ما أن تدق الساعة الرابعة عصرا، يحضر العم نصر حجازي نفسه لفتح أبواب جناح إدارة التراث العمراني الذي يستقر على ضفة الخور بشارع السيف، ويبدأ بإعداد المكان لاستقبال زواره من الصغار والكبار على حد سواء من هواة الزخرفة الجصية واللوحات التراثية.

عندما قابلناه كان العم نصر يجلس على كرسيه الصغير الذي يكتسى باللون الأحمر المخطط بالأسود في إحدى زوايا الجناح، ويحاول أن يبدد الدخان المنبعث من سيجارته، فهو الذي أمضى جل سنوات عمره في مهنة الزخرفة الجصية التي بدأ العمل فيها عام ‬1984 ببلده الأصلي سوريا، متخذاً منها حرفة بعد أن كانت مجرد هواية محببة إلى قلبه، هناك في بلده احترف العم نصر الديكور الداخلي الذي لا يخلو منه بيت من بيوت الشام، ولكنه وبعد مرور ما يقارب عشر سنوات انتقل العم نصر ليحط في دبي ويواصل العمل في حرفته من خلال إدارة التراث العمراني. يقول العم نصر: عندما قدمت إلى دبي كان القسم الذي أعمل فيه ما زال جديداً، حينها كنا نقوم بصناعة لوحات الزخرفة الخاصة بالبيوت التراثية، وكانت تستغرق معنا وقتا طويلاً، ولكن بعد تطوير القسم أصبحنا قادرين على إنتاج أكثر من خمس لوحات زخرفة في اليوم الواحدة، وذلك بعد اعتمادنا لقوالب جاهزة نقوم بصناعتها بأنفسنا، وبالطبع هذا الأمر سهل علينا العمل كثيراً، وعادة نحن نأخذ الرسومات جاهزة بعد إعدادها من قبل قسم مختص في رسومات الزخرفة ونبدأ بالعمل عليها وفق المقاييس المطلوبة.

أنواع الزخرفة

اشتهر فن الزخرفة كثيراً عبر التاريخ الإسلامي، وتحديداً الزخرفة النباتية، التي تعتبر من الزخارف المهمة التي تميّز بها الفن الإسلامي، حيث ابتكر في تلك الفترة أشكالاً نباتية مختلفة خرجت عن الأشكال الطبيعية، وقد جاءت نتيجة للتأملات العميقة في الطبيعة، والتي استطاعت أن تبعد الفنانين عن محاكاة الطبيعة من خلال استخدامهم للتجريد والتحوير للعناصر النباتية المختلفة.

وإلى جانبها اشتهرت أيضاً هندسة الزخرفة والتي تعتبر نوعاً آخر للزخرفة الإسلامية، حيث برع المسلمون في استعمال الخطوط الهندسية، وصياغتها في أشكال فنية رائعة، فظهرت المضلعات المختلفة، والأشكال النجمية، والدوائر المتداخلة، وقد زينت هذه الزخرفة المباني، كما وشحت التحف الخشبية والنحاسية، ودخلت في صناعة الأبواب وزخرفة السقوف، مما يعد دليلاً على علـم متقدم بالهندسة العملية.

وحول ذلك يقول العم نصر: نحن نعمل على نوعين من الزخرفة وهما، إما الحفر الكامل والذي يسمح بالرؤية من كلا الطرفين أو نصف الحفر، والرسومات الزخرفية إما أن تكون زخرفة نباتية التي تظهر فيها أشكال النباتات وأوراق الشجر، أو زخرفة هندسية معقدة، وبالنسبة لنا فنحن نقوم بإنتاج النوعين باستخدام الجبس.

ويضيف: في السابق كان البناؤون يستخدمون الفحم في لوحات الزخرفة، لإضفاء لون آخر إلى جانب اللون الأبيض، وحتى نحاكي الواقع التراثي فنحن أيضا نقوم في بعض الأحيان باستخدام الفحم بعد طحنه، حتى تكون اللوحة المطلوبة صورة طبق الأصل عن القديمة، وأحيانا نقوم بإضافة بعض الألوان إلي اللوحة المطلوبة إذا كانت اللوحة الأصلية تحتوي عليها.

يومياً يعمل العم نصر على تعليم زواره من الأطفال والكبار طرق خلط الجبس، والذي يجب أن يتوافق مع معايير معينة بحيث لا يكون سائلاً أو جامداً، وبالتالي يجب خلطه جيداً بطريقة تساعد على صبه في القالب وتغلغله في الفتحات الموجودة في القالب.

ويقول العم نصر: هناك العديد من الأطفال وحتى الكبار يأتون يومياً إلى جناحنا، ويسألوننا عن الطريقة التي نعمل فيها، وأحاول أن أشرح لهم ذلك من خلال العرض أمامهم، إلى جانب أنني أسمح لهم بإعداد القطعة التي يريدونها بأنفسهم مقابل ‬10 دراهم، والهدف من ذلك هو تعليم الأطفال طرق عمل الزخارف الهندسية، وزرع حب التراث في أنفسهم.

ويعرض العم نصر في جناحه العديد من القوالب الجاهزة، والتي يبدو بعضها محفوراً بشكل كامل والبعض الأخر يكون نصف حفر، ويقول: عندما تجف القطعة يكون لونها الأساسي الأبيض، ولكن يمكن لأي شخص أن يقوم بإضافة الألوان عليها سواء كانت زيتيه أو مائية، وبالطبع هذا يعود إلى صاحب القطعة نفسه، والعمل في الجبس يختلف تماما عن السيراميك الذي يجب أن يتم إدخاله في أفران خاصة على درجات حرارة عالية.

مشاريع عديدة

يذكر أن إدارة التراث العمراني هي إحدى الإدارات التابعة لبلدية دبي، والتي تسعى إلى تحقيق رؤية البلدية المتمثلة في بناء مدينة متميزة تتوفر فيها رفاهية العيش ومقومات النجاح، وكانت الإدارة قد أعدت خطة مستقبلية للمساهمة في تحقيق هذه الرؤية، وتركزت الخطة العامة للإدارة على ثلاثة محاور رئيسية هي تأهيل وترميم المباني التاريخية في الإمارة، وزيادة نسبة زوار المرافق التاريخية، وترسيخ الوعي التراثي لدى العامة.

وكانت إدارة التراث العمراني في دبي قد أنجزت خلال العام الاخير ‬67 مشروعاً تراثياً، في حين بلغ عدد مشاريع التنمية التراثية ‬387 مشروعا، وتتطلع الإدارة إلى زيادة نسبة تنفيذ المشاريع التراثية خلال العام الجاري بنسبة ‬5٪ عن العام الماضي.

ومن أهم المشاريع التي تم انجازها خلال العام الماضي هي: مشروع استكمال حماية دبي التاريخية، وتطوير سوق مرشد، والسبخة بديره، وتطوير سوق سكة الخيل، وسوق نايف بديره، والمخطط العام لمنطقة الشندغة، ومعايير التعامل مع واجهات المباني في ديره، ومبادرة دراسة حصر المباني التاريخية «المرحلة الثانية»، ومشروع المقابلات التراثية المعمارية، وملاك خريطة الشندغة، ودراسات متحف الشاعر العقيلي، وتصنيف الزخارف.