حينما وقع في يدي كتاب «مجنون ليلى» للشاعر البحريني قاسم حداد، قلت في نفسي «إنها السيرة الذاتية لذلك «المجنون» ينجح في كتابتها شاعر معاصر من المنطقة نفسها». وكنت قصدت بذلك البحرين التي لا تبعد اليوم كثيرا عن مراتع مجنون ليلى في شبه جزيرة العرب. أذكر أنني ابتهجت كثيرا أثناء المطالعة وبعدها رحت في تأملات عدة كان منها أن الشاعر الذي عرفناه مجنونا لم يكن كذلك، والشاعر الذي عرفناه شهق ومات لم يكن مصرعه بهذا الشكل، والشاعر الذي عرفناه ضعيفا ورعديدا أيضا لم يكن بهذه الصورة. فقاسم حداد لم يذهب في سيرة «المجنون» مذهب التفنيد لروايات المؤرخين التي وصلتنا عبر الحقب والقرون، إنما أراد أن يغير فقط «المطل» المشرف على هذا الشاعر ليكشف الغامض والملتبس في شخصيته والمحيط الاجتماعي الضاغط والبيئة التي ترعرع فيها وأسهمت في معاناته التي دفعته للتلطي بالجنون تخلصا منها والفوز بقرب «ليلى».

لقد كان ذلك بالأمس، منذ عدة سنوات خلت.. وما أسرع السنوات!

اليوم، بعد ذلك بفترة وجيزة، كنت وجها لوجه مع عمل فني حول الكتاب نفسه «مجنون ليلى» ضم الشعر والموسيقى والحركة في مسرح قاعة الفنون في البحرين.

هل هي الصدفة الجميلة، أم أن الأمور قد كتب لها أن تكون كذلك؟ وبصرف النظر، فلم يكن ليسعني قول أي شيء سوى ترديد: يا لها من صدفة جميلة ومبهجة. ربما ما كانت لتنجح حتى لو تم التخطيط لها في زمن من سماته سرعة «استهلاكنا» على غفلة.

ماذا شاهدت وسمعت في تلك القاعة المكتظة بالناس وأنا جالسٌ مثل عشرات بعضهم على الأرض لم يجدوا مكانا أو وضعا سوى ذلك؟ الشاعر قاسم حداد جالس في الجانب الأيمن من المسرح كما لو كان «عارف القبيلة» أيام زمان، وفي يده كتاب «مجنون ليلى» يقرأ منه ويتوقف، ليعطي وقتا متفقا عليه لمارسيل خليفة الجالس وسط صف من العازفين في عمق المسرح حانيا على عوده بصدره وكلتا يديه، محاولا ترجمة الصورة الملتقطة من صوت الشاعر، موسيقيا ثم يتوقف، ليعطي وقتا للفرقة الراقصة والصامتة طوال العرض، لكي تترجم البعد الحركي للصورة لتتضافر مع الكلمة والموسيقى مجسدة بذلك «مجنون ليلى» في اشتعالاته وعذاباته وأشواقه، وانتشاءاته حينما كان يحظى بـ «قندة الجسد» كما وردت.

إن ثلاثي الموسيقار مارسيل والشاعر قاسم والفرقة الراقصة التي تميزت بقدرة هائلة على التجسيد الصامت/المتكلم، أعطونا نحن الحضور الصورة الكاملة والدقيقة لواحد من أكبر الأحداث درامية في تاريخ العرب الاجتماعي والعاطفي. لقد نقلونا خلف قرون زمنية عدة لنرى ونسمع ونشعر ونتفاعل، أو أنهم نقلوا ذلك الحدث ليضعوه أمام قرون تالية حيث نحيا نحن ونعيش ليتحقق لنا ما لم يحققه الكتاب بمفرده أو الموسيقا بمفردها أو الفرقة لوحدها.

ليس هذا الحدث منعزلا عن البرنامج الثقافي والفني الذي تعيشه هذه الأيام مدينة المنامة عاصمة مملكة البحرين، إنما هنالك أنشطة ثقافية وفنية عدة؛ إن معلقات الصور على جنبات الشوارع الرئيسية في المدينة تخبر المرء أن ما يحدث ما هو إلا جزء من نشاط دوري شامل عنوانه «ربيع الثقافة» تشرف عليه دائرة الثقافة بوزارة الإعلام.

على العكس من ذلك، فإن عددا كبيرا من الناس في العالم يهتمون بما حصل على شواطئ تايلاند في تلك الفترة، ويحاولون في الوقت نفسه دراسته والتعرف عليه. فماذا حصل؟

في الوقت الذي كان أغلب الناس على الشاطئ بين سباحة ولهو وصيد للسمك، هجمت عليهم موجات «تسونامي» وابتلعتهم، وهدمت المنازل وخربت الطرق واقتلعت الأشجار.. في هذا الوقت بالذات، كان ‬181 سمّاكا آسيويا من سكان بلدة تايلاندية في منأى من الحدث، يتأملون الكارثة من أعالي الجبال التي استطاعوا الوصول إليها قبل ساعات فقط. والسبب أن كبار السن «الشياب» في تلك القرية طلبوا من السكان الهروب بأنفسهم إلى الأعالي لمعرفتهم بالكارثة بعد أن قرأوا إشارات الماء وأشكال الموج والرياح.

«الشياب» هؤلاء كانت لديهم معرفة بالمحيطات وتياراتها تناقلوها جيلا بعد جيل في تلك القبيلة التايلاندية. لقد تمت هنا الاستفادة القصوى من تلك المعرفة في ضمانة حياة أفراد قبيلة «مورغان»، بينما عشرات المئات من الآخرين على الساحل هلكوا، وعشرات القرى والمنتجعات تم جرفها.

الفرق الملاحظ هنا كبير؛ الحديث الأول فيه رفاه وله علاقة بحياة الناس الاجتماعية وهي لا شك مهمة، لكن المعلومة الثانية تبدو أهم لكونها تتعلق بمسألة الموت والحياة، وهي مسألة لها أولوية لدى المخلوقات جميعا. مقطع القول: إن العلم والمعرفة مهمان، ما تحدث عنه بيل غيتس علم، وما مارسته القبيلة لضمان حياة أفرادها هو معرفة وكذلك علم انه علم الفراسة؛ الأولى جاءت من الكتب والنظريات في عملية تطوير مستمرة، أما الثانية فجاءت من الفطرة ومن التعامل مع الطبيعة التي تشكل مصدرا أول للوعي والمعرفة. اللحظة المنتظرة في هذا السياق هي اللحظة التي يجلس فيها رجل عجوز من قبيلة «مورغان» التايلاندية إلى بيل غيتس لينقل الأخير معلوماته إلى المختبر العلمي وينشرها على الملأ.. متى تأتي تلك اللحظة؟ الله أعلم.