عند مدخل أحد الأجنحة في واحة السجاد والفنون جلست، الفتاة الأفغانية شكرية أمام آلة «الغارغا»، كانت أصابعها تعمل بهدوء خالص، أما عيناها فكانت تتنقل بين الخيوط الرئيسية التي مثلت جسم السجادة، والخريطة التي تبين تصميم السجادة وشكلها النهائي، لقد قطعت شكرية رحلة طويلة بصحبة آلة «الغارغا» من أفغانستان إلى دبي، لتثبت للعالم أن السجاد الأفغاني ما زال قطعة أصيلة من التراث الأفغاني، وإنه ما زال هناك مئات العائلات التي تعمل به وترغب فيه رغم ويلات الحرب التي أكلت كل شيء في بلادها.

لا تعمل شكرية وحدها، وإنما هي واحدة من مئات الفتيات اللواتي يعملن لدى مؤسسة تنوير ـ مبادرة الشيخة فاطمة بنت محمد بن زايد آل نهيان، والتي تم إطلاقها في شهر يونيو الماضي في أبوظبي، بهدف رعاية العاملات والعاملين بهذه المهنة في أفغانستان، والارتقاء بتصاميم السجاد اليدوي هناك وترسيخ مكانته في الأسواق العالمية.

هذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها مؤسسة «تنوير ـ مبادرة الشيخة فاطمة بنت محمد بن زايد آل نهيان» في واحة السجاد والفنون التي تعتبر أحد أهم الفعاليات الرئيسية في مهرجان دبي للتسوق منذ انطلاقه في العام ‬1996، وهم يحاولون من خلال هذه المشاركة إيصال رسالة مفادها أن صناعة السجاد الأفغاني ما زالت حيه في نفوس أصحابها، وان هناك من يعمل على إيصاله إلى الأسواق العالمية.

مؤسسة اجتماعية

وفكرة مؤسسة «تنوير» جديدة على المجتمع الأفغاني، فهي مؤسسة اجتماعية قبل أن تكون استثمارية، تحرص على تقديم العون للعائلات الأفغانية التي تضررت كثيراً من الحروب التي تكالبت على أفغانستان، وقد تمكنت أن تحقق نجاحا بارزا في المجتمع الأفغاني، وان تستقطب أعدادا كبيرة من العائلات التي تبحث عن العمل. وكان القائمون على مؤسسة تنوير قد عرضوا في جناحهم عددا كبيرا من قطع السجاد الأفغاني، الذي اختلف كثيرا في تصاميمه وأحجامه وحتى ألوانه عن أنواع السجاد الأخرى التي غطت أرض الواحة.

«البيان» التقت مدير عام المؤسسة في دبي مايواند جابر خيل، الذي حدثنا عن طبيعة هذا المشروع، حيث قال: نحن نعمل على إنشاء مركز لصناعة السجاد الأفغاني، ونهدف من خلاله إلى تطوير المجتمع الأفغاني وصناعته ومهنه اليدوية، ولذلك قمنا بإنشاء مركزين رئيسيين لنا في مدينتي كابول وجلال أباد في أفغانستان، ولدينا مكتب في دبي ولندن، بالإضافة إلى المكتب الرئيسي في أفغانستان، وكانت الحرب قد أثرت في أفغانستان على كافة القطاعات الاقتصادية، وهو ما دعا الكثير من العائلات إلى تشغيل الأطفال بهدف الحصول على دخل مادي لها، وفكرتنا تقوم على تقليل نسبة العمالة من الأطفال وإرسالهم إلى المدارس بدلا من العمل، عبر توفير الرعاية الصحية لهم ولعائلاتهم، بالإضافة إلى دخل مادي تكسبه العائلة من خلال عملها في صناعة السجاد اليدوي.

العمل لا يتوقف في مؤسسة «تنوير» عند حدود توفير العمل للعائلات المحتاجة في أفغانستان، وإنما تقوم بتدريبهم على أصول صناعة السجاد، بحيث يصبحون أكثر حرفية في هذا المجال، خاصة وأن صناعة السجاد في أفغانستان تمثل جزءا من التراث الأفغاني وواحدة من أهم الصناعات اليدوية هناك، علما بأنها المرة الأولى التي يتم فيها استخدام الصوف الأفغاني في صناعة السجاد حيث كان سابقا يتم استخدام الصوف السعودي والعراقي.

صنع السجاد

يقول جابر خيل: يعمل معنا في المؤسسة نحو ‬3500 موظف ‬70٪ منهم نساء، وهم يعملون جميعا في صناعة السجاد مقابل أجر يومي يتراوح بين ‬2 ـ ‬5 دولارات للموظف، وقد يرتفع الأجر كلما كان الموظف محترفا في عمله، بالإضافة إلى أننا نوفر لهم رعاية صحية كاملة وتعليما مجانيا لأبنائهم، وهذا الأمر ساعدنا كثيرا في إقناع العائلات بضرورة الاستغناء عن عمالة الأطفال وإرسالهم إلى المدارس، وتابع: نحرص في المؤسسة على توفير تدريب كامل للعاملين معنا، سواء الجدد أو المحترفين على طرق صناعة السجاد اليدوي، كما نقدم لهم أيضا التصاميم اللازمة التي نتعاون فيها مع عدد كبير من الطلبة الجامعيين، الذين يعرفون تماما طبيعة التصاميم التي تدخل في صناعة السجاد الأفغاني، والتي يعود بعضها إلى ‬500 عام مضت، وتختلف كليا عن تلك المستخدمة في إيران أو باكستان أو تركيا وغيرها من الدول.

وأثناء حديثه معنا عرض علينا جابر خيل فيلما يوثق عملية صنع السجاد الأفغاني، والتي تبدأ من شراء الصوف الأفغاني الذي يعتبر المادة الأساسية لصناعة السجاد الأفغاني، وبعد تحويله إلى خيوط يتم صبغها باستخدام ألوان طبيعية مستخرجة من قشور الرمان، والجوز، وأنواع الزهور المختلفة مثل زهرة السمسم، والخردل وغيرها، وبعد ذلك يتم توزيع الخيوط والتصاميم على العائلات التي تعمل في نسج السجاد، وبعد الانتهاء منها يقوم عددا من العاملين بغسل السجاد وتنظيفه من كافة الزوائد تمهيدا لتصديره إلى الخارج.

معدل الإنتاج من السجاد الأفغاني يعتمد على طبيعة الحجم المطلوب، وحول ذلك قال جابر خيل: منذ أن بدأنا العمل في هذه المبادرة ومعدلات الإنتاج لدينا بارتفاع، ويمكننا إنتاج ‬200 سجادة شهريا مختلفة المقاسات، ونحاول أن نرفع معدل إنتاجنا عن ذلك بشكل تدريجي، خاصة وأن لدينا حالياً سوق في بريطانيا والإمارات ونتطلع إلى دخول ألمانيا وأميركا.

جودة عالية

ورغم معدل الإنتاج العالي تقريبا إلا أن «تنوير» تحافظ على مستوى عال من الجودة، وذلك من خلال ضبط ومراقبة إنتاج العائلات، وحول ذلك قال جابر خيل: لدينا معايير جودة عالية في صناعة السجاد، حيث تقوم طواقمنا بعملية فحص للإنتاج أسبوعيا لتفادي أية أخطاء قد يقع فيها النساج.

وحاليا بدأنا بتطوير صناعة السجاد الأفغاني من خلال إدخال الحرير إليه، بالإضافة إلى الصوف الذي سيطر عليه لسنوات طويلة، وفي تقديري أن مستوى جودة السجاد الأفغاني قد ارتفعت مقارنة مع السابق بسبب وجود اهتمام بالعاملين في هذا المجال من الناحية التعليمية والصحية، حيث يتم إخضاعهم لفحص دوري كل أسبوعين. يبدو أن المستقبل وردي أمام «تنوير - مبادرة الشيخة فاطمة بنت محمد بن زايد آل نهيان»، حيث تتطلع إدارتها إلى تسويق السجاد الأفغاني في معظم دول العالم وتقليص الفجوة مع السجاد الإيراني، ومن دون شك فإن ذلك يساهم في دعم الاقتصاد الأفغاني من خلال رفع مستويات التصدير من السجاد الأفغاني عالي الجودة إلى الخارج. كما تسعى إدارة «تنوير» لإعادة الحياة إلى التراث الأفغاني، من خلال إحياء صناعة السجاد التي أصبح سعر قطعة المتر المربع الواحد منها يساوي ما يقارب ‬1500 دولار أميركي، وتعتمد «تنوير» في تسويقها للسجاد الأفغاني على مستوى الجودة العالي وفترة الضمان التي تمنحها إلى المشتري، فضلاً عن إنها قامت بفرش العديد من المؤسسات الحكومية في الإمارات وبريطانيا. وتتطلع إدارة «تنوير - مبادرة الشيخة فاطمة بنت محمد بن زايد آل نهيان» خلال الفترة المقبلة، إلى افتتاح مكتبا لها في ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية وجنوب أفريقيا، إلى جانب رفع عدد العاملين لديها إلى نحو ‬5000 موظف.

عراقة السجاد

يعتبر الصوف المادة الأساسية لصنع السجاد الأفغاني، وفي السنوات الأخيرة بدأ الأفغان بإدخال الحرير على صناعة السجاد ولكن تكون في سجاد اللوحات وليس السجاد الأرضي، وقد اعتاد الأفغان على استخدام الألوان الطبيعية مثل قشور الرمان والجوز، وأنواع الزهور مثل زهرة السمسم والخردل، أما عراقة السجاد فهي تأتي من تصاميمه التي يعود بعضها إلى خمسمائة عام مضت وما زال يصنع وفق تلك التصاميم المتوارثة. وللسجاد الأفغاني أنواع كثيرة منها المحمدي وهو السجاد ذو اللون الرماني الغامق، إضافة إلى البخاري والقوقازي والقرق والشيروان والكليم، والتغير في صناعة السجاد أصبح موجودا في الألوان، ففي الماضي كان معظم المعروض من السجاد ذي الألوان الغامقة بينما بدأ التغير منذ عدة سنوات حيث أصبح الطلب على الألوان الفاتحة للسجاد. ولم تتوقف صناعة السجاد الأفغاني في زمن الحرب لأنها تمثل مصدر رزق كثير من العائلات، وقد تمكنت من استعادة نشاطها مجددا، وأصبح الرجل يشارك المرأة في صناعة السجاد بسبب انتشار البطالة والبحث عن فرص عمل، بعد أن كانت مهنة نسائية خالصة.

رعاية العاملين

في يونيو الماضي تم إطلاق المبادرة الإنسانية والخيرية للشيخة فاطمة بنت محمد بن زايد آل نهيان، والتي تستهدف رعاية العاملات والعاملين بهذه المهنة في أفغانستان، والارتقاء بتصاميم السجاد اليدوي هناك وترسيخ مكانته في الأسواق العالمية، ويعمل في هذا المشروع حاليا ‬3500 شخص من الأرامل العاملات بهذه المهنة منذ سنوات، مقابل اجر يومي بقدر بخمسة دولارات، كما يتضمن المشروع مجمعين لصناعة وعرض وتسويق المنتجات في كل من كابول وجلال أباد، ومركز رعاية صحية للعاملين فيه، إلى جانب انه يساعد الأمهات في تعليم أبنائهن بالمدارس وأيضا الالتحاق بمهنة مفيدة كصناعة السجاد.

وتطمح إدارة مؤسسة تنوير إلى فتح مكاتب لها في ألمانيا وأميركا، ورفع عدد العاملين لديها إلى ‬5000 شخص، علما بأن معدل الإنتاج لديها قد وصل إلى ‬200 سجادة شهريا مختلفة المقاسات. يذكر أن هذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها مؤسسة تنوير مبادرة الشيخة فاطمة بنت محمد بن زايد آل نهيان، في واحة السجاد والفنون بدبي والتي تقام ضمن فعاليات مهرجان دبي للتسوق.