لم تتمكن التكنولوجيا الحديثة من القضاء على بعض الصناعات اليدوية، ولعل آلة النول تمثل واحدة من أبرز هذه الحرف والتي لاتزال تحتفظ بتاريخ طويل، ومع التطور التكنولوجي الذي اجتاح كل شيء، إلا أن الحياة لاتزال تنبض في عروق صناعة سجاد النول، فهناك الكثير من العائلات التي لاتزال تتمسك بها كحرفة وتورثها لأبنائها كجزء من الميراث، ويبدو أن الأمر ذاته حدث مع بسام خصيم الذي تعلم سر الحرفة على يد والده الذي ورثها عن أجداده وما زال يعمل عليها حتى اليوم. ويعمل بسام على آلة صنع النول منذ 20 عاما رغم أن عمره لم يتجاوز الثالثة والثلاثون، وينوي توريثها إلى ابنه الصغير بعد انتهائه من دراسته الثانوية، على هذا الحال استمرت هذه الحرفة التي توارثتها عائلة بسام منذ مئتي عام.
هذه ليست المرة الأولى التي يحط بسام القادم من مدينة حلب السورية ببضاعته على رصيف خور دبي، فقد سبق له أن ارتحل إليها لأربع مرات وكلها كانت في إطار مشاركته بمهرجان دبي للتسوق، وما زال يتذكر تلك الأيام التي خلقت الفة جميلة بينه وبين دبي التي رفض لأجلها الكثير من العروض التي جاءته للمشاركة في مهرجانات أخرى.
«البيان» التقت بسام الذي عرض الكثير من أنواع سجاد السدو في كشكه على خور دبي بشارع السيف، وحدثنا عن حرفته بالقول: أنا الوحيد بين أخوتي الذي يتقن العمل على آلة النول فقد تعلمتها على يد والدي، ونحن نصنع البساط (السجاد) اليدوي، والذي يستخدم في الجلسات العربية ويغلب عليه اللونين الأحمر والأسود، وكذلك العبايات التي تصنع من خيوط الحرير أو الصوف، ولا أحد يستطيع صناعتها سوى والدي الذي يمتلك خبرة تصل إلى 50 عاماً، وتستغرق العباية الواحدة معه نحو أربعة أيام، وعادة تكون بحسب الطلب.
معدل الإنتاج لدى بسام قطعة أو سجادة واحدة في اليوم من تلك التي تخلو من التصاميم، ويزداد الوقت الذي تحتاجه صناعة السجادة كلما تعقد التصميم، وحول ذلك قال بسام: أنتج يوميا قطعة واحدة من السجاد اليدوي إذا كانت رسوماتها بسيطة، أما إذا كثرت وتعقدت فقد تحتاج إلى ثلاثة أيام، وعادة تكون الرسوم أو التصاميم على ذوق الصانع ولا يوجد هناك تصاميم معينة نعمل عليها، ونحن نستخدم في صناعة السجاد خيوط القطن والصوف والحرير وتكون بحسب الطلب، وبالطبع تختلف أطوال السجاجيد ولكن أقصى طول يمكن أن تصله هو خمسة أمتار، أما بخصوص العرض فهو واحد لا يتجاوز 80 سم.
آلة الربابة
أمام كشك بسام تتكدس آلات الربابة وعدداً من الطبول والمهابيش بالإضافة إلى دلات القهوة النحاسية، ومن بينها تميزت آلة الربابة التي لفتت أنظار معظم المارة، ومن بينهم هناك من يعشق التجريب واللمس، ورغم ذلك لا يبدي بسام انزعاجه من طلباتهم، بل ويشارك بعضهم العزف على آلة الربابة ليزرع الآلفة بينه وبين المارين في شارع السيف. ولآله الربابة حضور بارز في المنطقة العربية، وهي تحتفظ بتاريخ عميق خاصة في المناطق البدوية، وصناعتها لم تكن بعيده عن عائلة بسام، فلديه اثنان من الأخوة يعملان في صناعتها وهو ما يجعله عارفاً بأساسياتها، وحول ذلك قال: يعمل اثنان من إخوتي في صناعة الربابة التي يستخدمون فيها خشب الجوز، وأنواع مختلفة من الجلود مثل الأرنب والسمك والثعلب والغزال، وحجم الإنتاج منها يعتمد على طبيعة الشكل والتصميم والرسم وينتجون يوميا بحدود العشرة قطع. وأضاف: القطعة الواحدة يعمل عليها ثلاثة أشخاص تتوزع المهام بينهم، فواحد يهتم بالخشب وتحويره وواحد يهتم بالرسومات، والآخر يعمل على تركيب الجلد وشده والوتر الذي يرش بمادة معينه تبقيه صلبا وتجعله قادرا على إصدار أنغام مختلفة.
