ساحات واسعة يملؤها ضجيج الطلبة، يتراكضون في جميع زواياها يبحثون فيها عن فكرة جديدة تفتح أمامهم مستقبلاً زاهراً، في تلك الساحات اجتمع أكثر من 500 طالب يعرضون ما أفرزته عقولهم من أفكار تجارية، استطاعوا معها أن يتحولوا إلى تجار صغار يحاولون تعلم طرق البيع والشراء ولمس ميزانيات الربح والخسارة، فمع نهاية الأسبوع الماضي تحولت ساحات مدرسة الاتحاد الخاصة في الممزر إلى ما يشبه سوقاً تجارياً يؤمه الجميع من كل حدب وصوب.
وفي هذا الوقت من كل عام اعتادت إدارة المدرسة على تنظيم مهرجان الاتحاد السنوي والذي يمتد على مدار يومين، ويكون أشبه بيوم لأهالي الطلبة، حيث تقام فيه العديد من الفعاليات الترفيهية والتثقيفية للطلبة وعائلاتهم، وفيه يمارس الطلبة حياتهم العادية بعيداً عن الغرف الصفية وما تحكمها من قوانين.
وقد اعتاد الحضور في هذا المهرجان على التسوق من المحلات التجارية التي يجهزها الطلبة أنفسهم بكل ديكوراتها وزينتها وحتى أسمائها المختلفة، وما أن وصلنا إلى حرم المدرسة حتى كان الحضور قد توزعوا على المحلات الصغيرة التي فصلت بنايلون مخطط بالأصفر والأحمر، ووصل عددها إلى نحو 130 محلاً.
ولعل الفرق بين سوق الاتحاد الذي يقام سنوياً وبقية الأسواق أن القائمين عليه هم طلبة، والذين اعتادوا في مثل هذا الوقت نزع ملابسهم المدرسية واستبدالها بملابس التجار، ليقف كل واحد منهم مسؤولاً عن محله أو حلمه الصغير إن صح التعبير، هكذا كان الوضع في مهرجان الاتحاد السابع الذي استقبل عشرات الأهالي وأولياء الأمور الذين جاؤوا لدعم مشاريع أبنائهم وتطلعاتهم خاصة وأن بعض الطلبة استفاد كثيراً من أفكار آبائهم وأمهاتهم.
التعرف على التجارة
بعض الطلبة الذين يشاركون في هذا المهرجان للمرة الثانية أو الثالثة على التوالي قاموا بتغيير أفكارهم واستبدالها بواحدة أخرى كنوع من التجربة والتعرف على مجالات التجارة الأخرى، وبعضهم أبقى على فكرته التي استخدمها سابقاً ظناً منه أنها فكرة رائجة وناجحة وهذا على الأقل بالنسبة لحساباته.
المحلات لم تقتصر على عرض الأزياء ومختلف المأكولات الشعبية والألعاب وإنما حجز بعضها لصالح القيادة العامة لشرطة دبي وبلدية دبي وهيئة الطرق والمواصلات، والتي سعت من خلالها إلى تثقيف الطلبة وتعريفهم بآخر البرامج التي أطلقتها هذه الجهات كونها من أبرز الجهات الخدمية في دبي والتي دأبت على التواجد في هذه المناسبات لإيصال رسالتها إلى أكبر عدد ممكن من أبناء المجتمع الإماراتي.
«البيان» حضرت عرس الاتحاد والتقت بالعديد الطلبة الذين رأوا في هذا السوق تجربة جيدة لهم تعلمهم الكثير من خفايا الحياة وأساليب التجارة المختلفة.
البداية كانت مع الطالبات عائشة محمد البسام ومريم النابوذة ونورة عبد الله وجميعهن من الصف التاسع، واللواتي اشتركن في تقديم مختلف أنواع المأكولات في محل واحد حمل اسم «النجمة 11»، حيث تقول عائشة: «اختيارنا لفكرة المطعم كان نتيجة لتأكدنا من نجاحها، فقد سبق لنا المشاركة في السنوات الماضية للمهرجان وكانت فكرة المطعم ناجحة جداً، وفي هذا العام لم نقم بتغيير فكرتنا لأننا استطعنا أن نحقق نجاحاً فيها خلال العام الماضي»، وعن أسباب اختيار هذه الفكرة قالت زميلتها نورة عبدالله: «اختيارنا للمأكولات بسبب أن جميع الحضور يحتاجون إليها، إلى جانب أن المهرجان يمثل مكاناً مفتوحاً يأتيه الأهالي للترفيه عن أنفسهم، ولذلك حرصنا على تقديم مختلف أنواع المأكولات حتى نتمكن من تلبية رغبات الجميع».
مأكولات وترفيه
لم يكن النصيب الأكبر في هذا السوق للمحلات التي تقدم المأكولات بقدر ما كانت للألعاب الترفيهية، التي انتشرت في كل مكان، ولكن بأفكار مختلفة بعضها يقدم جوائز للرابحين، ومن بين هذه المحلات انفردت الطالبة شمة الختال من الصف الثامن وزميلتاها فاطمة وميرا الختال بتقديم لعبة البلياردو وألعاب الكمبيوتر، وحول ذلك قالت شمة: «هذه هي السنة الثالثة التي أشارك فيها مع زميلاتي في هذا المهرجان، وفي العام الماضي قدمنا المأكولات، ولكن في هذا العام فضلنا التغيير إلى فكرة أخرى من باب التجربة والتعرف على أنشطة تجارية أخرى، واخترت فكرة الألعاب لإقبال الجميع عليها خاصة صغار السن، وقد ساعدني والدي في اختيار هذه الفكرة، وقد لاحظت مدى إقبال الطلبة خاصة صغار السن على الألعاب سواء البلياردو أو العاب الكمبيوتر، وذلك بسبب حبهم لهذا المجال بالإضافة إلى أنهم لا يضطرون إلى الدفع مقابل كافة الألعاب وإنما قمنا بتوفير بعض الألعاب المجانية لهم، وهذا بلا شك رفع من مستوى الإقبال لدينا».
الطالبة هدى الجوكر كانت من أصغر الطلبة الذين يشاركون في هذا السوق، ورغم سنها الصغيرة إلا أنها فضلت أن تأخذ على عاتقها مسؤولية إدارة محل للأزياء البناتية، وقد وقفت إلى جانبها قريبتها التي أعطت كافة المسؤولية إلى هدى كنوع من التشجيع والدعم لها، تقول هدى ابنة الصف السادس: «أشارك في هذا المهرجان للعام الثاني على التوالي، ومنذ البداية اخترت فكرة الأزياء لشعوري بأن كافة الفتيات يفضلن الأزياء ويقبلن عليها، خاصة وأننا نقدم فكرة جديدة فيها تعتمد على تغيير الصورة بحسب ما تريده الفتاة، علما بأن تصميم كافة «البلايز» التي عرضتها يعود إلى عمتي وقريبتها»، وأضافت: «لقد كان الإقبال هذا العام جيدا ومقارباً للعام الماضي، وهذا ما شجعني أكثر على المشاركة في المهرجان في السنوات المقبلة».
ورغم أن مشروع الطالب الحسن بن ضبوي كان يختص بمجال الألعاب إلا أنه بدا غريباً بعض الشيء خاصة وأنه اتخذ موقعاً بعيداً عن كافة المحلات، فقد فضل حسن اختيار فكرة «بيت الرعب» وتطبيقها على أرض مدرسته، علماً أنها ليست المرة الأولى التي يقوم حسن وزملاؤه باختيار هذا المشروع، وحول ذلك قال: «هذه ليست المرة الأولى التي نشارك فيها بفكرة بيت الرعب، واختياري لهذه الفكرة نظراً لإقبال الجميع عليها خاصة الفتيات اللواتي يفضلن التجربة، وفي هذا العام قمنا باختيار شخصيات جديدة قادرة على إدخال الرعب على قلوب المشاركين»، وأضاف: «البيت من الداخل هو عبارة عن متاهة مظلمة بالكامل يتوزع فيها تسعة أشخاص يرتدي بعضهم أقنعة مخيفة وغريبة الشكل، والبعض الآخر قام بتلوين وجهه بطريقة مخيفة، وقد تصل الفترة التي يقضيها الشخص داخل البيت إلى خمس دقائق، وتصميم البيت بالكامل كان بمساعدة الطلبة».
دور عملي
وحول أهداف المهرجان الأساسية قال الأستاذ بسام خليفة، مشرف دائرة إدارة الأعمال: «الهدف الرئيسي من المهرجان هو إعطاء الطالب دوراً عملياً مختلفاً وبعيداً عن الدور الدراسي والأكاديمي، وذلك لتهيئة الطالب للعمل الميداني ومجريات السوق وما فيها من عمليات الربح والخسارة، وتنظيمنا لهذا المهرجان جاء من منطلق إدراكنا التام بأن الطالب يكون في أحيان كثيرة مضغوطاً في دراسته بين أربعة جدران، وبالتالي فهذا لا يكفي لمواجهة الحياة العملية مستقبلاً، ولذلك بدأنا بتوجيهه للميدان بطريقة مختلفة ومبتكرة تمكنه من الحصول على المتعة التي يريدها ما يرفع مستوى حبه للدراسة والعمل، إلى جانب أن ذلك يمكنه من تحمل مسؤولياته في المستقبل عبر ما يحققه من أرباح أو مكاسب مادية بسيطة الأمر الذي يشعره بأنه حقق إنجازاً، وعملنا من خلال المهرجان على تشجيع الطالب على تطبيق أقواله على أرض الواقع، لإدراكنا بأن الطالب يحب التعلم خارج الجدران، وهذا بلا شك يعطيه فرصة للاحتكاك بالبيئة المحيطة به ومعرفة طرق التعامل معها، ويشجعه على العمل بروح الفريق».
أما عن السلامة والأمان التي يتم توفيرها خلال فترة المهرجان، فقال خليفة: «بالتأكيد نحن نأخذ بعين الاعتبار جميع هذه الأمور، وفي كل عام نعمل بالتنسيق مع شرطة دبي على توفير سيارة إسعاف ودوريات للشرطة في محيط المهرجان.
كما يتم توزيع المهام على جميع مدرسي المدرسة البالغ عددهم 165 مدرساً، ونقوم بتوفير أجهزة اتصال لاسلكية لجميع المشرفين على المهرجان، بالإضافة إلى عربات غولف صغيرة حتى تكون عملية التنقل سهلة».
خبرات مختلفة
مدير عام المدرسة الأستاذة منى الجسمي كانت هي الأخرى حاضرة في المهرجان وشاركت الطلبة فرحتهم وأفكارهم بافتتاحها للمهرجان وتواجدها الدائم مع بقية الهيئة التدريسية التي تولت شؤون التنظيم والمحافظة على النظام في المهرجان، وكل ما يتعلق بأمور الإعلان والدعاية والسحوبات على الجوائز، وحول فكرة هذا المهرجان قالت منى: «هذه السنة السابعة على التوالي التي نقوم فيها بتنظيم هذا المهرجان والذي استطاع أن يكرس وجوده على لائحة أنشطة المدرسة السنوية، وبالنسبة لنا فنحن نشجع الطلبة على المشاركة فيه، من باب إعطائهم الفرصة للحصول على الخبرة الحياتية والتعرف على أساليب التجارة المختلفة وتحمل مسؤولية أنفسهم»، وأضافت: «خلال سبعة أعوام ماضية استطعنا أن نكتسب خبرات مختلفة في مجال تنظيم هذا المهرجان، وكان لطلبتنا الباع الطويل في إبداع المشاريع والأنشطة المختلفة.
فهدفنا هو تدريب الطلاب على كيفية إنشاء وإدارة المشاريع وإكساب الطلاب المهارات العملية»، وتواصل: «نحن نعتبر أن مجرد إقامة المهرجان بحد ذاته تحدياً، ونعمل على جعله حافزاً للطلبة لنثبت لهم أنه حين تتوفر الإرادة القوية والرؤية والتخطيط الصحيح تنجح المبادرات.
وأن بإمكانهم العمل والإبداع رغم ما تفرضه عليهم المتطلبات المدرسية، خاصة وأن الهدف الرئيس الذي نعمل لأجله هو بناء طالب قادر على مواجهة متطلبات الحياة وشروطها وقادر على إحداث الفرق في التغيير بمفهومة الايجابي ليحقق بذلك معادلة المواطن الصالح الذي يعمل من أجل وطنه ومجتمعه».
فعالية
مشاريع طلابية في دهاليز التجارة
أقامت مدرسة الاتحاد الخاصة في الممزر مؤخراً مهرجانها السابع، والذي أصبح إحدى الفعاليات الرئيسية التي تشرف عليه دائرة إدارة الأعمال في المدرسة، حيث ضم المهرجان العديد من المحلات عرض فيها الطلبة أنواعاً مختلفة من مشاريعهم التجارية، وتفرض الخطة الدراسية على الطلبة سنوياً تقديم مشاريع أو أفكار تجارية، وعادة يكون هناك نوعان من المشاريع، الأول مخصص لطلبة المرحلة الثانوية ويجب أن يكون من إبداع الطالب وبالتالي فهو المسؤول عنه من الألف إلى الياء، أما النوع الثاني فهو يتطلب قيام الطالب بفتح فرع لأحد المطاعم أو المقاهي أو المحلات التجارية، وبالتالي فهو يصبح وكيلاً لها داخل المدرسة أثناء فترة المهرجان، وفي هذه الحالة يكون له نسبة في الأرباح التي يحققها المطعم أو المحل، ولكن مثل هذه المشاريع عادة ما تكون للطلبة صغار السن الذين لا يطلب منهم تقديم فكرة مشروع، ولكنها تكون عملية إعداد تمهيدية للطالب قبل دخوله المرحلة الثانوية.
