العرب، وهذا الأمر كان من أكثر الأشياء التي تشيع الغضب في نفسي، إذ لا يجوز أن نتعرض لهذه الأساليب الدنيئة على أرضنا، وليس مقبولاً أن يسعى بعض ضعاف النفوس إلى ابتزازنا لا لشيء إلا للطمع فيما بين أيادينا من نعمة.
ويضيف: قبل نحو عامين حدثت مشادة بيني وبين أحد باعة الساعات، لأنه طلب سعراَ يزيد بنحو 50٪ عن سعر السوق المتعارف عليه، فاتصلت بوكيل هذا المنتج في الدولة، وأبلغته بالأمر وبعد يومين فوجئت بأحد ممثلي الوكيل يتصل بي، ويقدم لي تخفيضاً بلغ نحو 20٪ من سعر الساعة على سبيل الاعتذار، وقد أبلغني بأنه لن يتم تزويد تاجر التجزئة المغالي أو الانتهازي بمنتجهم مجدداَ، وهكذا حصلت على حقي وعلى ما أبتغيه بسعر مناسب، مشيراَ إلى أن المسألة ليست تتعلق بالمال أو ادخاره، وأن البحث عن الحق لا يعني البخل وإنما هو السعي للحصول على العدالة وعدم الخضوع للاستغلال والابتزاز.
التجار يعترفون
يقول أيوب علي «تاجر عطور وساعات»: ليس هناك ما يسمى بسعر خاص بالمواطنين وآخر للوافدين، ولكن هناك عملية تفاوضية، تعتمد على مهارات التاجر والمستهلك، وهي عملية تنتهي في نهاية الأمر عند نقطة اتفاق يتراضى عليها الطرفان.
ويضيف: الغالبية العظمى من المواطنين لا تهتم كثيراً بالتفاوض، وتسدد السعر الذي يطلبه التاجر من دون نقاش، فلماذا تحصل على تخفيض؟ لكن هناك بعض المواطنين يتسمون بالخبرة الكبيرة في التفاوض، ويضطرون التاجر إلى منحهم أرخص الأسعار.
ويتابع: بالنسبة للوافدين العرب، أستطيع القول من واقع خبرة في البيع والشراء تزيد على 20 عاماً في الإمارات، إن السوريين ومن بعدهم اللبنانيين هم أمهر المفاوضين، ثم يأتي الفلسطينيون والمصريون، أما المواطن الإماراتي والخليجي فلا يهتم كثيراً بالأمر وسرعان ما يدس يده في جيبه ويسدد النقود.
وماذا عن الأجانب؟ يقول: الأوربيون عموماً لا يتخذون قرار الشراء سريعاً، وحينما يقررون الشراء يكونون قد تفقدوا سعر السلعة في أكثر من متجر، حتى يتأكدوا من أنه سعر عادل، أما الأمريكيون فهم بطبيعتهم مبذرون ويحبون الإنفاق بكثرة.
«الاقتصاد»: أبوابنا مفتوحة لقبول الشكاوى
يقول عبد الله الشحي وكيل وزارة الاقتصاد: إن ظاهرة قيام بعض التجار برفع السعر على المواطنين تمثل ظاهرة مرفوضة ولا يمكن للوزارة أن ترضى عنها، غير أن مثل هذه الظاهرة تمثل ظاهرة مستترة وليس من السهل ضبط التاجر الذي يتخذ مثل هذا السلوك المرفوض.
وهذا معناه ببساطة أن على كل مواطن يتعرض أو يلاحظ أن تاجراً يبالغ في السعر لمجرد كونه مواطناً، أن يسارع إلى تقديم شكوى إلى الوزارة حتى تتخذ الإجراء الحاسم الذي يكفل الحد من هذا الأمر المرفوض.
ويتابع: إن أبواب الوزارة مفتوحة على مصاريعها، والأرقام الهاتفية المجانية تستقبل الشكاوى، والوزارة مهتمة بدراسة كل شكوى على حدة، والتحقيق بعدالة مع كل تاجر يضرب بالقانون عرض الحائط. ويتطرق إلى مشروع قانون حماية المستهلك الجديد قائلاً: ما من شك في أن إلزام أصحاب المتاجر بوضع السعر على السلعة بشكل واضح وظاهر سيساهم في الحد من بعض المظاهر المرفوضة في أسواقنا، والمؤكد أن الغرامات التي ينص عليها المشروع في حال إقراره ستشكل رادعاً حاسماً وحائط صد تتكسر عليه كل محاولات التلاعب.
