عمل محمد المرزوقي البالغ من العمر 60 سنة كمراسل في وزارة الكهرباء والمياه في دبي لمدة 33 عاما من دون ترقية، لكنه كان همه الوحيد هو الحصول على الراتب كاملا بعد التقاعد، وبإصرار وعزم كبيرين تمكن «بو مروان» من مضاعفة صبره على الصعوبات التي كان يواجهها في عمله حتى وصل لسن التقاعد، فتفرغ لتطوير مهارته أو هوايته وهي الحدادة.
يقول: أصبحت مدير نفسي بعد التقاعد الذي أنساني مرارة العمل التي تذوقتها بجرعات كبيرة ولمدة طويلة، كما ساعدني التقاعد على التفرغ لهواية الحدادة والتركيز على تطويرها، فقد بدأ مشواري في هذا المجال عندما تعطل سخان المياه قبل 30 عاما، فذهبت به لإصلاحه ودفعت أربعين درهما أجرة ليد العامل، وهو مبلغ كبير جدا في تلك الأيام، حينها قررت تعلم الحدادة حتى لا أدخل الكهربائيين والحدادين إلى منزلي مطلقا، فقمت بشراء آلة اللحام التي وصل سعرها إلى ألف درهم تقريبا وبدأت من خلال المحاولة والتجربة والتعلم من الصواب والخطأ بصناعة العربات وأبواب المنزل، ومن ثم تمكنت من الوصول إلى مستوى الاتقان أو الاحتراف بفضل الله.
مشاعر
أيامي لا تشبه بعضها أبدا بسبب إدارتي الصحيحة لوقتي، فعند استيقاظي في الساعة الثامنة صباحا أذهب إلى ورشتي المنزلية حيث أقوم بتشغيل ماكينة اللحام والبدء في صناعة عربات التسوق، وهكذا حتى الساعة الثانية ظهرا حيث أتناول طعام الغداء وآخذ قسطا من الراحة ومن ثم أعود إلى ورشتي لاستكمال عملي الذي تطور بشكل كبير من ناحية الصناعة والتركيب.
بلوغي الستين عاما لا يعني التراخي والتقاعس عن العمل أو الجلوس في المنزل أو الاكتفاء بزيارات بعض الأصدقاء لورشتي عصرا، علما أن ذلك يثير في نفسي مشاعر الحزن عليهم لأنهم يصفونني بالمجنون تارة ويرون أنني أدمر مظهري الاجتماعي بهذه الهواية تارة أخرى، ولكنهم عندما يشاهدون بأعينهم عربات تحميل الأغراض والأبواب التي أقوم بتفصيلها ويتأكدون بأنفسهم من جودتها العالية واتقانها يتراجعون في كلامهم ويطلبون مني تفصيل شيئا لمنازلهم، مع العلم أنني لا أعتبر هوايتي مصدرا للرزق ولا أطلب المال بل أعمل من أجل العلم والتسلية بل والمتعة.
طلبات مرفوضة
يطلب مني أحيانا بعض الجيران تعليم الخدم الموجودين في منازلهم هذه الحرفة ولكنني ضاحكا أرفض بشدة، لأن مصير هؤلاء الأشخاص العودة إلى بلدانهم، ولأنني أتمنى أن أحظى بدعم يمكنني من تعليم أبناء دولتي الحدادة على أصولها، فهي مهنة ذات جدوى وحاجة وطلب، وهو مجال راق يشعر معه الإنسان بقيمته وقدرته على الابتكار وصناعة ما يستفاد منه، وهي مهنة أو حرفة ليست عيبا أو مصدرا للإهانة كما يظن شباب اليوم المنصرفون نحو الوظائف المكتبية والباحثين عن «البرستيج» السطحي، وقد سعيت من أجل الحصول على قطعة أرض حتى أنشئ عليها ورشة لتحقيق هذه الغاية ولكن للأسف يقابل طلبي دائما بالرفض.
أرى الدهشة والاستغراب في عيون العمال الآسيويين الذين أستعين بهم في بعض الأوقات عندما يصعب علي تركيب شيء في المنزل، حيث يتفاجأون بورشتي المتواضعة وما تحويه من معدات وماكينات حدادة حديثة ولا يصدقون أنني زميلهم في المهنة لاعتقادهم أن الإماراتيين أشخاصا لا يحبون الأعمال الحرفية، وانه من المستحيل أن ينخرطوا في هذه المهن التي كما يظنون.. تقلل من شأنهم، ولكن عندما تدور بيني وبينهم نقاشات معينة حول تركيب أو تصميم شيء ما يكتشفون أنني أكثر احترافا ومهارة منهم، وأذكر أن أحد المهندسين جادلني كثيرا حول تركيب ولحام أحد أبواب منزلي، وفي نهاية المطاف عرف أنه على خطأ وأنني على صواب.
إنجازات عاجلة
تختزن ذاكرتي مواقف كثيرة ومنها عندما طلب مني جاري صناعة باب لمنزله، حيث قمت بصناعة الباب وتركيبه في أقل من 15 يوما، فكانت فرحتي كبيرة حين عادوا من سفرهم وأرسلوا لي هدية كتب عليها «لعناية المهندس بو مروان».. كلمات كلما تذكرتها أبهجتني وأزالت عن قلبي الهموم، لأنها تعوضني عن التقدير الذي حرمت منه 33 عاما.
كذلك كان صديق شقيقي بحاجة إلى حداد في عطلة نهاية الأسبوع التي تبدأ فيها المحلات بشكل عام باستقبال الزبائن عصرا، وكم كان فرحا حين جاء إلى منزلي لإصلاح عربته، وعلى الرغم من استعدادي للخروج إلا أنني ذهبت إلى ورشتي وبدأت بتشغيل الماكينة وقص الحديد ولحامه وعندما انتهيت ورآها أروع مما كانت عليه شكرني كثيرا وقال لي «لو عرف شبابنا قيمة هذه المهنة لما عزفوا عنها».
