أنه موضوع مجتمعي اجتماعي شائك وحساس ولعله شديد الوعورة على أهميته.
اعتقد أن الأقلام قد شحت في التعرض له وتناوله بجدية لأجل إحقاق الحق فيه.. وها أنذا أكتب كلمة في بحره الواسع.. علني أجلي وجهاً خفياً عصيا على الفهم والإدراك لدى البعض.
أنا لا أزعم أني أحطت بكل جوانبه ولكن يكفيني من طرق هذا الباب ومن التعرض لهذا الموضوع ملامسة ولو جانب من جوانبه..
إنها الوطنية.. المتمثلة في برنامج التوطين.لا شك لدي مطلقا أن الوطنية وحب الأوطان تجري فينا كلنا مجرى الدم.. كلنا يحب الأوطان ويفديها بالأرواح والمهج.. ويقدم لها الغالي والنفيس.. ولهذا دأبت البلدان والأوطان بتعزيز الروح القومية والتربية الوطنية في المدارس والمعاهد.. بل وترضع الأم وليدها حب الأرض والوطن من بعد حب الله ورسوله.رسولنا عليه الصلاة والسلام أحب التربة التي ولد فيها والأرض التي نشأ وترعرع عليها.. وعندما غادر مكة قال قولته الشهيرة في وطنه ومسقط رأسه الذي يحبه ويهفو قلبه إليه: «يا مكة.. إنك لأحب البلاد إلى الله.. وأحب البلاد إلى قلبي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».. بل وكان صلى الله عليه وسلم يسامر أصحابه في المدينة ويشتاق لمكة ويحدثهم عنها.
عندما شرعت بالكتابة في هذا الموضوع.. استأذنتني ذاكرتي أن أرجع بها إلى الوراء خمس عشرة سنة.. وجدتني جالساً في مطعم بمقر عملي الذي كان في منطقة نائية.
كان المطعم كبيراً يرتاده ظهر كل يوم عدد مهول من العاملين على مختلف مستوياتهم ورتبهم في المؤسسة التي كنا نعمل فيها جميعاً.كنت أتحدث مع زميل لي يجلس بجواري، وبينما أنا وإياه نتحدث ونحن نأكل.. إذ بصوت عال يخترق جدار المطعم وهو يقول: «هذا لا يجوز يا ناس.. هذا حرام والله»! كان الصوت لرجل من دولة عربية أفريقية، وكان يجلس على نفس الطاولة الكبيرة التي نجلس إليها أنا وصاحبي. فانبريت له قائلاً: وما هذا الذي لا يجوز يا أخي؟ ولِمَ كل هذه الجلبة التي أحدثتها هنا والصوت المرتفع الذي أصدرته في هذا الوقت.. وقت الغداء؟قال: صديقي طلبوا منه أن يغادر عمله بعد سنة، لأن وظيفته سيتم توطينها.فقلت له: «هون عليك يا أخي، هذه أمور مقدرة ومكتوبة، وكل واحد منا يأخذ نصيبه في الدنيا.
صديقك لم تنه خدماته ولم يسُرِح في نفس اليوم، أعطيت له مهلة كافية ليدبر أموره وشؤون أسرته ويبحث عن مصدر رزق آخر، ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها! ولعلمك إن هذا الأمر أو الإجراء يحسب للمؤسسة التي يعمل فيها صديقك لا عليها.
ثم: هب أنني كنت في مكان صديقك أعمل في بلدك وخدمت فيها وبذلت فيها عرقي وسهر الليالي، وجاء شاب خريج من جامعتكم المرموقة، ــ وذكرت له اسم الجامعة في بلده ــ وترقى هذا الشاب في سلم التطوير والتدريب حتى حصل على الخبرة والدراية التي يقتضيها عمله، واضطلع بالعلوم المهنية والمعرفية المطلوبة في عمله وأصبح مؤهلا لمكاني؟! هل لي أن أضع في نفسي الحزن والأسى والشجن الشديد لكوني سأترك مكاني الذي شغلته لسنين طوال لهذا المتدرب؟ وأنا غير راض بهذا المصير المعروف سلفا؟! ألم أعلم بدايةً أنني ضيف على هذا البلد ولابد سأتركه يوما.. وأني مصيري سيكون كمصير صاحبك هذا».فلما انتهيت من كلامي لم ينطق ببنت شفة، وحقيقة لم أعلم إلى يومي هذا.. أهو اقتناع بما قلت أو أنه آثر عدم الخوض في الموضوع معي لأني ابن البلد.إن برامج التوطين في مجتمعاتنا العربية متشابهة، وجميعها تحرص على أن تكحل أعينها برؤية ابن البلد في جميع المراكز، وذلك لأن أبناء البلد هم الأجدر والأكثر غيرة على بلدهم من غيرهم. ولهذا ترى أن الإدارات تتسابق في عملية التوطين حتى ترفع نسبتها وترفع تقاريرها للجهات التي أمرتها بهذا الإجراء مفاخرة به.ولكن في غمرة هذه الحماسة الملتهبة والسباق المحموم بتحقيق النسب لبرامج التوطين تلك.. يستعجل المسؤولون بالاستغناء عن خبرات عربية خدمت البلد والتي عاشت فيها اعواما طويلة والاستعاضة بخبراء أجانب لعل سعر يومية أحدهم يربو على الألف دولار.. ليقوموا بتدريب الكوادر الوطنية فوق تدريبهم! وتطوير مؤسساتهم! فأنا مع التطوير ولكن لست مع الإيغال في الاستعانة المفرطة بالخبرات الغربية والتي عشت ودرست في بلدانها فعرفتها وخبرتها.
ولعل من مساوئ الإجراء المتعجل أن تسمع من بعض أبناء البلد إذا ما سئل سؤال أو أن طلب منه طلب.. تجهم وغضب وقال: أنا ابن الوطن.. من أنت حتى تسألني.. أنا مواطن! وإنه قولٌ يدعو إلى الاستغراب ويثير الدهشة!
الحق هو أن تعزز الوطنية بصورة يراعى فيها مبدأ التدرج في عملية الاستغناء لأهل الخبرة خصوصا من العرب المؤهلين، وأن يستفاد منهم حتى بعد التسريح وتمكين ابن البلد من منصبه.
وأن يكون ابن البلد قدوة في التعامل مع كل خبرة استعان بها ما أمكن، بدلا من أشباه الخبراء من الغرب، إلا من رحم ربي منهم وهم قليل!
هذه محاولة لأخوض غمار موضوع هام مطروح ومتناول في الساحة مزجتها بتجربة شخصية.