قد لا يعرف الكثيرون أن أنواع المثلجات الشهية التي تباع في أكثر من عشرين شركة للمثلجات في الدولة، تحتوي على سعرات حرارية وكمية دهون أكثر من تلك الموجودة في وجبة الهمبرغر بالجبنة في مطاعم الوجبات السريعة، وأنها تعد خطراً حقيقاً يحيط بصحة الصغار والكبار الذين لا يستطيعون مقاومة إغراء المثلجات بنكهة الشوكولاته والمغطاة بالبسكويت والكثير من السائل المحلى، ومن لا يعير اهتماماً لحساب السعرات الحرارية الموجودة في مخروط المثلجات أو فيما يوضع عليها من قطر محلى، فسيندهش حين يعرف أن اختيار الوعاء الأكبر حجما قد يزيد بمقدار ‬310 سعرات حرارية أو ‬15 غراماً من الدهون عن قطعة من الدجاج المقلي، وأن وجبته المفضلة في دور السينما التي تجمع عادة بين نوعين من المثلجات الكريمية مع الحلوى والشوكولاته أو صلصة المارشملو والشوكولاته، تعد المدمر الرئيسي للحميات الغذائية بسبب احتوائها على ‬1200 سعرة حرارية.

قلة وعي

ولم تعد الوراثة العامل الوحيد للإصابة بمرض السكري، وقد أصبح الأطفال هم الفئة الأكثر تعرضاً للإصابة به، نتيجة لتناولهم الأطعمة غير الصحية، وأنماط حياتهم الخالية من الأنشطة البدنية والحركة، وقلة وعي الأهالي بخطورة سمنة أبنائهم وزيادة أوزانهم التي تحدث عادة نتيجة الإكثار من تناول الحلويات والمثلجات التي يغفل البعض عن خطورتها وتأثيراتها السلبية على الصحة، حيث أوضحت خبيرة التغذية بليندا ريني أن تساهل الآباء والأمهات ورضوخهم أمام بكاء أطفالهم في محلات الحلويات والمثلجات، والسماح لهم بتناول ما لذ وطاب دون الانتباه للسعرات الحرارية، يجني على صحة صغارهم تدريجياً، لأن شراء قطعة من المثلجات بنكهة براونيز الشوكولاته أو كعكة الجبن يعني تناول ما يزيد على ‬420 سعرة حرارية، وهو أكثر مما تحتويه وجبة همبرغر الجبنة في مطاعم الوجبات السريعة، وقالت بليندا: تعلب الأمهات دوراً كبيرا في حماية أبنائهن من الإصابة بالسمنة التي تسبب بدورها الإصابة بمرض السكري، لذا عليهن إعداد خطة غذائية جيدة تضمن توازن العناصر الغذائية في طعام أطفالهن، والاهتمام بتحضير وجباتهم المفضلة وأصناف المثلجات والحلويات في المنزل، وعدم الاعتماد كثيراً على تلك الوصفات الموجودة في المخابز والأسواق لاحتوائها على ألوان، منكهات، وصبغات، وسعرات حرارية عالية.

وقدمت بليندا إرشادات غذائية تفيد الأمهات اللواتي يسعين إلى إعداد أصناف حلويات صحية مع الحفاظ على نكهتها اللذيذة المغرية، وقالت: يمكن الحصول على القوام الكريمي الشهي الذي يحبه معظم الصغار والكبار باستخدام حليب الصويا، أو حليب جوز الهند لمن يبحثون عن الخيارات الأقل تسبباً للحساسية، ويمكن إضافة الفاكهة الطازجة كالمانجو، والتوت، والتمر، والهيل، مع محليات صحية مثل الزيليتول وشراب الصبار المحلى بدلاً من المحليات الصناعية أو الكميات الكبيرة من السكر، كما أن هناك جهازاً حديثاً في الأسواق يساعد الأمهات على صنع المثلجات والحلويات في المنزل بالطريقة التي تحلو لهن وبالمقادير التي يرونها مناسبة.

أما الدكتور عصام عبدالباري ؟متخصص في طب الأطفال- فأكد أن كثرة تناول الآيس كريم والمواد المثلجة تؤدي في النهاية إلى مردود سيّئ على صحة الأطفال، وقال: الأطفال هم أكثر زبائن هذه الأغذية التي لا تؤدي إلى إصابتهم بالسمنة ومرض السكري فقط، بل إلى إصابتهم بالتهابات صديدية حادة في اللوزتين، حيث تضعف المثلجات مقاومة الأغشية المخاطية في منطقة البلعوم واللوزتين، مما يقلل من مناعتها في مقاومة الميكروبات المتواجدة أصلا والمتعايشة في توازن مع مناعة هذه المنطق، وبذلك تنقلب كفة هذه الميكروبات وتنشط مسببة التهاب البلعوم أو على الأقل احتقانا بهذه المناطق باستمرار، وهناك العديد من التقارير والإحصاءات التي تبين أن ارتفاع استهلاك المثلجات يتناسب تناسبا طرديا مع إصابة الأطفال بتسوس الأسنان، والسمنة، ومرض السكري، وأمراض القلب.

تجارب ومعاناة

افتقاد الأسواق لأصناف حلويات صحية وسريعة التحضير بالوقت نفسه مشكلة تعاني منها غالبية الأمهات ومن بينهن ناهد أحمد ؟أم لثلاثة أطفال- التي قالت: قمت بتعويد أبنائي منذ صغرهم على تناول الخضراوات والفواكه وشرب العصائر و«الكوكتيلات» التي أقوم بإعدادها بنفسي في المنزل، وهذا ساعدني على التحكم بأذواقهم الغذائية بسهولة فيما بعد، ولكنني أواجه صعوبات عديدة فيما يتعلق بتحضير أصناف الحلويات لأنني لا أتقن صنعها، وهذا يجعل موقفي ضعيفاً أمام أبنائي الذين ينسفون حمياتهم الغذائية عندما يذهبون إلى السينما مع أصدقائهم، وقد اكتشفت مؤخرا أن ابني عامر (‬15 سنة) مصاب بمرض السكري.

أما نادية موسى - أم لطفلين- فصراعها اليومي مع البائعين المتواجدين في البقالات، وقالت: توجد بقالة في الطابق الأرضي من البناية التي أسكن فيها، وهي واحدة من الأشياء التي اتمنى زوالها من هذه الدنيا نهائياً، لأنها تدمر النظام الغذائي الخاص بابني السمين البالغ من العمر ست سنوات، ففور نزوله من الحافلة المدرسية ظهراً مع مجموعة من أبناء الجيران، يكون البائع بانتظارهم وهو يمسك البوظة والشيبسي ويطلب منهم إحضار المال حتى يعطيهم الحلويات، وقد كان صراخ ابني وبكاؤه المتواصل يجبرانني على إعطائه المال في بداية الأمر، ولكن بعد أن أخبرتني جارتي التي تعاني من المشكلة نفسها مع ابنها عن ملاحظتها حول البائع، هددناه بإحضار أحد مفتشي البلدية، ولكنه أخبرنا أنهم لن يفعلوا له شيئاً.

بينما تمكنت سامية عطايا - أم لثلاثة أطفال- من السيطرة على نوعية وكمية الحلويات التي يتناولها أبناؤها منذ صغرهم، حيث كانت ترفض الاعتماد على أغذية الأطفال الجاهزة الموجودة في الأسواق، لاحتوائها على السعرات الحرارية عالية والدهون المضرة، كما اضطرت لترك عملها لفترة طويلة حتى تعطي أبناءها حقهم من الرعاية والاهتمام، وقالت: وجدت أن معظم المنتجات الغذائية الموجودة في السوق والمخابز معدومة الفائدة، وهذا دفعني وشجعني على تحضير خلطاتي الطبيعية الشهية ذات المذاق الجيد بنفسي داخل مطبخي الخاص لأبعد أبنائي عن الحلويات الصناعية الدسمة التي تسبب العديد من الأمراض ومنها مرض السرطان على المدى البعيد، وبعد فترة وجدت أن معظم الأمهات يشتكين من عدم وجود أصناف حلويات ذات فائدة غذائية جيدة لأطفالهن ابتداء من عمر السنة، وحينها قررت أن أضع وصفاتي بين أيدي الأمهات، وقمت بافتتاح مصنعي الخاص في الشارقة منذ سنة تقريباً، وكم كانت سعادتي كبيرة حين أصبحت خلطاتي التي تتكون من السكر الطبيعي النقي المستخرج من قصب السكر، وبودرة الكاكاو، ومسحوق زلال البيض، والفانيلا الطبيعية، منتجات موجودة على رفوف أضخم المحلات التجارية بنوعيها القليلة الدسم والخالية من الدسم. وأكدت عطايا أن التعامل مع الأطفال بحزم منذ عمر مبكر يضمن سلامة صحتهم في المستقبل، وقالت: المثلجات والمشروبات الغازية ومشروبات الطاقة ممنوعة في المنزل، وتوعيتي الدائمة لأبنائي حول مخاطرها تجعلني مطمئنة حتى لو لم أكن معهم.

تدليل مفرط

تدليل الأب لأبنائه في الوقت الذي تسعى فيه الأم إلى ضبط إقبالهم على تناول الأطعمة والمشروبات ذات السعرات الحرارية العالية والمشبعة بالدهون، مثال يختصر مشكلة آمنه الأشكري ؟أم لأربعة أطفال-، التي قالت: يقوم زوجي بتوصيل الأبناء إلى المدرسة صباحاً، وقد نبهته أكثر من مرة ألا يشتري لهم المشروبات الغازية والسكاكر لأنها مضرة وممنوعة في المدرسة، ولكنه لا يسمع كلامي ويقول لي «دعيهم يتغذوا» مع العلم أن ممرضة المدرسة تتصل يومياً لمعاتبته لأن ابنتنا حبيبة مصابة بالسكري وشقيقها سعيد يعاني من السمنة، كما أنه يدللهم بشكل كبير خاصة عندما نذهب إلى المراكز التجارية، حيث يقوم بشراء علب المثلجات الكبيرة رغم اعتراضي، ولكن ما باليد حيلة.

رقابة الأهل

شدد د. عصام عبدالباري -متخصص في طب الأطفال- على أهمية أن يعرف الأهل أن لكل طفل كمية سعرات خاصة به، تتم ترجمتها إلى أطعمة متناولة، ويعتمد هذا الأمر على عمر الطفل، أو وزنه، أو طوله وجنسه، وكذلك نشاطاته، وأن عليهم مراعاة الصحة النفسية للطفل، من خلال تجنب الخوف الزائد والإفراط في تدليله، وقال: لا يضع غالبية الآباء والأمهات للأسف حداً لإقبال أبنائهم على الوجبات السريعة، و«الهمبرجر»، والمشروبات الغازية الضارة، والعصائر غير الطبيعية المحلاة، التي تؤدي إلى نمو أجسامهم بصورة غير طبيعية، والمثلجات أطعمة يحبها الكبار قبل الصغار، ولكن يجب تزويد الطفل أو المراهق بالمعلومات الأساسية التي تجعله قادرا على اختيار غذائه بنفسه وتناول ما يتناسب مع احتياجاته وعاداته الغذائية دون مبالغة، وعلى الأهل ألا يحرموا أطفالهم المصابين بمرض السكري بالذات من تناول الحلويات، فمن حقهم تناول هذه الأطعمة المتنوعة بعد تحديد الكمية المناسبة، ومشكلة معظم الأطفال تبرز واضحة مع الحميات الغذائية، كأن يأكل أكثر أو أقل من الكمية المحددة، وقد افترضت دراسة جديدة أن الوفيات المصاحبة للإصابة بمرض السكري تزداد بصورة كبيرة لدى الأطفال المصابين بالسكري الذين كانوا أكثر وزنا عند الميلاد.