الكرم والاحترام والتعاون واستقبال الضيف قيم ما زالت حاضرة في المجتمع الإماراتي، ورغم التحولات التي طرأت على المجتمع إلا أن كبار السن ما زالوا يعملون على ترسيخ تلك القيم في نفوس أبنائهم، لما تمثله من تعبير واضح لأخلاق هذا المجتمع، ولكن يبدو أن قيم المجتمع الإماراتي الأصيلة بدأت تأخذ منحى آخر مع التطور التكنولوجي الذي داهم الجميع وتحديدا فئة الشباب، ليبعدهم ولو قليلا عنها، فلم يعد هناك اهتمام واضح من قبل الشباب، إلا من رحم ربي، بهذه القيم، ولم يعد التواصل المباشر ميزة في المجتمع الإماراتي كما كان في السابق، وحل مكانه التواصل التقني الذي خلقته أدوات التكنولوجيا المختلفة من هواتف وبلاك بيري وفيس بوك وتويتر وغيرها.
وفي ظل هذا التزاحم كان لا بد من العمل مجددا على إعادة بث الروح في الكثير من قيم المجتمع الإماراتي الأصيلة، التي تميزه عن غيره من المجتمعات لتعود إلى سابق عهدها، وكان لا بد من العمل على نشر الوعي بأهمية الثقافة الإماراتية وموروثاتها المختلفة حتى لا تندثر مع مرور الأيام، وتصبح مجرد أوراق في دفاتر الماضي. ولعل ذلك كان سببا مباشرا لحملة «نحن الكرم»، تقودها اربعة عدد من طالبات جامعة زايد بدبي وهن: هدى السويدي، ومريم بن تركية، وشوق احمد المري، وشيخة الشامسي، واللواتي اخترن هذه الحملة لتكون مشروعا لتخرجهن في كلية الإعلام والاتصال.
الحملة بدأت كفكرة صغيرة بين الفتيات الأربع اللاتي يحاولن جاهدات استخدام كافة الأساليب المتاحة للتعريف ببعض القيم الأصيلة للمجتمع الإماراتي، مثل حسن التعامل مع الآخرين، والإيثار، والتعاون، والكرم الذي حمل عنوان الحملة وطالما ميز هذا المجتمع.
تغير القيم
وكدليل على حدة التغيير الذي تشهده القيم الإماراتية، قامت الطالبات بإعداد استبيان صغير وزعنه على طالبات الجامعة بشكل مباشر، وكذلك الكترونياً ليصل إلى أكبر عدد ممكن من الشباب، وبعد تحليل الاستبيان كشف عن نتائج محزنة للغاية، أبرزها أن 70٪ من المستطلعين قالوا ان العلاقات الاجتماعية بين الجيران لم تعد كما كانت في السابق، في حين نفى 30٪ من المستطلعين ذلك.
«البيان» تواصلت مع الطالبات الأربع وتحدثت إليهن حول هذه الحملة، حيث قالت هدى السويدي: الفكرة التي كنا نطمح إلى ترويجها عبر هذه الحملة هي إعادة ضيافتنا وتقاليدنا كما كانت عليه سابقا، ونشر الوعي بأهمية ثقافتنا ومورثنا الإماراتي الذي تميز به أجدادنا، مثل إكرام الضيف، حسن التعامل مع الآخرين، الإيثار والتعاون، ولذلك أطلقنا عليها اسم «نحن الكرم»، وتضيف هدى: اختيارنا للقيم جاء بعد ملاحظتنا بأنها أصبحت غائبة عن فئة الشباب الإماراتي، في حين أن كبار السن ما زالوا يتمسكون بها ويحضون عليها للمحافظة على ترابط المجتمع، وتواصل العطاء فيه وتعميق الاحترام بين جميع أبناءه، وهو ما جعلنا نعتمد في تسويق مشروعنا على شعار «نحن الكرم».
مريم بن تركية: تضمنت حملتنا تحقيق هدفين أساسيين هما أن يكون لها اثر ايجابي على الجمهور المستهدف، وان تعمل على إحداث تغيير في سلوكيات الشباب عبر الاهتمام بالآداب الاجتماعية، والضيافة وغيرها من القيم التي تميز مجتمعنا الإماراتي، أما الهدف الثاني فهو زيادة الوعي بين فئة الشباب تجاه هذه القضية، ونشر الاقتراحات المناسبة لاسترجاع القيم الاجتماعية الأصلية مثل صلة الأرحام، والتعاون، ومساعدة الآخرين، وقالت إن ابرز أسباب اختيارنا لهذه الفكرة هو بعد الناس، وخاصة الجيل الجديد عن العادات والتقاليد الاجتماعية، وملاحظتنا للتغير الذي حدث في بنية العلاقات الاجتماعية في داخل المجتمع.
تأثير العولمة
وتبين شوق احمد المري في حديثها معنا أن هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى عدم تمسك الشباب بهذه القيم مقارنة مع السابق، حيث قالت: لعل أهم هذه الأسباب هو تأثير العولمة على المجتمعات، والتي أدت إلى تداخل الثقافات فيما بينها، وإذا نظرنا إلى المجتمع الإماراتي سنجد بأنه نتيجة الانفتاح أصبح يضم أنواعا مختلفة من الثقافات التي جاءت إليه، نتيجة لكثرة الوافدين عليه من شتى أصقاع الأرض، أما السبب الثاني فهو انتشار وسائل الإعلام وانجراف الشباب وراء الإعلام الغربي الذي اثر فيهم بشكل واضح، وأدى إلى ابتعادهم عن الإعلام العربي بشكل عام والذي ما زال يحافظ على أصالة هذه القيم، وقد وجدنا في دراستنا أن الشباب قد تأثروا كثيرا بالإعلام الغربي، خاصة وان نسبة تداخلهم مع الأجانب زادت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، وأصبحوا يكونون صداقات كثيرة مع الجنسيات الأجنبية على حساب صداقاتهم فيما بينهم.
قيم الاجداد
وفي المقابل، قالت شيخة الشامسي: لا يمكن لنا استثناء التكنولوجيا من هذا الموضوع، فقد لعب تطورها دورا مهما في إبعاد الشباب عن قيم الأجداد، ولكنها في المقابل أعطتنا الفرصة عبر استغلالها بصورة صحيحة لتوعية هذه الشريحة من المجتمع، ومكنتا من توصيل المعلومة إلى أكبر عدد ممكن من أبناء هذه الشريحة وبطريقة أسرع، ولا ننكر بأن التكنولوجيا سلاح ذو حدين، فمن خلالها يمكن التواصل مع مجموعة كبيرة من الشباب، إلا انها سببت بين الشباب حالة من الانزواء أو الانطواء على الذات، وأدت إلى ابتعادهم عن الأهل خاصة بعد انتشار البلاك بيري ماسنجر الذي خلق ساحة تواصل افتراضية بين الشباب.
وفي إطار الحملة قامت الطالبات الأربع بتوزيع استبيان على عينة عشوائية من الشباب، وحول هذا الاستبيان قالت هدى السويدي: الاستبيان كان جزءا من حملتنا، وهدفنا من خلاله قياس نسبة التغيير الذي حدثت في مفهوم القيم من وجهة نظر الشباب، وقد بينت نتائج الاستبيان بأن 40٪ قالوا ان الضيافة والعادات الاجتماعية الإماراتية قد تغيرت، في حين 60٪ أكدوا بأنها ما زالت موجودة وتحتاج إلى تعزيز أكبر في المجتمع، كما أجاب 70٪ من المشاركين في الاستبيان وهم من سكان المدينة بأن العلاقات الاجتماعية بين الجيران لم تعد كما كانت سابقا، في حين أكد 30٪ منهم بأنهم يعرفون جيرانهم وتجمعهم علاقات قوية، أما في السؤال الأخير والذي كان يدور حول أهم القيم والعادات في المجتمع الإماراتي التي تبرز الطيبة والكرم والخلق الإماراتي، أجاب معظم المشاركين أن الضيافة والكرم تكون بتقديم القهوة وإكرام الضيف.
كسر الحواجز
وحول إمكانية إعادة الشباب إلى هذه القيم قالت مريم بن تركية: بالتأكيد هناك طرق عدة لإعادة الشباب إلى منظومة القيم المجتمعية، أبرزها إشعارهم بأنه لا يوجد حواجز بينهم، ويكون ذلك من خلال كسر كافة الحواجز التي ساهمت التكنولوجيا ووسائل الإعلام والتغريب بوضعها بينهم، وتفعيل التواصل المباشر فيما بينهم، ولتفعيل ذلك قمنا بعقد الندوة التي كنا نهدف من خلالها إلى توضيح المشكلة ومدى حجمها، وقد لقيت الندوة إقبالا كبيرا من طالبات الجامعة اللواتي طالبن بضرورة تكرار مثل هذه الندوات، وتفعيلها بين فئة الشباب لتعليمهم أصول العادات والتقاليد المجتمعية. أما عن الصعوبات التي واجهت الحملة فقالت عنها شيخة الشامسي: لا شك أن الشباب هم الأكثر تأثرا أو بعدا عن القيم بسبب التطور السريع الذي تشهده الدولة، ولذلك كان من الصعب علينا أن نقول لهم انه يوجد لديكم خلل في هذا الجانب، وهذا الأمر دعانا إلى البحث عن طريقة مناسبة لنقول من خلالها للشباب إنكم تعانون من خلل معين في هذا الجانب، وقد تمكنا من التغلب على ذلك من خلال توضيح رغبتنا في التغيير، وعملنا على توصيل الرسالة بطريقة غير مباشرة من خلال الندوة والكتيبات، أما الصعوبات الأخرى فقد تمثلت في قلة المصادر المتخصصة في هذا الجانب خاصة الكتب، والتي تغلبنا عليها عبر إجراء مقابلات عدة مع شخصيات ملمة بالتراث الإماراتي. وعن سبل تطوير الحملة واستمرارها في المستقبل أفادت شوق المري بقولها: نطمح إلى استمرارية الحملة إلى ما بعد تخرجنا، وبالنسبة لمجموعات الفيس بوك والتويتر والبلاك بيري ماسنجر سيستمر العمل فيها وتفعيلها بأكبر قدر ممكن، ونطمح بأن يقوم احد الأندية الموجودة في الجامعة بتبني الحملة لضمان استمرارها لأطول وقت ممكن.
أساليب ترويجية لحملة ناجحة
الترويج للحملات يأخذ عادة أكثر من أسلوب، وفي حملة «نحن الكرم» اتبعت الطالبات منهجا للوصول إلى اكبر قدر ممكن من الشباب، حيث قمن بعقد ندوة في الجامعة استضفن فيها سلطان بن غافان، وهو باحث في تراث الإمارات وشاعر في الشالات البحرية، وعبيد بن صندل رئيس قسم الثقافة والفنون بوزارة الشباب والرياضة وباحث في تراث الإمارات، حيث تحدثا عن أصالة القيم الإماراتية، كما قامت الطالبات بتوزيع مجموعة من البوسترات والبروشورات التي تضم نبذة عن القيم الإماراتية وكيف كانت في الماضي، وكيف أصبحت في الحاضر، والتغيير الذي حدث بين الشباب فيما يخص هذه القيم، كما قمن أيضا بإنشاء مجموعة خاصة بالحملة على مواقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك وتويتر، حملت اقوالا للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد، وصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وقد ضمت مجموعة الفيس بوك نحو 260 عضوا حتى الآن، أما التويتر فقد وصل عدد أعضاء المجموعة إلى أكثر من 80 عضوا.
