لم تدخر دبي جهدها يوماً لابتكار كل ما هو جديد وتألق كل ما هو قائم، إنها عين المتطلع على الريادة والتميز المستمر، الذي كان ولا يزال حديث الجميع في الداخل والخارج ومضرب مثل على الإنجازات التي فاقت كل التوقعات.

جاء المهرجان هذا العام ليعلن قبيل المجيء عن دورته السادسة عشرة مبتهجاً بشبابه اليافع ونضوجه المستمر، مؤكداً على ضرورة تميزه لشهري يناير وفبراير وكأنه على موعد يتألق كل عام وليضيف إلى مريدي دبي الملايين ممن سمعوا عن هذه المدينة وحضروا بترتيب أو من دون ترتيب، ليكون شهود عيانٍ وسفراء متجددين لتلك المدينة المعجزة التي ازدانت جنباتها بمزيد من الإبداعات الفنية وأصبح المعماريون يدينون لها بثراء سيرهم الذاتية عبر مشاركتهم في صناعة هذه الرموز التي أصبحت مصدر فخر لكل عربي وإماراتي بل وأجنبي ممن يعشقون رمال دانة الدنيا.

«دائما مهرجانك» شعار يتألق على الميادين وفوق الجسور وعلى بوابات ومداخل المعالم السياحية في دبي ليعلن أن زوار المهرجان هم من يصنعون تألقه وأنه لن يخلف موعده جالباً معه المزيد والجديد من الترفيه والمتعة والتسوق بأفضل الطرق لكل من يشارك في صناعة الحدث. إنهم جمهور المهرجان الذين احتفظوا بذكرياتهم عبر ‬16 عاماً ليتولى الابن كاميرا أبيه، ويكبر الطفل مشاركاً في فعاليات المهرجان عبر الفيسبوك والتويتر ليخط بأنامله إعجابه بالفن والعروض التي تقدم، مسجلاً ذكريات قد مر عليها سنوات شهدت نضجه وتألق المهرجان. جاءوا من كل حدب وصوب من داخل الإمارات وخارجها ليعلنوا أنهم مشاركون فاعلون في الحدث فنتاج نجاح المهرجان عبر السنوات الماضية لا يزال الدافع الرئيسي للاستمرار والرغبة في المزيد من المتعة وإيجاد جديد كل يوم.

جاؤوا بأبنائهم وزوجاتهم وعائلاتهم وأصدقائهم إلى مواقع الفعاليات حيث تعالت الأصوات تنادي بالذهاب إلى مركز وافي أو فستيفال سيتي وأخرى ترغب في الذهاب إلى شارع الرقة، وفرقة ثالثة ترغب في الذهاب إلى حفلة الجاز، اختلفوا على المكان ولكن الهدف واحد، تدخل برنامج المهرجان ليعلن وجوده حيث اتفق الجميع على تقسيم الفعاليات على أيام الأسبوع الذي لم يكفِ في البداية حيث تم زيادته إلى عشرة أيام التي اتسعت لتصبح أكثر من ذلك، فالتقت الوجوه الباسمة في كافة الفعاليات لترشح مزيداً من البرامج السياحية المختلفة التي لم تحتج إلى شركة أو مخططين، فالمهرجان قام بهذه المهمة الصعبة مجاناً للجميع.

«لقد انطلق المهرجان» من أمام أعلى قمة برج في العالم معلناً بداية ‬31 يوماً يقف أمامه الجميع منتظراً ومرحباً ومتوقعاً ومراهناً على مرور السنين وثبات الموعد الذي يتجدد دون سابق إنذار كل عام أنها أيام متعة للحواس الخمس.

بعين المنتظر والباحث عن التجديد المستمر يبدأ الجميع في ملاحظة الزينة، حيث ترى الأعين أينما ذهبت في دبي الألوان البرتقالية والأعلام المرفرفة على الجسور وفوق المعالم السياحية وبجوار الرادارات المنتشرة في كافة الشوارع التي تعلن بدء الأيام المختلفة والتغيير القادم على الجدول اليومي المتكرر لتضفي عليه مزيداً من الحيوية والرغبة في زيادة عدد ساعات اليوم لتمتد إلى ساعات الصباح الأولى من اليوم التالي تاركة بصمة واضحة. تنظر العين إلى الإعلام والى أخبار الصحف وتقرأ بحركاتها الرقيقة خبر الحفل الأسطوري الذي قطع طول الانتظار على مدى ‬11 شهراً متواصلاً من الأيام المتشابهة، نعم اتسعت حدقة العين لتنهل من المزيد من الكلمات حول الانطلاق والبرنامج والفعاليات، لتبدأ في ملاحقة الصور تلو الأخرى لترى ألوان البهجة وقد بدأت في الظهور والتألق. لم تستطع العين الانتظار فراحت تقلب في البرامج والأخبار وتتابع الجديد في المهرجان عبر قناة دبي وسما دبي، لقد انطلق المهرجان وينبغي استغلال أمثل للوقت، الجميع يستقبل المهرجان بشهية مفتوحة بالرغبة في الاستمتاع اللامحدود، تقرأ العين جدول الفعاليات لتبدأ في الاختيار الصعب في الانطلاق، تتعدد الخيارات ويبقى الحنين إلى آماكن الذكريات في العام الماضي أو الرغبة في تجربة الجديد هذا العام، فالعين اختارت الذهاب إلى مردف سيتي سنتر حيث يشارك للمرة الأولى هذا العام عبر فعاليات مختلفة في العرض والتنظيم إنها فعاليات غريبة وجديدة من نوعها فلتذهب العين وتخبرنا عن عروض المجسمات المتحركة حيث الجميع يسعى إلى تصويرها، فالعين هنا لا تكفي لاختزال ذلك الفن وتحتاج إلى أعين إلكترونية ذاكرتها أكثر مساحة، وتنتقل العين البشرية ومعها الالكترونية إلى عروض الفراشات على العصي بل والبجع أيضاً على العصي، لم يزل أمامنا المزيد من الوقت حيث تنتقل الأعين إلى عروض الدمى والأحواض المائية المتجولة التي أحاطت بالعين من كل جهة لتبقى في المنتصف تتابع وتسجل.

 

حاسة السمع

تبدأ الأذن في استراق السمع إلى الأصوات المحيطة، حيث بدأ الجميع يتهامس متسائلين متى سينطلق المهرجان، تنتظر الأذن الجواب الذي يأتي من الهاتف من إحدى الصديقات التي تتساءل أين تذهبين هذا المساء، سمعت الأذن ولم تستطع تحديد الجواب الذي بدا صعباً، فأين ستكون الانطلاقة، بدأ العقل في التفكير والصور تتراقص متلاحقة حتى بدأ القرار إنه الحفل الغنائي لنجوم كبار جاؤوا ليشاركوا دبي فرحتها بالمهرجان؛ إنه صوت شيرين عبد الوهاب وأغانيها التي لطالما تشاركت سماعها مع زوجي، ولكن قبل الحفل فلنذهب إلى العرض الموسيقي في برجمان، وبعدها نتناول الغداء في «وافي» لنسمع ونرى عرض الصوت والضوء، فالحضارة الفرعونية تشارك بقوة هذا العام لتتلاقى آلاف السنين مع إنجازات العصر الحديث. كانت الحفلة أكثر من رائعة ولكن الوقت مر بسرعة وتعالت أصوات الصديقات أين سنلتقي اليوم في شارع الرقة حيث الفنون المتنوعة ولنستمع إلى عزف آلة السيلو الموسيقية، ونغمات الكمان والعود والقانون انه المكان الذي يلتقي فيه عشاق الموسيقى بأنواعها. نعم الأذن تعشق قبل العين أحياناً ولكن في المهرجان يلتقي الاثنان في اللحظة نفسها، فحتى الأطفال أماكنهم محجوزة مسبقاً في كافة الفعاليات فأصوات موسيقى عرض الطيور العملاقة وعروض المهرجين تجذبهم ليتجمعوا في دائرة ملتفين حول المتعة مشاركين فيها.

 

حاسة الشم

إنه الجوع الذي يرابط بي أينما ذهبت وتلك الروائح التي تلاحقني أينما مضيت، فلم تكن صدفة أن نذهب إلى مخيم المهرجان البري للعائلات والذي لم يتسنَّ لنا الذهاب إليه الأعوام الماضية حيث حملت نسمات الهواء رائحة اللقيمات النفاذة والرقاق ذو المذاق المتنوع، إنها رائحة الطعام الإماراتي المختلط بالخلطة السرية التي أتقنتها أيدي أمهر الطباخات الإماراتيات.

لم تتوقف الأنوف عن استقبال المزيد من الرائح ففي السوق الليلي بدأت روائح العطور المختلفة تتحد مع الهواء البارد مع بزوغ الدقائق الأولى من اليوم الجديد حيث اختلطت العطور العربية بالفرنسية وجاءت البخور الإماراتية لتخلق نمطا جديدا من الجو المنتعش بالرائحة، وراح الأطفال يبحثون عن رائحة الفشار النفاذة ويهرولون لشرائه كرفيق مثالي لتلك الفسحة في الهواء الطلق.

 

حاسة التذوق

كعادتي دائماً تتحرك شهيتي عند وصول رائحة الأكل إلى أنفي وأجد نفسي منقادة إلى الإسراع للحصول على جزء من تلك الأكلات الشهية لتكتمل منظومة اليوم باكتمال الإشباع النفسي والجسدي، حيث اتفقت مع زوجي على العشاء في الممشى، فالمكان هناك رائع وكما يقولون عنه «فينيسيا الشرق» حيث تتلاقى أصوات الأمواج بالهواء ويمكننا الاختيار من المطاعم المنتشرة على جانبي الممشى الذي يواجه منطقة الألعاب الترفيهية والمطاطية التي ساعدتنا على تناول العشاء في هدوء بعدما ذهب الأبناء إلى هناك، فالجميع مستمع والكل راض غير مكتف طالباً المزيد من الساعات والوقت الخالي من العمل الرسمي والمسؤوليات إنها فرصة لا تتكرر إلا كل عام.

 

 

لمسات السجاد رحلة الأنامل

 

لم تجد أناملي غير السجاد ملمساً مختلفاً ومتنوعاً، فالذهاب إلى هناك أشبه بالسفر إلى بلدان عدة، فالسجاد الإيراني والأفغاني واللوحات المختلفة التي حاكتها الأنامل على مدار عام أو أعوام كاملة باتت في متناول الجميع، فالسجاد المعروض أشبه بمتحف مفتوح يختلف ملمسه باختلاف الخيوط التي حيكت به، وتنوعت أشكاله بعدد العقد المتراصة المترابطة لتخلق فناً جديداً له عشاقه الذين ينتظرونه كل عام ليكون اللقاء.

لم تكتف الأيدي بالسجاد فراحت تلمس وتكتشف أنواع الأقمشة المعروضة التي يعرضها السوق القديم في شارع السيف، والعباءات الحريمى الملونة، وراحت أصابعي تتحسس الفنون المختلفة التي تعرض هناك للحرفيين حيث النقش على النحاس والرسم على الرمال، والحفر على الأخشاب.

تلاقت أيادي الأصدقاء مصافحة وسط المشاعر الفرحة والبهجة المنتشرة فذلك السلام بدأ حاراً وراحت الكلمات تتلاحق معبرة وراوية لما تراه، فالأطفال يمسكون بالألعاب ذات الأشكال المحببة للأطفال والتي يمسك بها البائع ليقدمها منحنياً إلى الأطفال متقاضياً بعض الدراهم من رزق المهرجان السنوي.

ولم تفوت صديقاتي الفرصة حيث ذهبن إلى سوق الذهب حيث العروض المنتظرة والأمل في ربح المزيد من تقدمة المهرجان لزوراه وجمهوره خاصة من النساء عشاق المعدن الأصفر، فكثيرون ربحوا وتسلمت أيديهم الأموال وغيرت من مجرى حياتهم.