منذ ما يقرب من أسبوعين توفي شابان في حادث دراجتين ناريتين قرب الفجر بشارع أم سقيم، مما يفتح باب التساؤلات حول هذه الظاهرة التي أصبحت تهدد فئة من شباب الوطن، فئة تمر بمرحلة عمرية دقيقة هي مرحلة العنفوان، وبكل تأكيد يحتاج المجتمع إلى هذه الفئة في تنفيذ مخططات التنمية، كما يحتاج إلى جهودهم في خدمة المجتمع، والتساؤلات التي تفرض نفسها في هذا الواقع تبدأ بسؤال التوعية الذاتية، فهل حصل كل قائد دراجة نارية على النصيب الوافر من التوعية بخطورة هذه الوسيلة؟ وهل تم تأهيله فعلياً لقيادة هذا النوع من وسائل النقل التي تحمل صفة الخطورة؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار السائق مسؤولاً عن هذا النوع من الحوادث؟ وما هي الإجراءات التي اتخذتها هيئة الطرق والمواصلات في دبي للحد من انتشار ظاهرة وفيات الدراجات النارية مؤخراً؟ وهل يمكن أن يمتد الخطر إلى ركاب المركبات الأخرى على الطريق في حالة حدوث خطأ من سائق الدراجة النارية؟ أم أنه يتحمل وحده نتيجة خطئه؟ وهل يمر سائق الدراجة بفحص السائقين كما هو الحال مع سائق المركبة وغيرها من وسائل النقل؟ كل هذه التساؤلات نبحث لها عن إجابات في السطور التالية.
في البداية يرى عدنان سعيد مدير إدارة الطب الوقائي للفترة المسائية بالشارقة، أن حوادث الدراجات النارية لم تصل بعد إلى حد أن تكون ظاهرة مقلقة، ولكن علينا أن نتخذ الإجراءات المناسبة قبل أن تتحول إلى كابوس لا نستطيع إيقافه ولا تحجيمه، ويضيف أن مشكلة الدراجات النارية هي أن سائقيها من ذوي الأعمار المتوسطة أو صغار السن، وهذه الفئة لها سمات شخصية تختلف عن سمات شخصيات الأشخاص مكتملي النضج، ففي طبع هذه الفئة استعجال الأمور والملل بسرعة والرغبة في تحدي الآخرين، وغير ذلك من الطباع التي يمكن أن تؤثر سلباً على قائد الدراجة النارية وتدفعه دفعاً في طريق الإسراع، أو الإهمال أو غير ذلك من الأخطاء والتصرفات السلبية. ويشير سعيد إلى أن التوعية بخطورة إساءة استخدام الدراجة النارية، تقع في البداية على أولياء الأمور بحكم أنهم مسؤولون مسؤولية تامة ومباشرة عن تصرفات الأبناء، خاصة في المرحلة العمرية المبكرة التي لا يستطيع خلالها الشاب أن يقتني دراجة نارية إلا بمساعدة والده الذي يقوم بسداد ثمنها.
نتائج خطيرة
وقال عبد الفتاح تاج الدين مدير الخدمات المصرفية للشركات في أحد البنوك، إنه يرى التجمعات الشبابية من قائدي الدراجات النارية ذات الإمكانات الضخمة كل فترة على شوارع دبي، ويشعر بخطورة النتائج التي قد تترتب على سوء استخدام هذه الدراجات ذات السرعات العالية والمخصصة أصلاً للسباقات الدولية، ويضيف أن مرحلة الشباب تدفع هذه الفئة إلى الانطلاق وتبث فيهم فكرة المنافسة لإظهار الإمكانات المرتفعة التي يتمتع بها السائق، وهنا مكمن الخطر، لأن هذه الدراجات قد تصل معدلات السرعة التي تتحملها قدرات المحرك إلى معدل يفوق سرعة السيارة العادية، ومن المعروف أن هذه الأنواع ذات الإمكانات الضخمة خصصت للسباقات التي تقام في مضمار مخصص لها، وأي استخدام للدراجة في غير الغرض المخصصة له يعرض سائقها للخطر.
ويؤكد تاج الدين على أن هذه الدراجات الضخمة تصدر ضجيجاً مرتفعاً خلال استخدامها في الطرقات الداخلية، وتستخدم هذا الضجيج الصادر من المحرك في تنبيه السيارات القريبة عوضاً عن استخدام آلات التنبيه، ومن المفترض أن تتم مراقبة أجهزة صرف العادم فيها للتأكد من مطابقتها لشروط البيئة وعدم صدور أية ملوثات منها، علاوة على ذلك يؤكد تاج الدين على دور دوريات الشرطة في مراقبة تصرفات سائقي هذه الدراجات، ومنعهم من استخدام صوت المحرك لأنه يربك السائقين على الطريق، كما يزرع الفزع والرعب لحدوثه من مكان قريب وبمستوى مرتفع. ويشير عبد الفتاح إلى دور هيئات المجتمع في توعية مستخدمي هذه الدراجات النارية من مخاطر سوء الاستخدام، والاتعاظ من الحوادث التي تقع كل فترة، واستخدام هذه الحوادث كرادع لهؤلاء عن تجاوز السرعات المقررة، أو ارتكاب أخطاء بسوء نية أو التهور في التجاوز، لأن الحصيلة النهائية لكل هذه الأخطاء هي وقوع المزيد من الضحايا الأبرياء، سواء من سائقي الدراجات أو من مستخدمي الطريق الآخرين.
النقاط السوداء
وقال منصور التميمي، مساعد باحث في هيئة البيئة، إن الدراجة النارية إحدى طرق النقل التي تساعد على الهروب من الزحام وعلى اختصار الوقت، ولكن يسيء البعض استخدامها ويتورط في العديد من الحوادث التي قد تؤدي إلى إصابات جسيمة أو إعاقات في بعض الأحيان، والحل الأمثل من وجهة نظره هو ضرورة وضع عدد من النقاط السوداء لسائقي الدراجات النارية، يقل عن معدل النقاط السوداء لسائقي السيارات بمقدار النصف، وفي حال وصول السائق إلى الحد الأقصى من النقاط السوداء يحرم نهائياً من قيادة الدراجات النارية إلى الأبد وبهذا الإجراء يمكن حماية شباب الوطن من التورط في حوادث، ونمنع سوء استخدام الدراجة، كما يمكن بذلك حماية سائق الدراجة الذي يحسن استخدام دراجته ولا يقوم بأي من المخالفات أو الأعمال المتهورة. ويضيف التميمي أن مراقبة وتقييم أسلوب القيادة لفئة راكبي الدراجات النارية ضروري للتأكد من عدم صدور أية أخطاء فنية أو أخلاقية منهم، ومن المعروف أن الخطر المروري الذي يتعرض له سائق الدراجة النارية أكبر بكثير من سائق السيارة لأنه في مواجهة الاحتكاك المباشر مع العناصر الخارجية الخطرة بينما توفر السيارة بعض الحماية لركابها، ولعل ذلك السبب هو تفسير واضح لارتفاع أجر سائق الدراجة النارية في محلات توصيل الطلبات عن أجر زميله سائق السيارة، لأنه يتحمل المزيد من المخاطر، ومن هذا المنطلق لابد لهذا السائق أن يؤهل تأهيلاً إضافياً يحميه من المشكلات المرورية الخطرة.
اختبارات دقيقة
ومن وجهة نظره قال مهندس الكمبيوتر أحمد القرابللي، إن قيادة الدراجة النارية تنضوي على مسؤولية جسيمة تجاه النفس وتجاه السائقين الآخرين، مما يستدعي خضوع سائقيها لاختبارات فحص دقيقة قبل السماح لهم بقيادة هذه الدراجات، ويضيف أن هناك اختبار اللياقة النفسية لطالبي الحصول على رخصة القيادة سواء للدراجات النارية أو للسيارات، وهذا الاختبار معمول به في بعض البلاد الأوروبية، ويتناول فحص بعض الأمور النفسية والعصبية لدى السائق، مثل ردود فعله تجاه الاستفزاز، ودرجة الثبات العاطفي خلال القيادة، والمدة الزمنية التي يمكن أن يبقى منتبهاً خلالها، وتأثيرات العوامل الفسيولوجية عليه كسائق مثل النعاس أو الإرهاق أو الأمور التي تشكل تشويشاً على تركيزه خلال القيادة. ويشير المهندس القرابللي إلى أن أكثر الفئات التي تخضع للمزيد من الفحص هم فئة سائقي الشاحنات وسائقي الدراجات النارية، وهذه الإجراءات تعتبر اعترافا بخطورة الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها سائق أحد هذين النوعين من المركبات، ويصل حد العقاب في قانون المرور إلى سحب رخصة القيادة إلى الأبد، حال الضبط في وضعية القيادة تحت تأثير الخمور أو المخدرات، والحمد لله أن هذه المؤثرات ليست موجودة في الإمارات، وبالتالي فمهمة أجهزة الرقابة ستكون أخف وتزداد مسؤولية سائق الدراجة النارية تجاه مستخدمي الطريق الآخرين حفاظاً على الأرواح وضماناً للسلامة العامة.
وقال حسن عبدالله شهاب الدين المدير المالي والإداري لإحدى شركات الوساطة العقارية في الشارقة، إن كورنيش بحيرة خالد شهد منذ فترة تجمعات كبيرة لسائقي الدراجات النارية، وكانوا يلتقون عند المقهى الشعبي وينطلقون على شارع الكورنيش مستخدمين أصوات المحركات القوية، ويقوم بعضهم بأداء استعراضات بهلوانية، ولكن اختفت هذه الظاهرة منذ أشهر مضت بعد قيام دوريات الشرطة بالتصدي لهؤلاء، ومنعهم من التمادي في هذه التصرفات الخطيرة حرصاً على حياتهم، وهذا يؤكد على دور الأجهزة الرقابية مثل الدوريات في حماية الشباب من مخاطر هذه الألعاب الخطرة، التي ربما تتسبب في عجز تام أو جزئي أو وفاة لشاب لا يزال في مقتبل العمر.
واجب
المسؤولية مشتركة بين البيت والمدرسة
قال عاطف سالم موجه الرعاية الاجتماعية بمنطقة الفجيرة التعليمية، إن مسؤولية الحد من الحوادث التي يتورط فيها الشباب في سن مبكرة، تعتبر مسؤولية مشتركة بين المؤسسة التعليمية والأسرة، وتقع المسؤولية الأكبر على كاهل الأسرة حيث يتوجب على رب الأسرة تحذير الابن من مخاطر سوء استخدام هذه الدراجات، ونوعية المخاطر التي يمكن أن يتسبب بها خلال اللهو غير المنظم، ويضيف أن الأب يجب عليه أن يحدد مدى استعداد الابن لتحمل مسؤولية من هذا النوع، لأن مرحلة الشباب تتفاعل خلالها مشاعر التنافس بين الشباب وتظهر دوافع حب التميز بين الأقران وتكون قيادة السيارة أو الدراجة النارية مجالاً واسعاً للتنافس وإبراز القدرات، علاوة على أن هذه المرحلة تتضمن سيادة بعض المفاهيم الخاطئة عن الإمكانات والمواهب الشخصية لكل شاب، وتغيب الطرق الأمثل لقياس هذه المواهب، ومن ثم يبدأ كل طرف في التدريب على تصرفات معينة يمكنه من خلالها إطلاق العنان لموهبته، خاصة إذا تواكب ذلك مع تشجيع بعض الشباب لأحدهم، أو وجود منافسة بين فريقين ولكل فريق مشجعوه. ويضيف أن المدرسة تتحمل كذلك مسؤولية توجيه الطلاب إلى سوء مغبة التنافس في استخدام الدراجات النارية ونتائج ذلك، بما فيها النتائج الوخيمة مثل حدوث الوفيات.
خطوات
تأهيل سائق الدراجة معنوياً
قال عدنان سعيد مدير إدارة الطب الوقائي بالشارقة، إن مراقبة الآباء لأبنائهم هي خطوة لابد أن تترافق مع خطوة أخرى أكثر أهمية، وهي توعية الشاب بخطورة استخدام الدراجة على الطريق، لأن سائق الدراجة النارية حينما يرتكب فعلاً متهوراً لا يكون هو الوحيد المتأثر بهذا الفعل، ولكن يشترك أيضاً السائقون الآخرون الذين تقودهم الصدفة، أو فلنقل يقودهم حظهم العاثر إلى التواجد في نفس التوقيت ونفس المكان، فيشتركون في تحمل ثمن الخطأ الذي اقترفه سائق الدراجة النارية وربما تكتب له النجاة ولهم الإصابة، ولكن المهم أن الضحايا متعددون وليس الضحية هو فقط سائق الدراجة النارية. ويضيف عدنان سعيد أنه من الضروري تأهيل سائق هذا النوع من وسائل النقل الخفيف من الناحية المعنوية، بحيث يمكنه تقدير خطورة الخطأ ونتائجه ويؤكد أن الكثيرين من سائقي هذه الدراجات لا يكترثون لخطورة التجاوز الخاطئ ولا لعواقب السرعة المفرطة، ويتباهى بعضهم بإمكاناته العالية في أداء حركات أكروباتية خطيرة، وهذا الأمر يدل على احتياج هذه الفئة إلى النصح والإرشاد والتوجيه من مصادر ذات مصداقية عالية يثقون فيها، ويتخذون من أفكارهم النصيحة المخلصة التي لا تحتمل الشك.
