ما من شك أن انطلاق مهرجان دبي للتسوق هذا العام وللمرة السادسة عشرة، شهد ترقبا من الكثيرين ممن راحوا يراهنون على قدرة المهرجان الذي أصبح وثيق الصلة بشهري يناير وفبراير، وأصبح موعده بمثابة التوقيت السنوي المرتقب الذي يحل ليغير طعم الشهور ويميز بعضها عن بعض.

وسعى مهرجان دبي على جلب المزيد من عشاقه حيث يأتي في مقدمة القائمة الطويلة من الأحداث السنوية التي ارتبطت بمكانة دبي كمدينة اكتسبت شهرة عالمية، وأصبحت تحت الأنظار تراقبها عيون العالم، كما اعتادت دبي التفوق على كثير من دول العالم التي كانت تصنف بالكبرى والعظمي، فانتقلت رويدا رويدا إلى الصفوف الأمامية في سرعة أذهلت العالم، وأفاق الكثيرون من غفلتهم للاطلاع على تجربة هذه المدينة الاستثنائية، تارة بنظرات الفضول وتارة أخرى بصيغة الدراسة والاكتشاف، وتارة ثالثة بصيغة الترقب ورؤية الجديد الذي تتقنه دبي. وعودة إلى انطلاق المهرجان العالمي الذي ينتظره المقيمون والزائرون بترقب وصبر، بعدما تواصل معهم المهرجان كصديق وفي عبر ‬16 عاما متواصلة لم يخيب ظنهم وآمالهم، بل زادت مع الأيام ثقتهم التي وضعوها في فعاليات وعروض المهرجان التسويقية والترفيهية.

كان التحدى الأكبر أمام مهرجان دبي في قدرته على جذب الأعداد الغفيرة التي كونها عبر السنوات الماضية والتي قدرت بالملايين من البشر الذين زاد إنفاقهم على المليار درهم عبر السنوات الأخيرة فقط.

وعندما اطل علينا المهرجان بفعالياته وعروضه، راح الجميع ينتقي منها الغريب والجديد، إلا أن المعروض فاق الطلب، وراحت الأيام تتوالى دون برنامج محدد، فكل يوم في مكان وكل ساعة تحمل متعة مختلفة عن تلك التي تليها، لقد كان تحديا كبيرا تنوعت أشكاله، واختلفت درجاته، ليأتي نجاح المهرجان خلال أول أسبوعين على انطلاقه ليحطم التحدي بالإقبال والنجاح الكبيرين، وإشادة الجمهور كبارا وصغارا من مختلف الجنسيات.

استمرار النجاح

استمر مهرجان دبي للتسوق في جذب الناس بارتفاع ملحوظ لمعجبيه ومن ينتظره، وحتى لمن فكر في متابعة الفعاليات للمرة الأولى، فمنذ عام ‬1996 حقق المهرجان أرقاما فلكية حيث بلغ حجم الإنفاق ‬2,15 مليار درهم، ونسبة زواره فاقت ‬1,6 مليون زائر، كما منحَ المهرجان ‬121 سيارة لكزس و‬43 كيلو غراماً من الذهب، ودون المرور على الدورات المتلاحقة للمهرجان، نقفز إلى دورة عام ‬2000 حيث شهد المهرجان خلال هذا العام نمواً ملحوظاً في أعداد الزوار وجذبت الفكرة ‬2,5 مليون سائح، من بقاع مختلفة من العالم العربي والغربي، وارتفع حجم الإنفاق إلى ‬4,31 مليارات درهم، وكانت الجوائز أكبر، حيث تم توزيع ‬41 كيلو غراماً من الذهب، و‬33 سيارة رولز رويس على الفائزين.

قفزة أخرى إلى عام ‬2006-‬2007 حيث جمع مهرجان دبي للتسوق بين دورتيه الحادية عشرة والثانية عشرة بشكل استثنائي وذلك على مدى ‬45 يوماً بدأت في ‬20 ديسمبر ‬2006 ولغاية ‬2 فبراير ‬2007، حيث تم توزيع ‬96 سيارة لكزس و‬45 سيارة نيسان و‬45 كيلو غراما من الذهب الخالص، بالإضافة إلى الكثير من الجوائز النقدية، ووصل عدد الزوار خلال دورة العام ‬2006-‬2007 إلى أكثر من ‬3,6 ملايين زائر، أنفقوا ما يزيد على ‬10,2 مليارات درهم، وسنتوقف عند الدورة الرابعة عشرة للمهرجان حيث تابع الجميع هذا العام بـ‬150 فاعلية مختلفة، تم توزيعها على مدار اليوم ليكون أمام زوار المهرجان ‬150 يوما من المتعة والفرح الحقيقي، اي ما يعادل نصف السنة، ستة أشهر تم اختزالها ‬32 يوما فقط، وبحسبة بسيطة نجد انه باستثناء التسوق سيكون هناك خمس فعاليات يومية متجددة ومتغيرة على مدار الساعة، أما إذا كان الأمر يتعلق بنهاية الأسبوع فيجب أن يستمتع الزوار بـ ‬35 فاعلية في يوم العطلة، أرقام مذهلة لكنها حقيقية ولكم أن تعيشوها بالدقائق والثواني التي ستخزن في ذاكراتكم وكاميراتكم متعة العام بأكمله.

حفل الافتتاح

بدأ الإعلان عن انطلاق المهرجان وبدأ الجميع يتوافد على المنطقة المحيطة ببرج خليفة وحديقة الخور، حيث منح المهرجان الافتتاح نكهتين مختلفتين، فالعرض الرئيسي كان أسطوريا بالفعل، والعروض المتجولة في حديقة الخور جذبت المئات من الزوار الذين توافدوا على حديقة الخور معلنين فرحتهم بالمهرجان مشاركين الكرنفالات والعروض المتجولة التي استمرت على مدار ‬4 ساعات متواصلة في فرحة غامرة، جمعت مختلف الأعمار والجنسيات تحت مظلة واحدة «دائما مهرجانك».

على مدار الأعوام السابقة وبعد نهاية العرس السنوي لمهرجان دبي للتسوق، يبدأ الإعداد للعام المقبل حيث يبحث القائمون على المهرجان هنا وهناك يبحثون عن كل ما هو جديد وغريب وممتع، يمكن أن يكون ضمن فقرات وفعاليات المهرجان، فلا تأخير او تقاعس في الاختيار والانتقاء وإضافة المزيد من الفنون المبهجة لزوار وجمهور المهرجان، ففي كل مكان في دبي يمكن سماع او رؤية تلك العروض المتميزة.

قاعدة جديدة رسخها مهرجان دبي للتسوق عبر السنوات، تخالف القاعدة الشهيرة التي تقول إن «إرضاء جميع الأطراف غاية لا تدرك» فقد كسر المهرجان هذه القاعدة، وأصبحت هناك قاعدة جديدة تكمن في أن من يقف وراء هذا المهرجان، ويخطط لإسعاد الناس ويبذل مجهودا خرافيا في الوصول إلى النتائج الايجابية والتي لا ترضى دبي بديلا عنها.

‬200 جنسية مختلفة، كل جنسية تتكون من بشر تتنوع أهواءهم وميولهم، كلهم يجتمعون بحب على ارض المهرجان ودون أن ندري نجد الجميع مستمتعين، ومن المشاهد التي لفتت نظري أثناء تجوالي في المهرجان احدى المشاحنات الزوجية في دبي فستيفال سيتي، حيث انزعج الزوج جدا مع نسيان زوجته لكاميرا الفيديو، وسبب الانزعاج كان على حرص الزوج على تسجيل تلك اللحظات التي يحرص على التقاط المزيد منها كل عام، أما الحل فجاء مؤقتا، وبكل فرح وقف الزوج رافعا يده بهاتفه النقال يسجل فعاليات عروض الفرق المتنوعة التي جاءت خصيصا لتجوب أرجاء المكان لتسعد الناس. وعودة إلى إرضاء الجميع، نجد أن المهرجان استطاع ترجمة أمنيات وأحلام الكثيرين كل على هواه يختار من قائمة الفعاليات والمراكز والحفلات والربح والأحلام دون رقيب.

لا يخفى على احد أن دبي هي مدينة المال والأعمال، ودأبت على تقديم الأمكنة المتميزة لأصحاب الخبرات الذين يعملون فيها بكل حب وبعطاء مستمر بغير كلل او ملل، وهو ما جعل هذه المدينة محط أنظار الكثيرين، سواء كانوا مستثمرين او عاملين يبحثون عن الرزق والحياة الكريمة تحت مظلة الأمن والأمان، إلا أن الجميع سيلمس لمحات من المهرجان بدءا من الشوارع مثل الرقة والسيف، وداخل المراكز التجارية التي نرتادها بشكل شبه يومي، حيث يمكن للزوار التمتع بالأضواء الليلية واللافتات المعلقة التي تحمل صورا فنية أشبه باللوحات عن مهرجان دبي، وأصبح الأطفال صامتين في السيارات وهم يمرون تحت مظلات شعارات ولافتات مهرجان دبي للتسوق التي تتنوع في أشكالها وفي الرسائل التي تحملها.

وعودة إلى المنشغلين فقد أصبح بمقدورهم اختيار المكان الأقرب إلى منازلهم او إلى عملهم للتمتع بتسوق سريع وفريد ودون شروط الميزانية الضخمة، كما بإمكانهم التمتع بالفعاليات المختلفة التي تتواجد في المراكز التجارية، وهو الأمر الذي أصبح ظاهرة، حيث يترك الوالدان الأبناء للتمتع بالفعاليات ويذهبون للتسوق بحرية.

المراكز التجارية

تتميز دبي بافتتاح المزيد من المراكز كل عام مثل مردف سيتي سنتر، وبعيدا عن مكانة هذه المراكز وتميزها عن غيرها، فقد شاركت هذه المراكز التي تعدت ‬40 مركزا متنوعا في مختلف ربوع دبي، كما شارك أكثر من ‬6000 محل تجاري تعرض أشهر الماركات العالمية في المهرجان، وتقدم أسعارا خيالية وتنزيلات خاصة بالمهرجان وحملته المميزة، وهو الأمر الذي جاء بشهادة من اعتادوا على شراء نفس المنتجات من دول أخرى عربية وأوروبية.

أما التحدي الأكبر في هذه المراكز المشاركة، فهو تحويل ساحاتها وطرقاتها إلى مسارح ومعارض تستضيف الفعاليات.

بوتقة واحدة

تسلحت دبي بالسلام وأصبحت نموذجا يحتذى به، ومثالا حيا للتعايش السلمي الذي اخترق مهمة التوفيق بين طائفتين او بين دين وآخر او بين عقيدة وأخرى، بل احتوت بحنان أكثر من ‬200 جنسية مختلفة يشعر كل منها انه في وطنه، درب المستحيل سلكته دبي ونجحت في تأسيس مفاهيم جديدة، فلا عجب أن تجد الهندي يجاور الباكستاني في مسكنه او في محله او في الحافلة التي يستقلونها ملقين التحية على بعضهم، المعتقدات السياسية التنافسية لا وجود لها في دبي، الجميع يتمتع بحماية فيدرالية عالمية.

الأمن والأمان

لا عجب في أن تجد رجل الشرطة إلى جوارك متجاوبا مع العروض التي تقدم وهو يؤدي عمله بحب شديد، ولا عجب في أن تجد الاستجابة السريعة في حال احتجت إليها، والمعلومات الدقيقة والتفصيلية عن كل الفعاليات التي يحتضنها المهرجان، ولا عجب أن تترك الأم أبناءها دون خوف عليهم وكأنهم في بيتهم الكبير يمرحون بلا خوف، الجميع يستمتع ويتشارك البسمة، وعناصر الأمان.

تجسيد

الجمع بين الحداثة والتراث

إنها البادية فيها ترعرع الأجداد وعاشوا أزمنة مديدة ينعمون بدفئها، ويتنقلون بين فيافيها ومنها بدأت اللغة العربية، لغة القرآن ولغة أهل الجنة تفيض على العرب بمفرداتها الجميلة وتقوي علاقاتهم في كل أرجاء المعمورة، لتخرج لنا تراثا عظيما يتوارثه الأجيال جيلا بعد آخر، فالبادية هي الحاضنة التي احتضنت اللغة العربية الفصحى، وما زالت البادية تلعب دورها في تجسيد الحياة اليومية التي يعيشها البدوي في باديته، من خلال التنقل المستمر بحثا عن المراعي والماء، وعلى الرغم من أن الحياة أصبحت مستقرة الآن بفضل توافر المراكز الحكومية والمرافق الاجتماعية الحديثة، إلا أن الحياة البدوية جزء لا يتجزأ من حياة الأمة العربية في هذا الوطن العربي الواسع بامتداد صحاريه، ولذلك نجدها راسخة في فعاليات مهرجان دبي للتسوق. لم تستغرق دبي وقتا طويلا لتحدد هدفها، بل بات السباق مع الزمن وتحقيق المستحيل وتحدي الذات هو الهدف الأكبر، ولم تترك تراثها، بل عاشته كيومها ودمجت بين الأصالة والكرم، وبين الحداثة والتطور، في صور يتعجب لها كل من عايشها، انتقلت دبي في مهرجانها من عصر إلى عصر، ومن الماضي إلى الحاضر، متسلحة بالقدرة على مواجهة المستقبل.