استطاع الجناح التركي أن يضع بصمة واضحة على المعالم الرئيسية للقرية العالمية من خلال مجموعة متنوعة من الأعمال الفنية، والقطع الفخارية والزجاجية التي تعكس المهارات اليدوية والتذوق الفني المرتفع لتركيا، هذا البلد الذي أخذ من قارتي آسيا وأوروبا بعضا من ملامحهما الثقافية والاجتماعية والتراثية.

ويتفرد الجناح التركي بشخصية متميزة تتخلص في المعروضات التعبيرية التي تنتمي لعدة مدارس فنية تختلف باختلاف العصور، فبين المدرسة التقليدية إلى التشكيل الحديث تتأرجح المعروضات لتجذب المتسوقين وتورطهم في المشاهدة والشراء، وأهم هذه الفنون النقش على النحاس والفخار، ثم الرسم على الزجاج، ثم تشكيل القطع الفنية متناهية الصغر ونحتها من مادة الكريستال لتتحول من قطع صماء إلى تحف فنية جميلة.

فن بالوراثة

وقال نجم الدين طوغان، وهو أحد فناني النقش على الزجاج إن هذه الحرفة يتوارثها جيل بعد جيل، وتعتمد على إجادة النظر إلى العمل قبل الشروع في نحته، بمعنى أن الإدراك الحسي لو لم يشعر بجمال القطعة في خياله قبل أن يبدأ في نحتها فلا جدوى من القيام بالعمل، ويلعب الخيال دور كبير في وضع أركان العمل الفني حتى إذا اكتمل ظهر في صورة ترتاح لها العين. ويضيف طوغان أن الزجاج يتحول إلى عجينة ناعمة وطرية إذا تعرض لدرجات حرارة عالية ومن ثم يمكن العمل على تشكيله ونحته ثم عند عودته إلى حالة الصلابة يمكن وضع الألوان والصبغات الكيميائية عليه.

وتتزاحم الأعمال الفنية المصنوعة من الصيني على أرفف المتاجر داخل الجناح التركي لتظهر اهتمام الثقافة التركية بالفنون التشكيلية، ففي أحد المتاجر تعرض تشكيلة كبيرة من الأطباق ذات الألوان الملفتة للنظر، ويقول عنها العارض أنها تكتسب قوة إضافية ولا تمحى بمرور الزمن لأنها مصنوعة يدوياً من ألوان مأخوذة من الطبيعة، وتختلف عن الصناعة الصينية في نوع الخامات المستخدمة في التصنيع علاوة على الألوان الطبيعية. وفي ركن آخر من الجناح التركي تظهر القطع الخزفية المزركشة بالنقوش العثمانية القديمة، وهذه النقوش تنتمي إلى المدارس التشكيلية التي ازدهرت في القرن الثامن عشر، عند حدوث التقارب بين الثقافة التركية والثقافات الشرقية المعنية بالفنون مثل الثقافة الفارسية، وهذه النقوش اليدوية تزين المباخر النحاسية والقطع الخزفية المنزلية، مثل الدلة وأوعية الشاي واللبن والكعك الشرقي والمشروبات، وعلى الرغم من تنوع هذه القطع واختلاف بعضها عن البعض بصورة جذرية، إلا أنها اتفقت على رقي الحس الفني وجودة الخامات التي صنعت منها، ووضوح الألوان التي زينتها.

والقطع التي تستخدم في الزينة فاقت من الناحية العددية والنوعية القطع التي خصصت للاستخدام الفعلي، إلا أن عدداً لا بأس به من المعروضات التي يضمها الجناح التركي يمكن أن تستخدم كقطع فنية أو كأدوات للمطبخ أو أوعية للطعام.

صناعة يدوية

ويضم الجناح التركي أيضاً مجموعة كبيرة من الأحذية والحقائب النسائية ذات الصناعة اليدوية، صنعت من قماش «الشمواه» وزينت بالعديد من القصاقيص الصغيرة ذات الأشكال الهندسية المتشابهة، والتي اتخذت أشكالاً من الطبيعة مثل الزهور والأشكال المطرزة على شكل بروز يضفي على هذه الحقائب المزيد من الجمال. ووصلت الفنون في أحد المتاجر إلى صناعة أشكال من الخضروات والفواكه تستخدم لأغراض الزينة أو الدعاية في المطاعم، عوضاً عن الأشكال الحقيقية للخضروات والفواكه التي يمكن أن تفسد بسرعة بسبب عوامل الطبيعة.

أما فنون النقش على مصابيح الإضاءة الضخمة فقد احتلت موقع الصدارة من حيث عدد المشاهدين، حيث ظهرت أشكال متنوعة من هذه المصابيح التي تجسد روعة الفن والتراث التركي في العصور الحديثة، وتنقسم هذه المصابيح إلى نوعين أولهما المصباح المصنوع من القطع الزجاجية الملونة الصغيرة والآخر مصنوع من قطعة زجاجية واحدة خضعت للتلوين، والنوع الأول يعتمد كما يقول عبد الله نور الدين سماح على تجميع القطع الزجاجية الملونة، ولصقها بمادة لاصقة شديدة بعد مضاهاة القياسات التي تسمح بعدم وجود أية فوارق بين الأسطح المكونة للمصباح، وبالتالي لا يظهر أي شعاع ضوء إلا من خلال الزجاج، حتى يكتسب الضوء لونه الموجود على هذه القطع، ويقوم بهذا العمل فنانون على درجة كبيرة من المهارة والدقة. أما النوع الثاني من المصابيح فمراحل إنتاجه أقل بكثير كما يقول سماح، ويعتمد على صب الزجاج الساخن في قالب يحدد شكل المصباح، ثم تبريد سطح هذا الزجاج باستخدام الماء والتيارات الهوائية الباردة، ثم العمل على رسم الأشكال الفنية على هذا السطح وهي أصعب وأطول مرحلة في العمل الفني، وبعد ذلك يتم وضعها في أفران خاصة لإكساب القطعة ثباتاً في الألوان ولمداراة أية عيوب تكون ظاهرة في عملية التلوين، وأغلب الأشكال التي تظهر على هذه القطع الزجاجية للمصابيح عبارة عن دوائر أو مربعات أو أوراق شجر أو معينات، وتتنوع ألوان هذه المنتجات بين الأزرق بدرجاته والفوشيا والأحمر والأصفر، كما تتنوع في أحجامها ويتراوح طول المصباح بين ‬20 و‬50 سنتيمتراً.