تحتاج العقول البشرية المبدعة التي تستند إلى الفكر في جميع مجالات حياتها الأدبية أو الفنية أو العلمية، إلى مكان نموذجي ومثالي يجمع أفراد المجتمع ويحفزهم على الكشف عن طاقاتهم ومهاراتهم ويضمن لهم حقوقهم الفكرية، والرائد الدكتور عبدالرحمن حسن المعيني الذي أرسل في بعثة دراسية إلى بريطانيا من أجل دراسة القانون لم يكتف بأن يكون طالباً متفوقاً فقط، بل أظهر مستوى مبهراً من الجد والاجتهاد مكنه من العودة إلى أرض الوطن وبحوزته فكرة إنشاء جمعية غير ربحية للملكية الفكرية تتميز بشموليتها لكافة أنواع الابتكارات والإبداعات، وسعيها لتوفير الفرص للأشخاص الذين يريدون تحسين ثقافتهم القانونية حول قانون الملكية الفكرية والممارسات العلمية لاكتساب معرفة مفيدة بتكلفة معقولة من قبل خبراء متخصصين ومؤهلين في مجال حقوق الملكية الفكرية. التقينا المعيني خلال اجتماع الجمعية العمومية العادية الأول لانتخاب مجلس إدارة جمعية الإمارات للملكية الفكرية الذي أقيم في نادي الضباط في دبي، حيث عبر عن سعادته الكبيرة بدعم وزارة الشؤون الاجتماعية اللامحدود لجمعيات النفع العام بالدولة واهتمام معالي الوزيرة مريم الرومي بمشروعه، وقال: بدأ العالم يتحول شيئاً فشيئاً من اقتصاد الماديات إلى اقتصاد العلم والمعرفة اللذين أصبحا على درجة بالغة من الأهمية شأنهما شأن رأس المال الذي وبفضل قادتنا من شيوخ الإمارات وجميع المسؤولين كلا في اختصاصه، تربعت به الدولة على أعلى مراتب التطور والتنمية والنماء مبهرة بذلك العالم الذي لم يستطع التفوق على كل مراحل التطور الزمنية كما فعلت هي، وهكذا برزت الحاجة الماسة إلى حماية الملكية الفكرية على اعتبار أنها حق مضمون وتعبير نما وتنامى على ضوء التطور وحاجات العالم، وأصبحت تعنى بحماية الإبداع، والنماذج الصناعية، والاختراع، والعلامات التجارية التي حددتها الدساتير، والمطالب الدولية، والقوانين المحلية، ليتمتع بها المبدعون وأصحاب العقول سواء كانت الحقوق مالية أو معنوية أو ما يسميها البعض بالحقوق الأدبية، ونظراً لهذه الأهمية تأسست المنظمة العالمية للملكية الفكرية التي يطلق عليها اصطلاحاً منظمة (طةذد) التي تتضمن الكثير من الاتفاقيات والمعاهدات لتوثيق حماية الملكية الفكرية.

 

تطبيق سليم

حلم الأمس أصبح واقعاً ملموساً في عام ‬2011، وكلمات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -رحمه الله- كانت محفز المعيني الأول على إظهار طاقاته ومهاراته أثناء فترة إقامته في بريطانيا للدراسة في جامعة أبرتين، وقال: كنت ولا أزال أذكر نفسي دائماً بعبارات الراحل الغالي زايد التي تقول «العلم نور يضيء المستقبل وحياة الإنسان لأن ليس له نهاية ولا بد أن نحرص عليه، فالجاهل هو الذي يعتقد أنه تعلم وأكمل علمه، أما العاقل فهو الذي لا يشبع من العلم»، لأنها تمدني بطاقة إيجابية جعلت مني شخصاً متميزاً ومتفوقاً.

كان تأسيس المعيني للجمعية نابعاً من رغبته الكبيرة في تطوير وتحسين مستوى الملكية الفكرية والارتقاء بها، حيث أراد حث المواطنين والمقيمين بالدولة على الإسهام والإبداع في مجال الملكية الفكرية، لافتاً إلى أهمية المساهمة في إصدار الكتب والمجلات في المجال ذاته، ونشر الوعي بأهمية الجمعية من خلال إقامة الندوات والحلقات الدراسية، وقال: إن التطبيق السليم والممارسة العلمية لقانون الملكية الفكرية سيعملان على تشجيع نشر الوعي في الأعمال التجارية والصناعة، ورعاية حقوق ومصالح العاملين في مجال الملكية الفكرية ورفع مستواهم الثقافي بشتى الوسائل لخدمة أهداف المجتمع، وتعزيز التنمية الرشيدة، والإدارة الفعالة للقانون والممارسات المتعلقة بالملكية الفكرية بالتعاون مع الجهات المختصة من أجل تطوير الثقافة والاقتصاد والرفاه الاجتماعي في الدولة.

تنفيذ حق المؤلف في دولة الإمارات.. كانت الفكرة التي تمحورت حولها رسالة الدكتوراه الخاصة بالمعيني، وقال: راودتني فكرة إنشاء جمعية تكون بمستوى مثيلاتها الأجنبيات في المجال نفسه، وعندما عدت إلى الإمارات عرضت الفكرة على اللواء الدكتور عبدالقدوس عبد الرزاق الذي رحب بها كثيراً وظل إلى جانبي حتى ظهر إنجازي إلى العلن، كذلك تلقيت دعماً كبيراً من الدكتور محمد محمود الكمالي ؟مدير المعاهد القضائية والتدريب في وزارة العدل- الذي شجعني على البدء بمراسلة المؤسسين المشاركين ومن ثم وزارة الشؤون الاجتماعية حتى حصلت على الإشهار.

 

ثقة وإصرار

وعن الصعوبات التي واجهها، أكد المعيني أن التسهيلات التي حظي بها من وزارة الشؤون الاجتماعية ساعدته على المضي بثقة وعزم وإصرار نحو تنفيذ مشروعه، وقال: سيكون هناك تعاون مع الدائرة الاقتصادية ومجموعة من الدوائر الحكومية الأخرى من أجل نشر ثقافة الملكية الفكرية، وتعريف أفراد المجتمع على الإجراءات التي يجب أن تتبع لتوثيق إبداعاتهم من خلال الدورات والندوات والمحاضرات.

وأوضح المعيني أن جمعيته لن تنافس المؤسسات الأخرى المعنية بحماية الملكية الفكرية في الدولة بل ستكملها، وقال: لدينا منظمة الاتحاد العربي لمحاربة القرصنة، وجمعية مايكروسوفت منتجي الأقراص، ونحن لن نستغني عن التعاون مع تلك الجهات المتخصصة في مجال الملكية الفكرية، على الرغم من أننا الأعم والأشمل، وهنا أود أن أذكر أن مؤسستنا ذات نفع عام والغرض الأساسي منها التوعية والنصح والإرشاد وحفظ الحقوق الفكرية.

وتحدث اللواء الدكتور عبدالقدوس عبدالرزاق عن بداية تأسيس الجمعية قائلا: قمنا بإرسال دكتور إماراتي من شرطة دبي ليدرس القانون في بريطانيا، وتخصص في الملكية الفكرية، وعندما تخرج وعاد إلى أرض الوطن شرح مدى أهمية الملكية الفكرية وحرص الدول الأوروبية عليها، وشعرنا أننا بحاجة إلى إنشاء هذه الجمعية خاصة وأن الدولة بلد تجاري بحت، وكم نحن فخورون بأن تكون جمعية الإمارات للملكية الفكرية الأولى على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي وأن تتفوق على مثيلاتها فيها.

 

آراء أعضاء المجلس

شعاع عبدالله الدرويش - مساعد مدير الحسابات الرئيسية في هيئة كهرباء ومياه دبي والحاصلة على شهادة الماجستير في مجال إدارة الأعمال تقول : عندما سمعت عن فكرة إنشاء الجمعية لم أتردد ولو للحظة في ترشيح نفسي، كما حظيت بدعم كبير من عائلتي وزوجي للمشاركة في عملية المحافظة على حقوق المبدعين لغايات التطور والإبداع من خلال وضع القوانين والاستراتيجيات التي تقدم الرعاية المثلى للأشخاص والهيئات العاملة في مجال الملكية الفكرية. أما عبدالله حسن الخياط ؟مدير إدارة خدمة المتعاملين في شرطة دبي- فأشار إلى أن ثقافته القانونية سوف تساعده على تحمل المسؤولية الجديدة، وقال: الملكية الفكرية من الأمور التي أهتم بها كوني شاعراً وأحرص على توثيق قصائدي وأعي جيداً أن الحقوق الفكرية من أكثر الحقوق التي تنتهك لعدم وجود قوانين واضحة تحمي أصحابها، وأرى أن مشاركتي ضرورية في نشر هذا النوع من التوعية بين أفراد المجتمع خاصة وأن تهيئة البيئة المثالية للمبدعين وتبني الأفكار الموجودة عند الشباب، هدفان من أهداف الجمعية المستقبلية.

وأوضح فيصل أحمد الخميري - نقيب في شرطة دبي- أن طبيعة عمل الجمعية القريبة من طبيعة عمله شجعته على ترشيح نفسه، وقال: متحمس كثيراً للمشاركة صياغة القوانين، والمؤتمرات العالمية التي من شأنها تطوير خبرتي وعلاقاتي بالخبراء المتخصصين في مجال حقوق الملكية الفكرية وتشريعاتها. في حين أبدى جاسم أحمد - مدير الاتصال وتطوير الخدمات بهيئة كهرباء ومياه دبي- اهتمامه الكبير بالجانب التسويقي للجمعية، وقال: أود إبراز مهاراتي وقدراتي في مجال التسويق والدعاية الذي أمضيت فيه ‬13 سنة، خاصة وأنها مهمة مليئة بالتحديات لكون الجمعية الأولى من نوعها على مستوى الإمارات ودول الخليج.

 

حاجة ملحة إلى نشر مفهوم الملكية الفكرية

أصبحت دولة الإمارات بمعطياتها الكبيرة والمتعاظمة يوماً بعد يوم في حاجة ماسة إلى غرس مفهوم الملكية الفكرية الذي لا يتأتى إلا من خلال إنشاء جمعية تعنى بالملكية الفكرية وتهدف إلى رعاية مصالح العاملين في مجال الملكية الفكرية ورفع مستواهم الثقافي بشتى الوسائل لخدمة أهداف المجتمع، والإسهام في تقديم الرعاية المثلى والخبرات الفنية للأفراد والمؤسسات الذين يعملون في مجال الملكية الفكرية، والعناية والحث على إجراء البحوث والدراسات في هذا المجال بهدف تحديد حجم التحديات والمشكلات التي تعوق سبل تطويره وتحديثه، بالإضافة إلى تبني المبادرات التي ترسم ويتم التخطيط لها جيداً من أجل التغلب على القرصنة واقتراح الوسائل والحلول المناسبة لذوي الاختصاص، وليس هذا فقط، حيث يعد تبادل المعلومات والخبرات مع الجمعيات المشابهة سواء العربية أو الدولية، وإقامة المؤتمرات المحلية والتمثيل الأمثل في المؤتمرات الخارجية في مجال الملكية الفكرية، إحدى التوجهات الأساسية لجمعية الإمارات للملكية الفكرية من أجل نشر التوعية وإبراز أهمية الملكية الفكرية بين جميع فئات المجتمع بكل الطرق والوسائل المتاحة.