إياد محمد فهد، طارق منير، محمد عز الدين، فارس عبد الله، وعبد الرضا حسين، خمسة أصدقاء لم تجمعهم الصدفة وإنما تشابه حالاتهم المرضية فهم يعانون من أمراض متلازمة داون وطيف المتلازمة والتأخر في التعلم وغيرها، والتي ابتلوا بها منذ صغرهم ولكن الله خصّهم بأن كانوا من أبناء شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة التي تتمتع بالبراءة وتتصرف وفقها، هم لا يختلفون عنا في تصرفاتهم ومعرفتهم ولكنه المرض الذي أحاق بهم ومنعهم من التمتع بوافر الصحة والعافية.

كان الوقت ظهراً عندما تحركوا بصحبة مشرفهم و«البيان»، كانوا جميعهم يعرفون وجهتهم وفرحون برحلتهم، أثناء صعودهم إلى الحافلة وجلوسهم فيها، لم يَسد الهدوء بينهم وإنما كانت كلماتهم عبارة عن همسات تصاحبها الضحكات مرة والجدية مرة أخرى، رأيت في عيونهم الفرح وكأنها المرة الأولى التي يخرجون فيها برحلة خارج مدرستهم المتخصصة.

انتقلت الحافلة التي تقلهم من مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة الواقع خلف مول الإمارات من شارع لآخر، تحمل على متنها الأمل لثلة من الأطفال، ولما سيزورونه في مواقع مختلفة اتخذ منها المهرجان مكاناً رحباً لاستقبال زواره، قد تكون تلك ليست المرة الأولى التي يزور فيها أطفال معاقون فعاليات المهرجان، وبالتأكيد إنها ليست المرة الأولى التي ترتسم فيها علامات الفرح على وجوههم.

أثناء سير الحافلة كنت أحاول أن أضع نفسي مكانهم وأن أنظر بعيونهم وأفكر بعقولهم لأعرف ما يدور فيها، حاولت أن أقرأ الكلمات التي تناقلتها شفاههم علني أفهم ما يجري بين الأصدقاء الخمسة، أو على الأقل أن أقدر الفرح الذي يشعرون به، ففي كل شارع أو منطقة كانت تنتقل إليها الحافلة كان الأصدقاء الخمسة يشيرون بأصابعهم إلى البنايات ويتطلعون إلى الصور التي تواجههم، ويتحدثون عنها بكل براءة، لم أستطع متابعة كل تصرفاتهم بسبب مرور الوقت بسرعة فما هي إلا دقائق حتى أعلن سائق الحافلة عن وصولنا إلى شارع السيف، فكم يمر الوقت سريعاً في شوارع دبي التي لا تعرف الهدوء.

صفق الأطفال فرحاً، وقاموا ينفضون عن أجسادهم كسل الجلوس على المقاعد، ولعل أجمل منظر رأيته هو احترامهم لبعضهم البعض فكل واحد منهم كان ينتظر دوره في النزول من الحافلة وكأن النظام لم يخلق إلا لهذه الشريحة والتي على الرغم من مرضها قد تفوقت علينا نحن الأسوياء في ذلك. اصطفوا خلف بعضهم البعض بسرعة وبطريقة جميلة، فكل واحد منهم يعرف مكانه لا يغادره مهما حدث، استمعوا جميعاً إلى كلمات مشرفهم الذي لمست مدى حبهم واحترامهم له، بضرورة أن يكونوا معاً وألا يترك أحدهم المجموعة حتى لا يضيع في الزحام في شارع السيف الذي ما أن يأتي المهرجان حتى تدب فيه الروح مرة أخرى.

لم يكن المكان غريباً عنهم، فكلهم يعرفونه جيداً فقد سبق لهم أن زاروه عندما اصطحبتهم إدارة المركز في رحلة بحرية على متن سفينة الحب والوفاء التي سيرها أبناء المركز من شارع السيف نحو شواطئ أبوظبي احتفالاً منهم بعودة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة سالماً معافى إلى الوطن، ويبدو أن المكان استطاع أن يعيد لحظات تلك الرحلة إلى ذاكرتهم مرة أخرى، ليستذكروا مدى الفرح الذي عاشوه سابقا.

على المرسى

بالقرب من مرسى السفن ساروا جميعاً، وراء مشرفهم الذي اجتهدت عيناه في مراقبتهم حرصاً عليهم، واجتهد لسانه في الإجابة عن أسئلتهم التي دارت حول السفن الكبيرة وأسمائها، والمنطقة الرائعة التي تحتضن جزءاً من روح دبي، مع اقترابهم من السوق الذي بدأ يفيق من سباته بدأت الضحكات ترتسم على وجوههم ليذكروني بقصيدة للشاعر الراحل توفيق زياد يقول فيها: «وأعطي نصف عمري للذي يجعل طفلاً باكياً يضحك»..

مع اقترابهم بدأ كل واحد منهم بمطالعة ما يجري خلف أبواب المحلات، وكنت في تلك اللحظة أحاول النظر بعيونهم لأرى ما يرونه هم وليس ما أراه أنا، لأن لكل واحد منا رؤيته ونظرته إلى الأمور.

كنت أحاول أن أرى شكلاً آخر في جميع القطع التي يتفقدونها، واسأل نفسي هل نالت إعجابهم أم إنه مجرد الفضول لمعرفة مكوناتها؟، بأصابعهم الصغيرة حاولوا أن يتلمسوا أبواب المحلات ويتناقشون في مدى قوتها ومدى حرفية صانعها، فهم يمتلكون خبرة كافية في أعمال النجارة التي تعلموها على يد العم رضا في ورشة النجارة الخاصة بالمركز، ليقول أحدهم: «نحن قادرون على صنع أفضل منها»، قد يكون على حق فهو تعلم الحرفة بطريقة مختلفة.

محلات كثيرة داروا حولها، وتوقفوا عندها متفحصين كل ما تعرض، ولن يغيب عن بالي منظرهم عندما وقفوا قبالة أحد الأكشاك التي تبيع سجاد «السدو» و«الربابة» فهناك تناول كل واحد منهم «ربابة» وبدأوا بالعزف عليها عائدين بذلك إلى الحياة البدوية التي تكثر فيها استخدام هذه الآلة الموسيقية، كان بسام خصيم صاحب الكشك فرحاً بما يقوم به الأصدقاء الخمسة، وحاول أن يعلمهم الطريقة التي تستخدم فيها الربابة، كما قام بإلباسهم «الطربوش» ليعيشوا واقعهم الجميل، ضحكات بسام والأصدقاء الخمسة كانت واضحة للعيان ولعل ذلك كان سبباً دعا طارق إلى احتضانه، أمام كشك بسام حيث قضى الأصدقاء الخمسة وقتاً طويلاً تجمع الكثير من الناس وتحلقوا حولهم، وحاولوا مشاركتهم فرحتهم والتقاط الصور معهم.

ترحيب بالأصدقاء

لم يكن بسام الوحيد الذي رحب بالأصدقاء الخمسة، وإنما انسحب الأمر على أصحاب المحلات الأخرى والذين رحبوا بهم وتعاملوا معهم كأبنائهم وتحملوا كل أسئلتهم و«مفاصلتهم» للأسعار، ليظهروا بذلك كأنهم كالكبار ممن تحملوا مسؤولية توفير كل ما يحتاجه البيت والأهل والأولاد، لقد كانت طريقتهم جميلة لم يحاولوا فيها أن يرفعوا أصواتهم، وتعاملوا مع الأمور ككبار السن ممن يقدرون الأشياء، وكلما توغلوا في السوق كان المشرف أكثر حرصاً عليهم، وينادي عليهم بأسمائهم، ويقول لهم: «لا تبتعدوا عن المجموعة، ولا تقتربوا من حدود الخور كي لا يتعرض أحدكم للأذى».

لم تكن لتخطئهم العين، فقد تميزوا بملابسهم الحمراء اللون التي طبع عليها شعار المركز، ولم يكن هؤلاء يخطئون مشرفهم فهم يعرفونه حق المعرفة، في تلك الأثناء حاولت أن أستشعر فرحتهم بالمهرجان بالحديث إليهم، وقد صدق حدسي، فقد اكتشفت من خلال كلماتهم مدى حبهم لفعاليات المهرجان ومدى حبهم لدبي التي أعطتهم الكثير، ولكن رغم ذلك لم تغب عن ألسنتهم الدعوات المطالبة بأن يضم المهرجان في دوراته المقبلة قسماً خاصاً بهم وبأعمالهم، ليس بهدف الربح وإنما لعرضها أمام الناس وليتمكنوا من إيصال فكرة مفادها «إننا لسنا عاجزين عن تحقيق ذواتنا، وإننا قادرون على تقديم هدايا تذكارية رائعة، توثق لتاريخ دبي والإمارات التي نحبها أكثر من أرواحنا». كلما توغلوا في المكان زادت استفساراتهم، فكل شيء هناك أثار إعجابهم وأسئلتهم خاصة وان هناك الكثير من الأشياء التي نراها لأول مرة.

أكشاك شعبية

لقد كانت أكشاك الأكلات الشعبية التي توزعت على طول شارع السيف من أبرز الأماكن التي جذبت انتباه الأصدقاء الخمسة ومشرفهم، فعند كل كشك كانوا يتوقفون ويسألون عن طبيعة المأكولات التي يقدمونها، وما زلت أذكر كيف استقبلتهم إحدى السيدات اللواتي اعتدن تقديم الأكلات الشعبية في كافة المناسبات بأن أخذت تشرح لهم طريقة عمل «اللقيمات» وكذلك خبز «الرقاق»، واجتهدت في خبز بعضها لتقديمها إليهم، في حين أن زوجها اجتهد في تقديم القهوة العربية لهم كنوع من الضيافة والترحيب لزيارتهم، كان الأصدقاء الخمسة يضحكون ويمازحون الزوجين وتحدثوا معهم في كل شيء، ولسان الزوجين يلهج بالدعاء لهم بأن يوفقهم الله، لا أعرف لماذا شعرت بمدى الحنان الذي صبه الزوجان عليهما، ومدى فرحتهما بقدوم هذه الثلة إلى كشكهم.

بالقرب من المكان الذي جلس فيه الزوجان، انتصبت خيمة عربية وفرشت بكامل فرشها العربي، وقد فضل الأصدقاء الخمسة الدخول إليها والجلوس فيها، في تلك الأثناء كان طارق يقول للمارة «هلا هلا»، وقلده زميله إياد بان قال «حيهم»، لقد بدوا بهذه الجلسة وكأنهم يعيدون الأصالة العربية إلى مكانها. وما إن خرجوا من الخيمة حتى بادرت محمد بالسؤال عن مدى فرحته، فأجاب بكل براءة «أنا مبسوط كثير»، وسألني عن جنسيتي، وما أن أجبته حتى احتضني بشده وقال أنا أحب دبي كثيرا.

ومن تلك الخيمة زار الأصدقاء الخمسة أكشاكاً كثيرة عرضت على أحدها نظارات شمسية وقاموا بتجربة بعضها، كما زاروا أيضاً الأكشاك التي تقدم أنواعاً مختلفة من الفاكهة الاستوائية أو التايلندية واستمتعوا بها، ورغم إعاقتهم أو مرضهم الذي تراوح بين طيف متلازمة داون والمتلازمة نفسها إلا أن هؤلاء بدوا فرحين جداً بالمهرجان، لم يختاروا الألعاب الترفيهية كالأطفال، وكانوا يدركون بأنهم جزء من ذلك المجتمع الذي يزور شارع السيف طيلة فترة المهرجان.

قبل انتهاء رحلتهم وبدء توجههم إلى الحافلة لم يغفل الأصدقاء الخمسة أن يوجهوا شكرهم إلى دبي التي قدمت لهم الكثير، وإلى أصحاب المحلات والأكشاك التي زاروها، كما وجهوا شكرهم إلى إدارة المهرجان التي اجتهدت في تقديم فعاليات مختلفة أدخلت الفرح والسرور إلى قلوبهم.