تصليح الأحذية وتلميعها، يعتبر مهنة شعبية قديمة وأطلق على صاحبها «الاسكافي»، ومما يميز هذه المهنة المكان الضيق الذي لم تلتفت إليه الحداثة والتطور، بل تركت صاحبه في ركن معزول وهو منكب على أدواته البسيطة وعمله الذي لا يمكن انجازه دون الاستعانة بالماكينة اليدوية والسندان والإبرة والخيط والمطاط والجلود، إضافة إلى ملمع الأحذية والفراشي.

الاسكافي عالم قولد، له ارتباط عميق في مجال تصليح الأحذية يصل لأكثر من ‬13 عاما، ويحتفظ بماكينة يدوية قديمة تعينه على تجميع أجزاء الأحذية وتثبيتها وخياطتها بخيوط تناسب ألوان الحذاء. عمله يتسم بالدقة، لذا قلما يتحدث الاسكافي خلال عمله إلا عند مخاطبة الزبائن الذين يترددون عليه بين الحين والآخر حسب حاجتهم لتصليح الأجزاء المتضررة من أحذيتهم، وعلى الرغم من رفاهية العيش وانتشار محلات الأحذية العالمية وحرص الناس على شراء نوعية جيدة من الأحذية تدوم لسنوات طويلة، إلا أن مهنة الاسكافي لا تزال تحافظ على مكانتها التي عرفها الناس لسنوات طويلة.

 

بلا دراسة

يقول عالم قولد: إن المهارات التي امتلكها تعتبر مكتسبة وليست نتاج دراسة، ولكن لا احد يستطيع امتهان هذه المهنة إلا من يرغب ويبدع فيها ويحسن التعامل مع الخيط والإبرة التي تختلف عما يستخدمه الخياط من حيث قوة الخيط وصلابة الإبرة، كما يختلف تصليح الأحذية من حذاء لآخر وفقا لنوع الجلد وشكل الحذاء، الأمر الذي يختلف معه نوع العمل وكلفة التصليح التي تتراوح ما بين ‬5 إلى ‬15 درهما، واعتبرها مهنة شريفة واكتسب رزقا طيبا من خلالها ما دامت الناس محافظة على ارتداء الأحذية والمشي فيها على الأرض، لإيماني بأن هناك ظروفا تحتم على الشخص التعامل معي مهما قل ثمن الحذاء أو ارتفع شأن صاحبه، حيث أنني أتعامل مع شخصيات مرموقة بتلميع أخذيتهم بصفة مستمرة، كما لدي زبائن من مختلف الجنسيات والفئات، فالجميع يترددون عليّ بهدف الحصول على مظهر لائق لأحذيتهم، مما يسهم في استمرار هذه المهنة التي لم تغيرها الظروف والسنوات.

 

أدوات مستوردة

وعلى الرغم من ضيق المكان الذي اعمل فيه، إلا أنني أجد متعتي فيه وأمارس عملي بحرية وإتقان، واراه مريحا باعتباري تأقلمت معه وأحفظ مكان الأدوات، فالمكان يسعني وحدي ولا يتحمل وجود شخص ثان معي، الأمر الذي يحفزني على الانجاز بدقة وتركيز عالي، وهناك من يقوم بمساعدتي فترة استراحتي، والمتأمل لمكاني كإسكافي يجد فيه أكياسا مكدسة بالأغراض المتنوعة وأدوات متناثرة هنا وهناك، ولكن جميعها تخدم الغرض نفسه وتسهل عليّ عملي، حيث يتم جلب معدات الاسكافي من باكستان.

ساعات عملي طويلة، ولكنها تنقضي بسرعة، على اعتبار أنني أنسى نفسي وسط طلبات الزبائن واحتياجاتهم المختلفة، ويبدأ عملي في الساعة الثامنة صباحا وينتهي عند منتصف الليل، ويتخلله استراحة في فترة الظهيرة، ولكني أعاود العمل بداية فترة العصر، فأنا أشهد إقبال الناس على تصليح أحذيتهم القديمة، حيث هناك من يرتبط بمقتنياته وله بها ارتباط كبير حتى وان بدت في نظر الآخرين عادية، إلا أنها تحتل مكانة عميقة في نفوس أصحابها، حتى لو كانت أحذية على سبيل المثال. فأنا أصلح جميع الأنواع سواء الماركات العالمية أو الأحذية ذات الجودة المنخفضة، ولا يعني ذلك أن زبائني من الطبقة الفقيرة أو من ذوي الدخل المحدود، بل على العكس هناك أطياف مختلفة أتعامل معها ممن يهتمون بإعادة تجديد أحذيتهم القديمة وتصليحها، ولو توقف عمل الاسكافي لاضطر الناس لشراء مئات الأحذية، وأرى أن عملي مهم في الحياة لذا أجد نفسي فيه وأحاول تطوير مهاراتي بصفة دائمة، ولا يتوقف عملي في تصليح الأحذية فقط، بل فضلت توسيع دائرة خبراتي إلى تصليح الأحزمة والمحافظ والمسابح، ما دام الأمر يدخل في نطاق الخيط والإبرة.

أزاوله لندرته

لدي ‬6 أبناء، وجميعهم يدرسون في بلدي، ولا أفكر في توريثها لأحد أبنائي، وذلك بسبب اهتمام الأجيال الجديدة بالتوجه لدراسة مجالات أخرى بعيدة عن العمل اليدوي الذي لا يلقى رواجا كبيرا بينهم، كما إنني اسمع عن أشخاص تركوا مهنة الاسكافي وتوجهوا نحو تجارة أخرى تدر عليهم أرباحا اكبر، ولكني قنوع بعملي وأفضل مزاولة هذا النشاط نظرا لندرته في الوقت الراهن، وسأظل محافظا عليه بصفته يجمعني بزبائني الدائمين الذين يأتون إلي من كافة مناطق دبي، وأغلبه زبائني الذين يترددون علي بصفة مستمرة يأتون خاصة من منطقة جبل علي إليّ في القصيص».

لافتة

على الرغم من تطور أساليب تصليح الأحذية بالوسائل الحديثة مثل الأجهزة الالكترونية وتوفير بعض المحلات ميزة إعادة تعديل الحذاء، إلا أن عملي لم يتراجع في ظل هذه المتغيرات والتطورات، فمن الناس من يثق بعملي، كما أن الأمر يعود لثقافة الأشخاص وتقديرهم للمهن أو الحرف اليدوية، إضافة إلى أن هناك بعض الأشياء تتطلب التصليح وليس الاستبدال.