ما من زائر لمنطقة الشندغة التراثية في دبي إلا ويتناهى إلى سمعه صوت جهور عذب يصدح بهذه الكلمات «حار بعده ما برد.. وحار يتقلب.. وحار قلبـها».. إنه صوت إبراهيم إسماعيل جوهر.. الذي ينتقل بين أروقة المنطقة وهو يدفع عربته أمامه والتي صممها على هيئة سفينة البوم نظرا لارتباطه الوثيق بالبحـر.. اقتربنـا من سفينة البوم الصغيرة والتي تحتوي على أكلات شعبية وأخرى بسيطة تباع للأطفال.. حاورنا الجد إبراهيم الذي قال في البداية: إن القرية التراثية تعد من أكثر الأماكن التي تجذبه على الإطلاق، حيث يجد فيها أصالة الماضي ولكن بشكل متحضر يجذب الناظر إليه، وزائر القرية التراثية يشعر منذ بداية دخوله لها بأنه أمام خليط متقن الصنع من الماضي والحاضر.

منذ انطلاقة المهرجان قبل خمسة عشر عاما والوالد إبراهيم يحرص على المُشاركة عاما تلو الآخر.. منبهرا في كل عام من ازدياد الفعاليات وتنوعها.. لاسيما في قرية التراث حيث يجد سعادة كبيرة حينما يجر عربته التي صنعها بيده على هيئة بوم صغير يذكره بأنقى رحلاته البحرية السابقة، حيث كانت مزيجا خالصا من المشقة العذبة.. ما بين رحلة الصيد والغوص لاستخراج اللؤلؤ.. وهنا يقول:احضر إلى قرية التراث عصر كل يوم وأظل إلى المساء وذلك على طيلة أيام مهرجان دبي للتسوق.. وتشاركني عربتي رحلة التجوال اليومية..حيث أتجول كبائع أنادي بين الأزقة القديمة «حار بعده ما برد.. وحار يتقلب.. وحار قلبـها»، وأبيع المكسرات وبعض الأكلات التي تستهوي الصغار، وكذلك الحلويات.. لا أفرح بقيمة البيع بقدر فرحتي بإقبال الأطفال وملاحقة البعض لي، في محاولة بريئة منهم على ترديد ما أقول.. وكذلك دهشة الأجانب وفضولهم لمعرفة ما أبيعه وماهية الكلمات التي أصدح بها في لحن قديم وشجي يعانق روح الماضي، فليته يردني لتلك الأيام الجميلة التي تختلف عن أيامنا هذه بكثير.

قرية صغيرة

وعن رأيه في منطقة الشندغة التراثية يقول: إن هذه المنطقة التراثية جميلة وبسيطة، فهي تحكي الكثير من العادات والتقاليد الإماراتية الأصيلة، وكذلك الموروثات الشعبية من صناعات ومهن مختلفة..فعلا إنها قرية تراثية تضم مختلف المهن والصناعات التي كان يمارسها الأجداد، وهي بالفعل مهن باقية حافظ عليها الأبناء، وأتقنوها لكونها مهنة الأجداد والآباء، وهذا شيء جميل وموروث حضاري يجب المحافظة عليه، فمن ليس له ماضي ليس له حاضر..ويشجع الوالد إبراهيم إسماعيل على استمرار مثل هذه الفعاليات التراثية فهي تحافظ وتشجع على بقاء الموروثات الإماراتية حية وباقية على مدى الحياة. وأضاف: من خلال القرية التراثية يستطيع جيل اليوم الحصول على العديد من المعلومات التي كان يجهلها عن الماضي، خصوصا التراث القديم، الذي يواجه تحديا في ظل الطفرة العمرانية والاقتصادية، بل الطفرة التي تشهدها جميع مناحي الحياة في دولة الإمارات.

إقبـال كبير

وعبر الوالد إبراهيم عن سعادته للإقبال الكبير الذي تشهده القرية، خاصة من السياح الذين ينظرون إلى التراث الإماراتي القديم بدهشة وإعجاب شديدين، حيث يستطيع الحرفي أن يصنع من أشياء بدائية جدا شيئا يكون له قيمة عالية من خلال الدقة في الصنع والإتقان، بالإضافة إلى أن سعره يكون رخيصا.

كما أوضح أن الهدف من القرية التراثية في رأيه هو تعريف المشاهد أو الزائر لهذا الموقع بأن هذا هو تراث البادية الأصيل، مشيرا إلى أن فعاليات التراث التي تشتمل على ألوان وفرق تراثية موجودة وعلى معارض متنوعة مختلفة منها نسيج السدو المعروف في دولة الإمارات. وعن علاقته بالبحر قديما قال: كم تعب أجدادنا البحارة وتعبنا أيضا معهم بما نلناه من الجهد والإرهاق، وقاسينا من الغربة والبعد عن الأهل..ومع ذلك كنا لا نشعر بكل ذلك عندما نعود و نحن نحمل الصيد الوفير ليسعد الحي والمنطقة لعودتنا والفرحة بما جلبناه.

حرف

استقطاب الجمهور للاطلاع على التراث

قال الوالد إبراهيم إسماعيل جوهر إن إنشاء هذه القرية التراثية له الأثر العميق والطيب في نفوس أبناء الإمارات على وجه الخصوص، و أبناء الجاليات الأخرى عموما من حيث الاستمتاع والمشاهدة الحية للفعاليات الحرفية والألعاب والعروض الشعبية، آملا أن يستمر عرس التراث في هذه المنطقة بشكل دائم ومستمر لاستقطاب الجمهور للاطلاع على التراث الإماراتي من الحرف التقليدية التي يقدمها صانع الحبال وصانع الشباك والحلي التقليدية ونقش الحناء.. وغير ذلك.. ولم ينس إخبارنا أنه سيحرص على المشاركة في فعاليات قرية التراث وسيستمر في ذلك ما كتبه الله له من عمر. ومن جانب آخر يبدي الوالد إبراهيم ارتياحه قائلا: إن دبي في ظل طفرتها العمرانية والحضارة التي تبنيها حالياً لم تنس ماضيها الجميل..وهي بل تفتخر به أمام كل العالم وتحترمه بكل تفاصيله، لأنها تعتقد أنه من لم يكن له ماض فليس له حاضر، وهذا يجب أن يكون درسا لجميع الدول التي تحاول أن تستورد الحضارة الغربية وتخجل من تاريخها.