طغيان الاقتصادي على حياة الفرد وانشغاله به ليل نهار لم يترك مساحة أمل كافية لدى المثقفين والمفكرين من أن الكتاب (كرمز للثقافة العامة) سيكون له مكانته في المستقبل القريب، وابتهاج الناس به، والسرور الذي يدخله إلى نفوسهم، والانجذاب إلى احتفاليته وتظاهرته. لكن غالبا ما يتحدى الإنسان أي حال يؤول إليه بعد تأمل. إنه يرفض مثل هذه النتائج.
لا يعتقد أن حالا كهذه ستقابل بالإهمال ليستفحل أمرها ويصبح إحدى معضلات حاضرنا. هنالك من يعمل على مواجهة هذا التحدي غير العادي بشتى الطرق ليحقق أمرين مشهودين، الأول دفع الكتاب إلى الناس بالطرق والوسائل التي ربما لم تكن معهودة من قبل للفت أنظارهم والهمس في مسامعهم، إنه (لا تستوي حياتكم وتستقيم من دون كتاب دلالة الثقافة). والأمر الثاني دفع الناس بالمقابل، من الضفة الأخرى، باتجاه الكتاب لإنقاذهم مما هم فيه من حياة سادرة أخذت من أبدانهم وأذهانهم الكثير وصادرت عنهم مباهج عديدة ومتنوعة حيث راج القشري والمسطح.
لعله من بين الهموم العديدة في هذا السياق والتي بإمكان المرء التحدث فيها. اعتقاد الناس إن من الأسباب التي تجعل الكتاب منعزلا عن البشر، هو الشك المستشري بينهم أن الكتاب المناسب والمطلوب والضروري لم يأت بعد. بل إنه لن يأتي. خصوصا أنهم يحملون في ذاكرتهم التحولات التي تمت وتتم في الكثير من المجتمعات في عالمنا العربي. إن مجمل تلك التحولات لم تصل بالناس إلى سقف الحرية التي كانوا يحلمون بها، وبالتالي فإن أي كتاب يسمح بوصوله إليهم لن يكون الكتاب المرجو الذي أرادوه ورغبوا به وانتظروه. اعتقادٌ كهذا ينظر إليه كثيرون أنه مبالغ فيه وآخرون يقولون بصحته. إلا أن الأمور في كل الأحوال لا تأخذ بهذا الشكل على قاعدة الأبيض والأسود. فما دامت هنالك نسبية فإن حال الكتاب لا تنسحب على كامل الجغرافيا العربية.
هنالك (جغرافيات) عربية تزدهر فيها الثقافة بسبب أن الكتاب المطلوب والضروري وجد طريقه إليها بسهولة ويسر من دون أن تواجهه أية جدران جمركيه أم رقابية. بل لم يواجه فيها أي نوع من الوصاية الفكرية والثقافية. وعليه فقد كانت أرضا ازدهرت حينما أتاها الماء مقننا في وقته المناسب.
يعتبر المهتمون والمؤرخون أن عطش الثقافة عبر التاريخ سببه تجفيف منابع الحرية، وغياب الحوار بالطريقة الأحسن، والخوف من الوعي بالحقوق الإنسانية والقانونية، وترنح المواطنة بين الفهم الناقص لها، واعتبار عدم الإقرار بها أمرا يقتضيه واقع حال يجهل المواطن العربي حيثياته. يبقى القول إن أي محاولة جادة لدفع الكتاب إلى الناس لها أجران.