تعد الأمراض الوراثية واحدة من أبرز المشكلات الصحية، التي تؤرق القائمين على السياسات الصحية، فهي تؤدي إلى ما يتراوح بين ‬40 إلى ‬70٪ من حالات وفاة الأطفال، ونحو ‬50٪ من حالات الإجهاض وعدم اكتمال الحمل، و‬8٪ من حالات التخلف العقلي، وتؤكد إحصائيات وزارة الصحة أن طفلاً من بين كل ‬25 يصاب بمرض وراثي ناتج عن خلل في العوامل الوراثية.

وفي ضوء هذه المؤشرات، تقوم وزارة الصحة حالياً بمراجعة لتقييم برامج الوقاية من الأمراض الوراثية في الدولة، بهدف تطوير هذه البرامج بما يمكن من خفض معدلاتها إلى أدنى حد ممكن.

وتقول الدكتورة هاجر الحوسني، مديرة الإدارة المركزية لرعاية الأمومة والطفولة بوزارة الصحة: إن الوزارة تقوم حالياً بتنفيذ خطط لتطوير برامج الكشف المبكر عن أمراض حديثي الولادة، وفحص الراغبين في الزواج، والمشورة الوراثية، فضلاً عن زيادة عدد العيادات، وتحديث السجل الوطني للتشوهات الخلقية، والتوسع في إنشاء وتطوير مختبرات الأمراض الوراثية.

وتضيف: إن ما تقوم الوزارة به حالياً يعتبر إعلان حرب على الأمراض الوراثية، حيث تهدف هذه البرامج إلى تقليل نسبة حدوث وانتشار الأمراض الوراثية وحماية الأطفال من الإعاقات الذهنية والجسدية وخفض نسبة الوفيات بين الأطفال نتيجة الإصابة بهذه الأمراض وتخفيف العبء النفسي والاجتماعي والاقتصادي على الأسرة والمجتمع، موضحةً أنه فيما يتعلق بالبرنامج الوطني للاكتشاف المبكر لأمراض حديثي الولادة، فإن الوزارة تسعى إلى زيادة المشاركة في البرنامج بنسبة ‬1٪ سنوياً، لتصل مع نهاية ‬2012 إلى ‬99٪ وهي نسبة تعد من أعلى النسب العالمية على الإطلاق.

كما تسعى الوزارة لزيادة عدد الأمراض التي يتم فحصها لتصل إلى ‬30 مرضاً نهاية العام الجاري، وإضافة برنامج الفحص المبكر لاختلالات السمع الوراثية العام المقبل.

 

مشروع قانون

وتقوم الوزارة بإعداد مشروع قانون بالغ الأهمية، يقضي بإلزامية فحص حديثي الولادة والأطفال، للكشف عن أية أمراض وراثية قد يعانون منها.

وتضيف: إن البرنامج الوطني للكشف المبكر تأسس قبل ‬15 عاماً، وقد حقق مجموعة كبيرة من الإنجازات من أهمها: فحص أكثر من ‬610 آلاف من جميع مواليد الدولة، حتى نهاية العام الماضي، وبلغت نسبة المشاركة الفعلية في البرنامج إلى ما يقارب ‬95٪ وتمت وقاية وحماية ‬496 طفلاً من الإعاقة الذهنية والتخلف العقلي.

كما نجح البرنامج في اكتشاف ‬287 حالة نقص هرمون الغدة الدرقية الخلقي، واكتشاف وعلاج ‬43 حالة فينيل كيتونيوريا، وكذا اكتشاف وعلاج ‬147 حالة أنيميا منجلية، و‬19 حالة اختلال الغدة الكظرية الخلقي، مما ساهم في حصول البرنامج على الاعتراف الدولي عام ‬1998 من قبل برامج ضمان قياس الجودة ببرمنجهام في المملكة المتحدة، وتم تصنيف الإمارات ضمن المجموعة الأولى على مستوى الدول العربية والشرق الأوسط في الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية.

وفيما يتعلق بمختبرات تشخيص الأمراض الوراثية التي تشمل مختبري تشخيص الكروموزمات والتشخيص الخلوي باستخدام الهندسة الوراثية، فإن الخطط التطويرية تشتمل على التوسع في البرنامج وإضافة التشخيص أثناء الحمل وتشخيص الأمراض السرطانية الأخرى، وإضافة التقنية الحديثة لتشخيص الأنسجة، واستحداث تشخيص الأمراض المسببة للتخلف العقلي، والتشخيص الوراثي قبل زراعة الأجنة، وتقوم الوزارة في الوقت ذاته بتجهيز مختبر الهندسة الوراثية تمهيداً لافتتاحه بحيث يكون من أبرز وأهم المختبرات على المستوى الإقليمي.

وتتابع الدكتورة هاجر الحوسني: إن البرامج ذات الصلة بالمختبرات، تهدف منذ تأسيسها قبل نحو عشر سنوات، إلى الوقاية من الأمراض الوراثية من خلال التشخيص ومتابعة علاج هذه الأمراض، وقد تم في هذا الصدد، فحص ما يقرب من ‬4000 حالة من حالات الأمراض الوراثية المختلفة، وفحص حوالي ‬900 حالة من الأمراض السرطانية مثل سرطان الثدي والأنواع الأخرى من سرطان الدم واختلال الكروموزمات الدقيقة باستخدام الهندسة الوراثية من كافة إمارات الدولة.

وتخضع مختبرات وزارة الصحة لإشراف برامج قياس الجودة في المملكة المتحدة، وقد حازت على الاعتراف الدولي عام ‬2007 من قبل هذه البرامج.

 

خطط تطويرية

وتضيف الحوسني: إن الخطط التطويرية الخاصة بالسجل الوطني للتشوهات الخلقية والأمراض الوراثية ستركز على تحديث نظام الترصد لربط مسببات الأمراض الوراثية بطرق الوقاية، والاهتمام بزيادة المحاضرات والبرامج التدريبية للأطباء والفنيين العاملين بالبرنامج، والتوسع في إجراء الأبحاث والدراسات المتعلقة بأهمية تناول المرأة حمض الفوليك أثناء وقبل الحمل لوقاية الأجنة من أمراض العمود الفقري، وكذلك الأبحاث الخاصة بالأمراض الناجمة عن زواج الأقارب، وطرق الوقاية من الثلاسيميا.

وتطرقت إلى الأهداف العامة للسجل الوطني، بما تشتمل عليه من تحديد نسبة التشوهات الخلقية والأمراض الوراثية، ووضع لائحة بالأولويات والتدابير الوقائية اللازمة، موضحةً أنه منذ تأسيس البرنامج سنة ‬1999 حتى نهاية ‬2008 تم تسجيل ‬4800 حالة تشوه بنسبة حوالي ‬14 لكل ‬1000 طفل، وهي نسبة ليست أعلى من النسب العالمية، كما تم تحديد الأمراض الوراثية الأكثر شيوعاً، وعمل نموذج للتبليغ بها وتشمل أمراض الدم الوراثية واضطرابات السمع والنطق الوراثية.

وبالنسبة لعيادات الأمراض الوراثية وبرنامج المشورة الوراثية، فإن الخطة التطويرية تقضي بزيادة عدد عيادات الأمراض الوراثية التي تقدم خدمة الاسترشاد الوراثي والفحص ما قبل الزواج بمعدل عيادة جديدة كل عام في كل إمارة، والاستمرار في تدريب الأطباء والكوادر الطبية الأخرى العاملة في مراكز الأمومة والطفولة والرعاية الصحية لتقديم خدمة الاستشارة الوراثية.

 

قفزة مهمة

وتضيف: إن البرنامج حقق قفزة مهمة منذ عام ‬2008 حينما أصبح الفحص إلزامياً لكل الراغبين في الزواج على مستوى الدولة، موضحةً أنه في الحالات التي يوضح الفحص أنها إيجابية يتم تقديم النصح والإرشاد حول كيفية ونسبة احتمال الإصابة عند المولود الجديد.

ويسعى البرنامج إلى حماية ووقاية الأجيال القادمة من الأمراض الوراثية والتشوهات الخلقية بحيث يتم تجنب حوالي ‬60٪ من التشوهات الخلقية وحماية الأطفال من الإصابة بأمراض الدم الوراثية مثل الثلاسيميا والأنيميا المنجلية بنسبة تقارب ‬100٪وتؤكد مدير الإدارة المركزية لرعاية الأمومة والطفولة في ختام حديثها أن الإمارات شأنها شأن أي دولة في العام توجد بها أمراض أكثر شيوعاً عن غيرها، ومن أبرز أمراض الدم الوراثية في الإمارات: الثلاسيميا والأنيميا المنجلية وهناك التشوهات الخلقية ومن أهمها متلازمة داون ونقص هرمون الغدة الدرقية الخلقي وأمراض الأحماض الأمينية والدهنية والعضوية، مؤكدة أن وزارة الصحة حققت نجاحاً كبيراً في مجال محاصرة الأمراض الوراثية والتقليل منها، كما نجحت في نشر الوعي في المجتمع بأبرز طرق تلافيها والوقاية منها، ومن المتوقع في ظل الخطط التطويرية المزمعة أن يتحقق المزيد من الإنجازات.

 

الثلاسيميا أكثر الأمراض الوراثية انتشاراً

 

 

يقول الدكتور أمين الجوهري، استشاري جراحة الأطفال في مستشفى النور بأبوظبي: إن الثلاسيميا تعد من أكثر الأمراض الوراثية انتشاراً في الإمارات، وهو مرض وراثي يؤثر في صنع الدم، فتكون مادة الهيموغلوبين في كرات الدم الحمراء، غير قادرة على القيام بوظيفتها، مما يسبب فقر دم وراثياً ومزمناً يصيب الأطفال في مراحل عمرهم المبكرة، نتيجة لتلقيهم مورثين معتلين، أحدهما من الأب والآخر من الأم، على الرغم من خطورة الثلاسيميا، إلا أنه من الأمراض التي يمكن تجنبها عبر خضوع راغبي الزواج من الجنسين، وكذلك تجنب زواج الأقارب.

ويضيف الدكتور الجوهري: إنه بالإضافة إلى التشوهات الخلقية الناجمة عن الوراثة، هناك تشوهات غير وراثية من أشهرها ما يسمى طبياً بحالة انفلاق العمود الفقري، واستسقاء الرأس.

وتحدث أعراض الإصابة بهذا المرض، نتيجة عدم اكتمال تكوين العمود الفقري، أثناء وجود الجنين في الرحم، مما يجعل النخاع الشوكي مفتوحاً، ومن ثم لا تتمكن الأعصاب الشبكية من تغذية الجزء السفلي من الجسم، وكلما كان الموضع المختل من العمود الفقري أقرب إلى الرأس، كلما كانت الأعراض أشد وطأة.

ولا تنجم هذه الحالة عن زواج الأقارب، وإنما تنشأ عن عدم تناول الحوامل لحمض الفوليك آسيد، قبل الحمل، إذ لا جدوى من تناوله أثناء الحمل، ولا ينتشر المرض بصورة تدعو للقلق في الإمارات، والمتعارف عليه أنه يحقق أعلى معدلات الانتشار في أيرلندا.

ويؤكد أن الإمارات بما تمتلكه من كوادر طبية عالية الكفاءة، ومؤسسات علاجية مجهزة بأحدث التجهيزات، فضلاً عن الخطط التطويرية ذات العلاقة بالسجل الوطني للتشوهات الخلقية وسن التشريعات التي تلزم بفحص حديثي الولادة، سيكون لها عظيم الأثر في محاربة التشوهات الناجمة عن عوامل وراثية أو غير وراثية.

برامج الفحص المخبري والجيني صحة لأجيال المستقبل

يمثل العنصر البشري المحور الرئيسي والهدف الأسمى الذي تتوجه إليه كافة خطط وبرامج التنمية على أرض الدولة، لذلك كان الاستثمار في التعليم وفي النهوض بالخدمات الصحية، من أهم ما تركز عليه الحكومة الاتحادية. ولأن الناشئة هم عماد المستقبل، فقد اهتمت السياسات الصحية، بتعزيز مستويات الرعاية والوقاية من الأمراض الوراثية، وذلك عبر مجموعة من برامج الفحص المخبري والجيني، مما ساهم في أن تحقق الدولة معدلات تغطية عالية، تضاهي المعدلات التي تحققها الدول المتقدمة، إن لم تكن أعلى منها. وتحظى برامج وزارة الصحة بشأن الفحص المبكر عن الأمراض الوراثية وفحص راغبي الزواج والفحص الجيني بتقدير كبير من قبل المؤسسات الطبية العالمية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، وتقوم الوزارة حالياً بمراجعة هذه البرامج بهدف تطويرها، بما ينسجم مع سياسة الدولة، بخصوص رعاية أبنائها، وتحرير طاقاتهم حتى يساهموا بفاعلية في دفع وتعزيز عجلة التنمية على أرض وطنهم، وذلك انطلاقاً من مبدأ أن التنمية لا يمكن أن تتحقق إلا بسواعد أبناء الوطن الأصحاء القادرين على العمل والعطاء.