كان كهلاً وحيداً يدّعي الجديّة بمظهرٍ صلب الاختراق، يمارس صمت وخشوع الزاهدين على عتبات بابه الخشبي المحكم الإغلاق إلاّ لبائع الحليب أو الصحف صباحاً، يحاول كثيراً أن يتفادى النظر في المرآة فتسعى الأخيرة جاهدة لطمأنته بأن لا يرتاب فالطرقات التي حفرها الزمن على جبينه ليست سوى خدوش على جسدها المصقول.
جدران منزله ما زالت تعاني من آلام الرطوبة التي يعالجها أحياناً بإشعال الحطب في أحشاء مدفأته. أمّا مروحته المعلّقة من عنقها فلم تحاول الانتحار بعد فما زالت تدور ببطء لتوحي بوجود حياة.
في ذلك اليوم ودون ميقات معلوم طرق أحدهم باب منزله الذي لا يطيق رؤية الغرباء. توجّه نحوه بخطوات مثقلة، زادت من وزنها ثيابه الشتوية التي رمت بكاهلها على جسدٍ طالما أدمن التظاهر بالتعب. وفجأة ودون إدراك انتفض وتوارى خلف الباب قليلاً.
لمحها.
كانت ذات أشرعة مترامية الأطراف، بعضٌ من مسك وكثيرٌ من صندل اختلط لونه مع شفق المغيب، ومن ذلك النوع الذي لا يُنسَى! تُمطر زخّاتها عِطراً مُركّزاً يمكث أريجه لسنوات طِوال. أتت يومها والبشائر تتقدّمها لاستئجار منزل جديد.
بادرته قائلة: صباح الخير يا سيدي حقّاً أنا آسفة، فقد قرأت رقم المنزل (999) من ورقتي بالخطأ بدلاً من (666).
لاحظت استياءه من عقد حاجبيه حتى بدت كجسر يربط بين مدينتين، حاولت تدارك الموقف مازحة: هل لاحظت بأنه يرمز إلى طلب النجدة؟
لم يعجبه ذلك وأجابها ببروده المعتاد: إذاً تأكّدي أولاً حتى لا تقتحمي خصوصية الآخرين وأبدى رغبته في إنهاء الحوار سريعاً: عفواً فأنا مشغول وليس لديّ وقت.
وقفت مذهولة متعجبّة من مقابلته باهتة اللون وغطرسته الزائدة ولكنّها فضّلت تناسي الأمر ومضت في طريقها للبحث عن المنزل المنشود.
لم يكن يعلم بأنّ انتفاضته تلك قد تذوّقت طعم الحريّة وبأنّ شيئاً ما بات على مشارف الحدوث. تحركّت كوامنه الخامدة لإعادة النظر إلى ما حجبته عنه شواغله الممتدة عبر خارطة الزمن، إذ يبدو أنّ هناك أحداثاً تفرض على صاحبها التأمّل أو ربّما لشيء صادف هوىً في نفسه.
السير كان إحدى وسائله ساعتئذ للخروج من تلك الحالة. كان يترك الطريق لقدميه فتمشى لساعات طوال حتى يسري الليل في جسده أو يعود ليتصفّح كتاباً لأحد الأدباء. يومها كانت يداه مسيّرة لاختيار (فدريكو جارسيا لوركا) وعيناه قد صوّبت سهامها مسبقاً لاقتناص أبيات من قصيدته (الغرام الغير مرتقب).لا أحدَ أحاطَ بسرِ عطرِ
الماجنوليا السوداءِ في رحمِك/ لا أحد علمَ أنكِ عذبتي طيرَ الغرامِ الطنانِ بين أسنانِك/
ألفُ مهرٍ فارسي أسلمَ للنوم في ساحةِ جبينكِ المضاءةِ بنورِ القمر/ عندما كنتُ عبرَ أربعِ ليالٍ أعانقُ خصرَكِ.. عدوَ الثلج.
أظهر الوقت تعاطفه معه بمشاركته الانتظار وإسماعه دقّات الساعة. مرّت الليالي كئيبة تشكو حالها لحالها إلى أن سمع ذات يوم طرقاً خفيفاً، فأسرع والشوق يسبقه لأمر يجهله، وعلى غير طريقته التي ملّت حياته الرتيبة وطفح بها الكيل من محاولة تغييره.
لم يكن الطارق سوى بائع الحليب الذي اعتذر عن التأخير.
وبتنهدات رشحت يأسه، رجع يجرّ أذيال الألم من قسوته عليها يومئذ، أناب إلى ركوده وجيوش الهزيمة تتمددّ واحدة تلو الأخرى على أريكته العتيقة. وما أن استلقى وبدأت تضاريس جسده تأخذ وضعيتها الروتينية حتى سمع طرقاً آخر. رجع متمتماً في غضب: لابدّ وأن هذا بائع الحليب ثقيل الوزن والدمّ قد نسى شيئاً.
ولكنّها كانت مكرمة السماء. قالت له في حياء أنثوي: مرحباً عُدت لكي أعتذر منك فلم أقصد حقيقة يومها أن أزعجك.
أجابها متلعثماً وقد بدأ الفرح يشقّ طرقاته في المدينة: لا.. لا عليك فهذا يحدث، وأنا من يجب أن يعتذر عن فظاظتي. كلمات حبيسة أفرج عنها مؤقّتاً مع تطويق حريّتها برغبته في الصراع من أجل بقائها.
تلبّس الذهول بصرها وبصيرتها من ردّة فعله هذه المرّة ولكنّها آثرت إخفاء ذلك بقولها مباشرة: يكفيني أنّك بخير ولست بغاضب منّي.
صادف أثناء ذلك أن سمعوا صوت صافرة لسيّارة الشرطة وكأنّها تنبّه لأمر ما! فنظرت بغتة إلى رقم منزله، شاركها نفس النظرة وأتبعها بابتسامة كم عانت قبلاً حتى ترسم معالمها على وجهه ثم قال: نعم هو كطلب النجدة ولكنّي طلبت من الله شيئاً آخر...
حقّاً!
أكمل حديثه بتحفّظ: نعم سيّدتي، فلم أر مخلوقاً في دنياي يغتال الأكثر من وقتِي سوى شخص واحد.
صمتت برهة ثم ابتسمت.. فشفاه الفردوس تأبى الضجر وقالت متظاهرة بعدم استيعابها لما ذكر: حسناً! لكن اسمح لي أن أشيد بابتسامتك أولاً، هل رأيت؟! فلا خطر على شفتيك أن تتثّلما والوجه أن يتحطّم.
صدقت... لكنّك لم تسأليني من هي التي علّمتني كيف أحيا؟
لم أرغب في اقتحام خصوصيتك مرّة أخرى!
سلي ما شئت ولكن قبل ذلك هلاّ قلت لي ما هو اسمك؟
عذراً لقد نسيت أن أعرفّك بنفسي.. أنا (أمل).
توقّعت ذلك.. فهلاّ كنت أملاً.
ابتسمت.. ثم قالت: ما أضيـق العيـش لـولا فسحـة الأمـل!
والآن بتّ أعرف لما يشرب بعض الرجال الناضجين القهوة مُرّة فحديثهم الحلو يُغني عن السكر.. فضحك حتى بدت نواجذه.
كانت تتلبّسه بعض المخاوف من هيمنة السعادة المفاجئة والأفكار، لم يوقف زلزالها سوى اتحاد أشواقه وآماله مرّة أخرى لإبعاد الوساوس عنه.
لذا فضّل أن يضع تلك الأفكار الكبيسة على مقعده الخالي متمنيّاً فقط أن لا يكون حظّه كدقيق فوق شوك نثروه ثم قالوا لحفاة يوم ريحٍ اجمعوه..
بعدها بأشهر قليلة حلّ الخريف، كان يتابع عبر النافذة مشهد سقوط أول ورقة توت متابعة لصيقة ويحركها حركة بطيئة على شاشته الطيفية المؤقتة في محاولة يائسة لإنعاش قلبها والإبقاء على حياتها، لكنّها لم تُمهله كثيراً فقد خارت قواها وهوت أرضاً وفارق معها الحياة.