المسافة بين دبي وجورجيا بعيدة، ولا يكاد أن يكون هناك شيء يجمع بينهما سوى الإرث الإنساني، فكل واحدة منهما تقدم إرثها بالطريقة التي اعتادت عليها، وهو ما عودتنا عليه دبي خلال مهرجان دبي للتسوق.

بالأمس جاءت جورجيا إلى دبي تحمل معها تراثها ورقصاتها بكل فصولها وحكاياتها التي تندرج جميعها تحت عنوان واحد وهو «أساطير العاصفة» الذي حاول من خلاله عدد من الراقصين الأسطوريين قراءة فصول تاريخية تؤرخ لكل الفترات التي مرت بها جورجيا منذ القدم وحتى اليوم.

في عرضهم الذي قدموه على مسرح دبي فستيفال سيتي حاول الراقصون الجورجيون إيصال رسائل عديدة اختزلت بين كلماتها تاريخ المنطقة التي جاؤوا منها، وأن يعكسوا مدى تأثرهم بالموسيقى التركية واليونانية رغم أنهم يمتلكون ما يكفي من تراث وموسيقى.

عروض متعددة

لم يقتصر العرض على لوحة فنية واحدة وإنما تراكمت فوق بعضها البعض لتنتج لنا حكاية طويلة تكاد تخلو من كل شيء إلا الموسيقى والرقص الرائع، وتوثق في فصولها العديدة لطقوس الحرب والسلام، وكأن الفرنسي «باسكال جوردان» وهو مخرج هذا العرض يحاول أن يوصل لنا رسالة بأن «الحرب لا بد أن تضع يوماً ما أوزارها مهما طال بها الزمن»، ولا بد للعرائس الموشحات ببدلاتهن البيضاء أن تحوم فوق رؤوسنا وكأنهن حمائم سلام.

قد لا يكفي أن وصف العرض بأنه «رائع» لأنه كان أكثر من ذلك، ولأنه لم يخلُ من حماسة الحرب التي تدب في نفوس الشباب للذود عن ثغور الوطن، في العرض الجورجي كان الوطن حاضراً، وكانت الحرب وكانت الحمائم، وكانت براءة الأطفال حاضرة أيضاً، بتناغم بارع مع دقات الموسيقى التي اقتربت كثيراً من الموسيقى التركية واليونانية، وتناغمت مع دقات الطبول التي كان يقرعها طفلان صغيران لا يتجاوزان في عمرهما العاشرة، ورغم صغرهما إلا أنهما استطاعا أن يشعلا الحماس في قلوب الحضور الذين صفقوا لهما بحرارة.

لوحات فنية

لوحات عديدة قدمتها الفرقة الجورجية التي تضم نحو ‬20 راقصاً وراقصة، غلب عليها رقصات استعراضية قوامها خفة الجسم القادر على الدوران والقفز في الهواء ودقة مدهشة فــي اتباع الإيقاع وفي تحريك أجسادهم، ففي اللوحة الأولى بدت الراقصات خلف ملابسهن الحريرية التراثية ذات اللونين الأسود والخمري وكأنهن حرائر، لم تكن حركاتهن سريعة كما الشباب وإنما بدت لوناً استعراضياً هادئاً يتوافق مع إيقاع الموسيقى الرومانسية، وكن يتحركن على المسرح وكأنهن فراشات تكاد أقدامهن تطأ الأرض.

ولم تكد تغيب الحرائر الجورجية عن المسرح حتى ظهر الشباب الذين ملأتهم الموسيقى حماساً يحركهم صوت الحرب يقودهم الأبطال «نيكولاي إيراكلي»، و«نيكولايش فلي»، و«زوريكو سي بي لاتزي»، و«نيكولوس نيجريا فلي»، لتتناغم أصوات سيوفهم التي كانت تطلق الشرار كلما التقت مع إيقاع الموسيقى، في تلك «الحرب الاستعراضية» الصغيرة لم يغب «الأبطال» الذين اعتادوا على قيادة جيوشهم والوقوف في ميدان المبارزة، فقد كانوا هم الآخرين حاضرين ببسالتهم وسيوفهم وتروسهم الصغيرة ليسمعوا الحضور قرعات سيوفهم.

لم تدم «الحرب الاستعراضية» طويلاً، فما أن وضعت أوزارها حتى ساد الفرح المكان لتخرج العرائس من خلف المسرح في رقصة حب جمعتهن مع عشاقهن العائدون من الحرب وكأنهن يقلن للشباب بأن «جزر الهوى فيك مد»، كان ذلك في اللوحة السابعة التي سيطرت عليها علامات العرس الجورجي التراثي، في رقصاتهم اقتربوا كثيراً من الرقصة التركية التقليدية وتحديداً تلك السائدة في شمال تركيا، حيث تكون الفتاة سيدة الموقف ونجمة الرقصة التي لا تغيب عنها العيون، ويكون الرجل سيد المكان حيث يحاول أن يحمي فتاته الصغيرة عبر حركات يديه التي تشبه حركة الصقر.

لحظات السلام

رائعة هي لحظات السلام حيث يسود الحوار بين الجميع، رائعة لأنها تقرب الأب من أولاده كثيراً لتسود المودة، وهو ما حاولت الفرقة تجسيده في لوحتها السابعة أيضاً عندما التقى الطفلان مع والدهما في حوار رائع جسدوه عبر دقات الطبول، حيث أبدع الأطفال بطريقة عرضهم للدقات وللتبديل بين الطبول، وكان الأب يحاول أن يوصل رسالة إلى أبنائه «أن يا أولادي قدموا الفرح على الحرب، فالفرح أغنية، وأغنيتنا اليوم سلام»، وعلى إيقاع أغنية السلام رقصت الحرائر مرة أخرى بهدوء وبشكل استعراضي يخطف الأذهان.

لقد حاولت الفرقة الجورجية التي ارتدت الزي التقليدي الجورجي عبر عرضها «أساطير العاصفة» والذي يمتد لنحو ثلاثة أرباع الساعة أن تقدم لنا ألواناً عديدة من التراث الجورجي الذي مر بتحولات تاريخية عديدة، وقد تمكنوا من اطلاعنا خلال هذا الوقت على أبرز لوحات تراثهم الإنساني، ليمنحونا من خلاله لحظة سلام لنعيشها مع أنفسنا قبل الآخرين.

فنون

العروض التراثية فاكهة المهرجان

اعتاد زوار دبي والمقيمين فيها منذ انطلاق مهرجان دبي للتسوق في العام ‬1996 على متابعة العروض التراثية القادمة من مختلف دول العالم، والتي تقدمها فرق متخصصة في هذا المجال، لتجسد دبي بذلك شعار المهرجان «عالم واحد .. عائلة واحدة»، ولتمثل بألوانها الزاهية فاكهة المهرجان.

وخلال دورة هذا العام استضافت دبي الفرقة الجورجية والتي قدمت ألواناً مختلفة من التراث الجورجي، ويعبر عن رحلة فنية عبر العصور التي مرت بها الثقافة الجورجية، وقد استطاع هذا العرض الذي يقدم يومياً في دبي فستيفال سيتي ابتداءً من الساعة السادسة والنصف أن يحوز على إعجاب الجمهور الذين تفاعلوا معه بقوة نتيجة لطبيعة الموسيقى الحماسية التي يرقص على إيقاعاتها أعضاء الفرقة.

يذكر أن العرض يستغرق ‬45 دقيقة من إخراج الفرنسي المبدع «باسكال جوردان» ويؤديه أكثر من ‬20 راقصاً وراقصة، يتميزون بخفة الجسم والحركات السريعة المتوافقة مع إيقاعات الموسيقى.