من أفضل وأنبل الأهداف الرئيسية التي تقوم بها مراكز الأميرة هيا بنت الحسين للثقافة الإسلامية بدبي، تذكير الأجيال الحالية بماضي آبائهم وأجدادهم، وإعادة الروح من جديد لحياة المجتمع الإماراتي، من خلال فعاليات ملتقى العائلة الذي يرمز بدرجة أساسية إلى الحياة القديمة «الفريج»، فالقرية التي تحتضن هذه الفعاليات صممت بشكل أساسي على المعمار الهندسي القديم والأسواق الشعبية القديمة والأفلاج وغيرها من المعالم والعادات الاجتماعية التي عرف بها المجتمع الإماراتي، و«الفريج» في كل الإحياء التي انتشرت قديما في إمارة دبي، كانت تحمل أسماء لجماعات وأفراد مشهورين على مستوى «الفريج»، أما «فريج» اليوم فقد أطلق عليه «فريج ملتقى العائلة» وهو فعلاً أحيا من جديد تآلف وتقارب العائلة الإماراتية وجمعها في مكان واحد، كما جمع الكثير من العادات والتقاليد التي كانت سائدة في الزمن الماضي، وأتاح لمجموعة كبيرة من المجتمع الإماراتي رجال ونساء وأطفالاً ليعيشوا تجربة الآباء والأجداد لأكثر من ثلاثة أشهر من كل عام في نفس المكان والزمان، وأكثر ما شدني في ملتقى العائلة يومي الخميس والجمعة تواجد أعداد كبيرة من الأسر الإماراتية، وإقبالهم على الأكلات الشعبية خاصة «اللقيمات» و«الخبز الرقاق» و«خبز الفلزي» وغيرها من الأكلات الشعبية التي يعدها أكثر ‬12 امرأة، وكل واحدة منهن متخصصة بأكلة شعبية معينة.

وللمرة الثانية نتجول في «قرية ملتقى العائلة» أو «فريج ملتقى العائلة» كما رغب الكثير من الحضور تسميته، فالقرية وكما قالوا ترمز إلى حي أشبه بـ«الفريج» الذي يجمع سكانه على عادات وتقاليد واحدة أساسها المحبة والتآلف وعلى صورة جميلة تحاكى الحاضر بالماضي بكل صدق وأمانة.

الماضي حاضر

بداية يتحدث حسني حسن مسؤول السوق الشعبي القديم قائلاً: بتوجيهات حرم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي سمو الأميرة هيا بنت الحسين، افتتحت قرية ملتقى العائلة تحت أهداف سامية ورؤية اجتماعية تنبع من الحفاظ على العادات والتقاليد الراسخة والماضي الأصيل الذي يتحلى به أبناء الإمارات، وتذكير أجيال الحاضر والمستقبل بالحياة الاجتماعية القديمة التي كانت تعيشها العائلة الإماراتية، لذلك جاء مجسم القرية يحمل معالم الماضي من عادات وتقاليد وصور اجتماعية وحياتية وديكور، ويمثل السوق الشعبي القديم الصورة الأمثل للحياة التي كان يعيشها الآباء والأجداد سابقا، فالسوق بالنسبة لهم لم يكن مكاناً للتسوق فقط ولكن أيضاً كان ملتقى لجميع الناس والكل يعرف بعضه البعض من بائعين ومشترين، لذلك حرصنا أن يحمل سوق قرية ملتقى العائلة هذه الملامح القديمة، التي عمرها يزيد على عشرات السنين، والسوق الشعبي يتوزع فيه حوالي ‬188 دكاناً ما بين دكان صغير ودكان متوسط، وروعي فيه البساطة والبناء القديم، وأتيحت الفرصة للبائعين من الأسر المنتجة التي تعتمد على منتجاتها المحلية، وأيضاً عروض من منتجات مشاريع الشباب، وكنا في البداية قد سمحنا للعارضين بعرض منتجاتهم في السوق الشعبي مجانا، وعندما رأينا أن العدد بدأ يزيد قمنا بوضع رسوم إيجار يعتبر في كل الأحوال رسوماً رمزياً، أضف إلى ذلك مساهمة أحد فاعلي الخير بتسديد إيجار بقية المحال بنسبة ‬40٪ ويعتبر ذلك تبرعاً منه ودعماً للأسر المنتجة ولمشاريع الشباب.

عائلة واحدة

وتضيف بشرى شكر الله منسقة السوق الشعبي والمطاعم الشعبية قائلة: إضافة إلى ما سبق وقاله حسني حسن، فإن السوق الشعبي يعد من أهم وأبرز الفعاليات في القرية، فالعوائل تحب أن تتسوق من منتجات البائعين، وهذا يعد تشجيعاً لهم وصورة تعكس مدى تفاعل زوار القرية مع كافة الفعاليات والأنشطة، ويوجد في السوق أيضا ‬6 مطاعم للأكلات الشعبية، إضافة إلى محلات الخبازات الإماراتيات، وجميع الأكلات الشعبية تباع في القرية، مثل الهريس والمرقوقة والمضروبة والبلاليط والخبيص وعصيدة بوبر والنخي، إضافة إلى جميع أنواع الخبز الرقاق بالبيض والجبن والخمير واللقيمات، كما تباع كافة أنواع المشروبات الإماراتية، وكل هذه الأكلات والمشروبات الساخنة تباع بأسعار رمزية حددت بالتوافق مع إدارة القرية والبائعين والبائعات، حتى لا نترك إشكالاً بين البائع والمشتري، ولكن الحمد لله الكل راضٍ عن هذا التوافق وأيضا بالأسعار التي تعرض، فالهدف في القرية ليس الربحية فقط ولكن أيضاً التفاعل مع فعاليات وأنشطة القرية، وفي قسم المطاعم الشعبية لعروض الأكلات الشعبية الإماراتية، كانت المشاركات في العام الماضي ست نساء وزاد هذا العام عددهن إلى ‬12 امرأة وكلهن سعيدات بالمشاركة ويقدمن عروضهن يومياً، وهناك إقبال كبير عليهن، والجميل أن صورة الخبازات في السوق تعيد إلى الأذهان تلك الصور القديمة التي عاشتها أمهاتنا وجداتنا، فالنساء الخبازات هن من كبيرات السن وممن لهن خبرة كبيرة في هذا المجال، ففي اعتقادي أن فتيات اليوم لا يستطعن القيام بعملهن ولا هن قادرات على بيع الأكلات الشعبية كما تفعل أمهاتنا وجداتنا، واليوم يكتمل الحي القديم «الفريج» بهذه الصور الجميلة والتي هي جزء من حياتنا في الماضي.

«تاجر الغد».. الصغار يصنعون مستقبلهم

أشارت شيخة احمد الرحومي منسقة عروض تاجر الغد إلى أن من ضمن أهداف القرية ومن الفعاليات الهامة تنشيط مشاركة الأطفال من خلال شعار «تاجر الغد»، والبداية كانت من خلال أربعة من الأطفال تم توزيعهم في السوق الشعبي، ويقوم كل طفل ببيع معروضاته وذلك بمساعدة أسرهم، وفي اعتقادي أن هذه هي البداية وسوف نعمل على تطويرها خاصة إذا تحقق الهدف منها، وهو إتاحة الفرصة للطفل في خوض مجال البيع والشراء وكيفية التعامل مع الآخرين، وإذا تذكرنا عادتنا القديمة وجدنا أن «الفريج» خرّج الكثير من التجار الذي بدأوا حياتهم ببيع أشياء بسيطة، ومن ثم أصبحوا تجاراً كباراً كل في اختصاصه، لذلك حرصت إدارة القرية وخاصة منى بالحصا مديرة المراكز التي تشرف على كافة الفعاليات والأنشطة، وتعطي الفرص لكل من يريد المساهمة في إحياء ماضينا القديم بكل ما يحمله من أصالة وعادات وتقاليد لاتزال راسخة في الأذهان حتى اليوم.

تجارب ناجحة

يقول الطفل عبدالله عبد المجيد: هذه أول تجربة أخوضها في مجال التجارة، فلقد شجعني والدي على ذلك واشترى لي هذه المجموعة من الأقلام على أن أقوم ببيعها بفارق ربح بسيط، والهدف ليس الربح أو الفائدة المادية، بقصد ما هي المشاركة للتعلم والاستفادة من كيفية وطريقة التعامل مع الآخرين، وأشكر إدارة قرية ملتقى العائلة على إتاحتهم هذه الفرصة، والتي أرجو أن أخرج منها بفائدة كبيرة خلال الأيام المتبقية للقرية.

وتضيف الطفلة حمده عيد السويدي: لأول مرة أخوض تجربة البيع والتعامل مباشرة مع الناس، لكنها فرصة لي لخوض مثل هذه التجربة حتى أتعلم من الآخرين، بدأت تجارتي بالإكسسوارات وبعض المنتجات الخاصة بي بتشجيع من الأسرة وأيضاً من إدارة قرية ملتقى العائلة، وهي أيضاً فرصة لي ولبقية زملائي التجار الصغار وعلينا الاستفادة منها.

الطفلة مريم عبدالله ماجد المري تقول عن تجربتها: أشعر بشيء من الغرابة وأنا أقف خلف الطاولة أعرض منتجاتي للبيع، لكن الحقيقة أن هناك تشجيعاً من قبل إدارة ملتقى العائلة وهي قد أتاحت فرصة للأطفال الصغار لعرض منتجاتهم للبيع.

بالطبع أشعر بكثير من الحياء والخجل ولكن هي تجربة لابد أن تعلمني أشياء كثيرة مثل التعامل مع الآخرين من رجال ونساء وأطفال، وطريقة المساومة في السعر وعلى كل حال هي تجربة فريدة لي ولكن أجد تشجيعاً من عائلتي في خوض هذا المجال الجديد.

محاضرات وأمسيات

من ضمن الفعاليات والأنشطة الثقافية والدينية التي يحييها ملتقى العائلة في منطقة الخوانيج، محاضرات دينية وقصائد إنشادية، تتناول الكثير من القضايا الإنسانية والاجتماعية والأسرية، وفي يوم الخميس الماضي عقد الشيخ وسيم يوسف محاضرة بعنوان (رؤى بين الواقع والخيال) استمتع بها الجمهور الحاضر وتفاعل معها من خلال طرح الأسئلة والمناقشة، فيما أحيا المنشد عبد القادر قوزع الليلة الثانية عبر إلقاء مجموعة من القصائد والأناشيد الدينية التي تفاعل معها الجمهور. منى بالحصا مديرة مراكز الأميرة هيا بنت الحسين للثقافات الإسلامية، قالت بأن ملتقى العائلة يسعى لمزيد من المحاضرات الاجتماعية والتثقيفية، وذلك لتوعية الجمهور، خاصة وأن عدداً كبيراً من الزوار يهتم كثيراً بمثل هذه المحاضرات.