عرفت دول الخليج العربية وخاصة الإمارات بصناعة سفن الصيد والتجارة، وكانت في الفترة السابقة مزدهرة في هذه الصناعة، وتشكل مورداً جيداً لأصحابها، والتي تتنوع بأشكالها الكبيرة والصغيرة، وكانت تجول بحار الخليج واليمن وآسيا وإفريقيا، قبل أن تدخل المجال البحري الأساطيل والبواخر العملاقة، التجارية والسياحية، لكن السفن الخشبية أصبحت نادرة جدا، وقليلة التصنيع، بل يمكن القول إن صناعتها لم يعد لها وجود، فالعمالة الماهرة التي كانت تقوم بصناعة هذه السفن، مثل إبراهيم خميس باهارون في إمارة رأس الخيمة، أو يوسف العنزي والختال في دبي، أصبحوا غير قادرين على ممارسة هذه المهنة، فإبراهيم باهارون تركها، بعد أن نال منه الشيب وكبر السن، وكذلك الختال والأخيرين التجآ إلى أعمال التجارة، ومن خلال جولة صحفية شملت أم القيوين ورأس الخيمة والشارقة، بحثا عن هذه الصناعة وصناعها المهرة، لم نجد الورش التي تعنى بهذه الصناعة، التي تعد من تراث أبناء الخليج، لكن مواقع قليلة شاهدنا فيها إجراء عمليات ترميم وصيانة، ويقول البعض إن المشكلة الأساسية تنحصر في عدم وجود مناطق مخصصة لمزاولتها، ويفضل العاملون فيها أو من تبقى منهم أن تكون هذه المناطق قريبة من البحر، وذلك للمحافظة على طراوة الخشب وحمايته من التلف ولسهولة نقل السفينة داخل البحر، والإمارات وعلى مر عصور تميزت بهذه الصناعة، وكان لها روادها من الجلافين والنجارين والعاملين، ومثل الحرف الأخرى أصبحت هذه الصناعة من الماضي، وبقايا آثارها في المتاحف البحرية، والذي أنشئ أحدها في منطقة الخان بالشارقة (المتحف البحري) الذي يحتضن بين جنباته كل ما يتعلق بالبحر في الإمارات، حيث خصص للتعريف بأدوات وأسماء السفن بحسب ترتيبها، وآخر في جمعية ابن ماجد برأس الخيمة، وهذا ما تبقى فقط من هذه الصناعة، وبعض من التقينا بهم كانوا من العمال الآسيويين، الذين مارسوا هذه المهنة في بلدهم، أو من حظي بالعمل مع احد أبناء الخليج.
بداية البحث
ناصر حسن آل علي مواطن خبير بالسفن في إمارة رأس الخيمة قال: كانت للإمارات ودول الخليج الأخرى طريقتان لصناعة السفن، حيث تعتمد الطريقة الأولى على وضع الألواح جنباً إلى جنب، وتثقب على مسافات بمثقاب يدوي دقيق، ثم تستخدم هذه الثقوب لشد الألواح بواسطة الحبال، المصنوعة من ألياف (جوز الهند)، ثم يجري تغليف هذه الثقوب باستخدام مزيج من الليف، أو القطن الخام المشرب بزيت السمك أو زيت جوز الهند، ويقال إن المراكب المخرزة بالليف ذات القيعان المفرطحة أكثر مرونة وأمناً إذا أصابت قاعاً قريباً، أو اصطدمت بالصخور البحرية، وتعتمد الطريقة الثانية ( طريقة المسامير)، وهي طريقة تقليدية متشابهة في جوهرها مع مناطق الخليج العربي، وكذلك مناطق البحر الأحمر، ومعظم السفن تعمل في الغوص والصيد والتجارة، وكانت هذه السفن مصدر الرزق تجوب المناطق المجاورة، وتعود وهي محملة بالأرزاق، ومن الجلافين الذين عرفتهم إمارة رأس الخيمة، سالم بن خميس ياهارون وسرور الوالي وعيسى بن سيف ومحمد بن راشد وحسن آل علي، ومن الموجودين الحاليين محمد بابو حاجي، وإبراهيم خميس باهارون في أم القيوين، ولكنه ترك هذه الحرفة، بعد دخول الأساطيل وانعدام الخشب الذي كانت تصنع منه هذه السفن، وكما قلت فإن هذه الأسماء وغيرها لم تعد تعمل في هذا المجال لأسباب كثيرة منها اختفاء الأخشاب التي كانت تصنع منها السفن الشراعية، وتغير نمط المعيشة في حياة المجتمع الإماراتي، ولكن وحيا في الحفاظ على هذا التراث العريق، نحتفظ نحن في جمعية ابن ماجد للفنون الشعبية والتراثية، بسجل حافل بكل ما يتعلق بصناعة السفن ومسمياتها.
قال عبد الناصر وهو مواطن يعمل في مجال صناعة السفن ان الأدوات المستخدمة فجميعها بدائية وبسيطة، حيث كان الجلاف في الماضي يستعمل المنشار والمنقر و(بلد) وهو عبارة عن قطعة رصاص، مربوط في آخرها حبل متوسط الطول، مقسم بإشارات متعارف عليها وبواسطتها يقاس عمق البحر، فتبعد السفينة عن المناطق الضحلة، وهناك أدوات أخرى يقال لها ديرة، وهي البوصلة التي تستخدم لمعرفة الاتجاهات، ومثقاب الخيط والقوس والأزميل، والسحج وحديدة القلفطة، كذلك تزود السفينة بشراع أو أكثر وبعدد من المجاديف، والأشرعة المعروفة التي تستخدم بكثرة هي (الدومي والمثلث والبغالي)، فالأول يستخدم للسير عكس الهواء، والثاني يستخدم في القبلة، والدومنية يعطي للقارب سرعة في الهواء، في حالة الريح (السايبة) ومسميات الجلافة والجلاف والتي يجهلها الكثير، خاصة من شباب الجيل الحالي، فالجلافة هي مهنة صناعة السفن، الجلاف هو صانع السفن (القوارب).
أسماء السفن
المواطن إبراهيم فرج حدثنا عن تجربته البسيطة سابقا فقال: صناعة السفن ازدهرت في الزمن البعيد، وكانت واحدة من مصادر الرزق للمواطن البسيط، إلى جانب المهن الحرفية الأخرى، أما اليوم فالمهنة في اعتقادي أنها بدأت تنقرض، والعاملون فيها اليوم من جنسيات آسيوية، ولا يوجد من (شوابنا) من يعمل في هذا المجال، وهناك قلة ربما يعملون كمشرفين فقط، لكن أتذكر من ذكريات الماضي سفينة (الصمعا) الذي يتراوح طولها مابين 25 إلى 80 قدماً، وعرضها مابين 9 إلى 20 قدماً، وارتفاعها من 3 إلى 10 أقدام، وهذا النوع من السفن، كان يستخدم في الغوص والبحث عن اللؤلؤ، وتعتبر من السفن المحلية وتشبه قارب (السنبوك)، وتختلف عنه في المقدمة (ميل صدر) فقط، و(الشوعي) سفينة كانت تستخدم في الغوص والسفر وصيد الأسماك، وهذا النوع من السفن لا يختلف كثيراً عن السنبوك، أما (الجالبوت) فيتراوح طوله ما بين 15 إلى 60 قدماً، وارتفاعه من 4 إلى 7 أقدام، وأيضا يستخدم لأغراض الغوص والتجارة ونقل الركاب، وهو من القوارب المصنعة محلياً، كما تشتهر بها البحرين وجمعها (جواليب)، و(الشاحوف) من 16 إلى 40 قدماً في الطول، ومن 6 إلى 12 في العرض، وفي الارتفاع من 3 إلى 5 أقدام، أما (البغلة) فهي أكثر أنواع سفن النقل المستخدمة في دول الخليج العربية، واستخدمت في الغوص على اللؤلؤ، وحمولتها تتراوح مابين 150 و500 طن، ويبلغ طولها حوالي 135 قدماً، وكانت الكبيرة منها ذات قاعدة نحاسية، ولها ثلاث صواري، ومؤخرتها عريضة تتميز بالسطح العالي وبالممرات العالية، وتزين مؤخرتها بالنقوش والزخرفة، أما مقدمتها فهي منحنية تعلوها كرة خشبية تميزها عن غيرها من السفن الأخرى، وتوجد واحدة منها أمام المتحف البحري، وقد صنعت هنا في إمارة الشارقة، ومركب (الغنجة) وتبلغ حمولتها بين مئة وخمسين، وثلاثمائة وخمسين طناً، ويستغرق بناؤها بين 9 و10 أشهر، ومركب (السنبوق)، لا يستخدم في صناعته المسامير، وهو أهم المراكب المشهورة في الإمارات وسلطنة عمان، حيث تميزت السلطنة بصناعة السفن منذ القدم، وربما كانت من أوائل الدول التي استعملت السفن الشراعية، في نقل الجنود والعتاد والمواد الغذائية.
بعيداً عن الوراثة
حسن السقطري من المهتمين بشؤون التراث وصناعة السفن التراثية يقول: الأجداد والآباء كانوا قديماً رواد هذه المهنة، ومن كان يجيدها فضل أن يورثها لأحد من أبنائه، غير أن الحياة تغيرت بسبب النهضة التي تشهدها الدولة، ودخول السفن الكبيرة والعملاقة، لتحل محل السفن الشراعية، والعمال الآسيويين الذين تجدهم في بعض الورش الصغيرة، البعض تعلم هذه الحرفة هنا في الدولة من قبل الرواد، والآخر كان يمارسها في بلده، ثم جاء إلى هنا ليزاولها كمهنة، ولكن يبقى الأصل وهم صناع السفن الشراعية، وهم من الرواد ولكن للأسف، لم يعد أحد يذكرهم، مع أنهم هم أول من صنعوا تاريخ هذه الصناعة. ومن العمال الذين التقيناهم في رأس الخيمة يعقوب محمد خان الذي شرح لنا تجربته في هذا المجال: عملت منذ أكثر من 20 عاماً في هذا المجال مع أحد الجلافين القدامى، ومنه تعلمت سر المهنة، وخلال فترة بسيطة اكتشفت الكثير من أسرارها، وحالياً أعمل في ترميم وصيانة السفن الصغيرة، مثل السفن التجارية التي تنقل البضائع إلى المناطق المجاورة، أو في التي تعمل في صيد الأسماك.
اخشاب
ورش لصيانة السفن
قال عبد الناصر الذي عمل في هذا المجال سنين طويلة: في السنوات الماضية كانت المهنة وقفاً على أبناء المنطقة، ولم تكن الاستعانة بالعمالة الآسيوية إلا فيما ندر، أما اليوم فصناعة السفن لم يعد لها وجود، مقارنة بما كانت عليه في السابق، وهناك ورش صغير متناثرة في بعض إمارات الدولة، تقوم بالترميم والصيانة للسفن التي مازالت، تقوم بعملها في نقل البضائع في منطقة الخليج واليمن والقرن الإفريقي، وبعضها سخر لصيد الأسماك في المياه الإماراتية.
أما الأخشاب والأدوات التي كانت تستخدم في صناعة السفن، كانت من أخشاب (الساج والبنطيق) والتي تستورد من الهند، بالإضافة إلى أخشاب أشجار (القرط والسدر والسمر)، الموجودة في المنطقة، والتي يصنع منها ضلوع السفينة.
زمن
البواخر العملاقة تزيح السفن الخشبية
ظلت السفن الخشبية لعقود من الزمن وسيلة هامة للتنقل والتجارة وصيد اللؤلو والصيد، وارتبطت بوجدان كل أبناء الإمارات كتراث أصيل يذكر بتقاليد عريقة، وكما عرفت الإمارات بصناعة السفن الشراعية الخشبية، عرفت أيضا بكثير من المهن والحرف، التي أحترفها الكثير من أبناء هذه الدولة، كمهن النجارة والحدادة وغيرها من المهن، التي كانت الوسيلة الوحيدة لطلب المعيشة، في وقت لم يظهر فيه النفط، ولا الوسائل الحديثة والتقنيات المتطورة، التي غلبت على وسائل الحياة في العصر الرهن، ولقد عرفت الإمارات في وقت مبكر ازدهاراً كبيراً في صناعة السفن الشراعية، وكان فيها من الرواد الختال وباهارون، أمدهما الله بالصحة والعافية، وهما من الرجال الذي عملوا سنين طويلة في هذا المجال، إلى جانب عدد كبير من الجلافين، واليوم غابت هذه الصناعة، بعد أن اختفت الأخشاب والأدوات، التي كانت تصنع منها هذه السفن، بعد دخول الأساطيل والناقلات البحرية العملاقة، ذات التقنية الحديثة، وهي اليوم تجول البحار والمحيطات، وتعددت أدوارها، بعد أن كانت السفن الخشبية، هي الناقل الوحيد للتجارة وصيد اللؤلو.
