يعتمد عدد كبير من الأشخاص على توقعاتهم الشخصية، والطب البديل، وفي كثير من الأحيان على تجارب الغير والمقربين، واقتراحات الصيادلة، في علاج الأمراض المختلفة التي يصابون بها، كما يجازفون بصحتهم من خلال الاعتماد على النصائح الطبية غير الصحيحة المقدمة عبر الانترنت، وبعد أن تزداد حالتهم سوءاً تصبح فكرة الذهاب إلى المستشفى ضرورة لابد منها لإنقاذ الوضع، وذلك بسبب غلاء أسعار «الكشفيات» وبطاقات التأمين الصحية، وقلة خبرة معظم الأطباء التي دفعت الكثيرين للسفر إلى للخارج حتى لا يكونوا من ضحايا الأخطاء الطبية.
يقول أحمد راي ـــ موظف - عن تجربته الخاصة: شعرت بعدة وخزات في قلبي قبل ستة أشهر تقريباً، وبعد إصرار والدتي الكبير ذهبت إلى أحد المستشفيات المعروفة في دبي على الرغم من انعدام ثقتي بجميع الأطباء لأنهم لا يراهنون على أسمائهم وبراعتهم في عالم الطب بل على أسماء المستشفيات التي يعملون فيها، كما يتعاملون مع المريض على أسس تجارية بحتة، وكم كانت مفاجأتي كبيرة حين أخبرني طبيب القلب أن حل الوخزات التي أشعر بها هو الزواج، حيث جاملته وعندما خرجت طلبت من موظفة الاستقبال إلغاء المواعيد التي حددها لي، ولم يمر يومان حتى أمطرني الطبيب باتصالاته التي تجاهلتها في البداية، ولكن بعد نفاد صبري وإزعاجه المتكرر لي اضطررت لإخباره بالكف عن الاتصال بي حتى لا أخبر إدارة المستشفى بما يفعله لجلب المرضى.
يثق أحمد بوصفات الطب البديل وبخبرة والدته في علاج الأمراض البسيطة مثل الرشح والزكام، وقال: أصبت بمرض الزكام قبل فترة، وعلى الرغم من تناولي المستمر لعصير الليمون وحرصي على تناول المشروبات الساخنة بشكل يومي إلا أن حالتي لم تتحسن، فذهبت إلى إحدى الصيدليات، حيث نصحني الصيدلي بشراء مضاد حيوي ساهم في ازدياد حالتي سوءاً فيما بعد، وحينها قررت الذهاب إلى طبيبة أخبرني عنها أحد أصدقائي، حيث اكتشفت أنني أستخدم مضاداً مخصصاً لمن يعانون من التهابات في الدم.
أما خضر صفي الدين فانتقد الغلاء وارتفاع أسعار كشفيات الأطباء في المستشفيات الخاصة، وقال: عندما أصاب بأي مرض أعتمد على توقعاتي واجتهاداتي الشخصية في علاج نفسي، لأن الذهاب إلى العيادات الخاصة والمستشفيات بات مكلفاً للغاية، وأذكر أنني عانيت من صداع مؤلم قبل مدة وعندما ذهبت إلى المستشفى أخبرني الموظف أن علي دفع 400 درهم من أجل رؤية الطبيب، فما كان مني إلا أن ذهبت إلى مستشفى حكومي، وبعد انتظار طويل دفعت 30 درهماً ولكنني لم أستفد شيئا من العلاج.
واستطرد خضر قائلا: لدي بطاقة تأمين صحية ولكنها لا تفيدني بشيء لأن خصوماتها تقتصر على العلاج في المستشفيات الحكومية التي تكون عادة خياري الأخير.
استغلال وتخويف
وأبدى محمد حسين ؟موظف- انزعاجه الكبير من مستوى الأطباء في المستشفيات الخاصة والحكومية، وقال: أرفض المخاطرة بصحتي والذهاب إلى الأطباء، لأنهم للأسف لا يهتمون بسلامة المريض بقدر ما يركزون على إفراغ جيوبه من المال، وأفضل أن أكون طبيب نفسي وأن أستفيد من تجارب الآخرين ونصائحهم الطبية المجربة والمجدية، لأنها على الأقل لا تضر إن لم تنفع، وليست مكلفة، كما أستعين بخبرة الصيادلة واتخذ جميع الإجراءات الوقائية.
استغلال الأطباء لخوف المرضى وحثهم على عمل الكثير من الفحوصات التي لا تغطيها بطاقات التأمين الصحية.. أسلوب عانى منه محمد في المستشفيات، وقال: يتعالج مواطنو الدولة بالمجان في المستشفيات الحكومية، وهذا ما لا يعجب عدداً كبيراً من الأطباء، وبالنسبة لي فقد أقنعني أحد الأطباء بإجراء عدة فحوصات لا تغطيها بطاقة التأمين كما حاول إخافتي حتى لا أتردد في إجرائها، ولكنني رفضت لأنه كان يحاول إفادة عيادته على حسابي بأسلوب رخيص.
ويتحكم نوع المرض بقرار ذهاب سارة عيسى ؟موظفة- إلى المستشفى، حيث تستعين عادة بالمهدئات في حال أصيبت بالصداع، وبالأعشاب الطبية إذا أصيبت بالزكام أو نزلات البرد، وقالت: من يقرأ الصحف اليومية ويرى الكوارث والمآسي التي تنتج عن الأخطاء الطبية، يفضل البقاء مريضاً في بيته على تسليم نفسه إلى أي طبيب، وبالنسبة لي فقد جعلت تجارب أفراد عائلتي ومعارفي مع الأمراض المختلفة مني طبيبة قادرة إفادة من حولها. بينما تعتمد نفيسة حسن ؟ربة منزل- على إحدى صديقاتها التي تعمل في مجال التمريض، وقالت: لدي ثلاثة أبناء، وليس بمقدوري تحمل تكاليف المستشفيات الباهظة، لهذا السبب ألجأ إلى صديقة تعمل في مستشفى خاص، حيث أخبرها عن أعراض المرض الذي أعاني منه أو يعاني أحد أبنائي منه، وتقوم هي بدورها بنقل المعلومات إلى الطبيب المختص الذي يقوم بإعطائها أسماء الأدوية المناسبة التي أشتريها لاحقا من الصيدلية.
طوارئ
وقال موسى أحمد ـــ موظف -: توفر المال يتحكم بأسلوبي في معالجة نفسي من الأمراض، ولكنني ألجأ إلى قسم الطوارئ في المستشفى القريب من منزلي، لأن فرصة الإعفاء من رسوم الكشفية محتملة إذا كانت حرارة المريض مرتفعة، أو كانت ظروفه المادية سيئة، وغالباً ما أتعالج بالمجان، حيث أحصل على الرعاية والدواء دون أن أدفع درهما واحداً، وأذكر أنني عانيت ذات مرة من آلام شديدة في منطقة الصدر، ولكنني انتظرت حتى حل الليل وذهبت إلى قسم الطوارئ، حيث نمت في المستشفى لمدة أربعة أيام وحظيت بعناية فائقة وفحوصات مجانية دون مقابل، ولو أنني ذهبت في فترة النهار إلى المستشفى نفسه وحصلت على العلاج ذاته لدفعت مبالغ مالية لا أظن أن باستطاعتي دفعها.
وحذرت أميرة مصطفى ـــ موظفة متزوجة - من الاعتماد على أدوية الغير وإهمال استشارة الأطباء، وقالت: الإنسان كائن متناقض بطبعه، فهو قادر على شراء قميص قيمته 200 درهم وربما أكثر، بينما يبخل على صحته عندما يمرض، حيث يجد كشفية الطبيب التي تساوي قيمة القميص الذي اشتراه مرتفعة وباهظة، ويلجأ إلى استعمال أدوية الغير التي قد تضره، أو إلى وصفات الإنترنت التي تكون مبنية على الأكاذيب، أو إلى الصيادلة الذين يهتمون بالبيع فقط، لأنها أساليب غير مكلفة.
وحول تشكيك البعض في خبرة الأطباء، قالت: أصابع اليد لا تشبه بعضها، وباستطاعة المريض أن يسأل عن الطبيب قبل أن يذهب إليه، وأن يأخذ رأي أكثر من طبيب في العلاج حتى يطمئن قلبه، وبالنسبة لي فأنا أقوم بتوفير مبلغ بسيط من راتبي الشهري تحسباً لحالات المرض أو الطوارئ.
معاناة الصيادلة مع عناد المرضى
لاحظت هدى موسى ـــ صيدلانية- أن معظم المرضى يفضلون شراء الأودية التي اعتادوا على استخدامها تارة، والتي تنصحهم بها مواقع الانترنت تارة أخرى، بشكل مباشر من الصيدلية دون استشارة الطبيب أو حتى الاستماع لرأي الصيدلي لقلة ثقتهم بالاثنين ونظرا لغلاء المستشفيات، وقالت: يستطيع الصيدلاني تشخيص حالة المريض وإعطائه الدواء المناسب من خلال الأسئلة التي يطرحها عليه، ولكنه لا يستطيع أن يحل محل الطبيب الذي يبنى تشخيصه على معلومات دقيقة مستمدة من الفحوصات، كما أن لجوء المريض إلى صيدلاني قليل الخبرة قد يزيد الطين بلة.
تمسك المرضى بقراراتهم ورغبتهم بشراء الأدوية التي لا تتناسب مع حالاتهم المرضية، إحدى الصعوبات التي تواجهها هدى في عملها، وقالت: جاءني مريض يعاني من الزكام وكان مصراً على شراء مضاد حيوي، وعندما نصحته بعدم بدء العلاج به، أخبرني أنه قادر على تشخيص نفسه أفضل مني، وأنه لم يأت لاستشارتي بل لشراء الدواء. وأضافت هدى: أنصح المرضى بوقاية أنفسهم، والاعتماد على الأعشاب المتنوعة التي اعتاد آباؤنا وأجدادنا على استخدامها في السابق، لأن ليس لها أضرار جانبية، وتجنب استخدام الأدوية والحبوب التي يستخدمها أصدقاؤهم وأفراد عائلتهم خاصة المضادات الحيوية.
وذكر صيدلاني ؟رفض ذكر اسمه- أنه يقوم أحيانا بدفع قيمة الأدوية عن المرضى، وقال: الغلاء المعيشي لا يشجع الناس على الاهتمام بصحتهم، فدخول أي مستشفى بات مكلفاً، كما أن معظم الأطباء يحملون أفضل الشهادات ولكن تنقصهم الخبرة والكفاءة، وبالنسبة لي فأنا أحذر المرضى من التعامل مع الصيادلة من الجنسية الآسيوية لأن غالبيتهم يهدفون إلى بيع الأدوية الباهظة الثمن للمريض دون مراعاة ما يتناسب مع حالته المرضية والمادية، وأذكرهم بأهمية قراءة الوصفة الموجودة في علبة الدواء نفسه لأنها توضح مكونات الدواء ودواعي استعماله، وبالرغم من نصحي الدائم لهم إلا أنني فوجئت بشاب عمره 22 سنة يتناول يوميا حبتين من الأسبرين التي تعمل على جريان الدم في الشرايين في فترة الصيف، وعندما سألته عن السبب أخبرني أن طبيبا في أحد المستشفيات نصحه باستخدامها، ثم أضاف قائلا: «قلبي سليم ولكن نبضاته تكون سريعة أحياناً»، فما كان مني إلا أن وبخته بقسوة، لأنه لم يستخدم عقله قبل استعمال الدواء.
وأضاف الصيدلاني قائلاً: من الرائع أن يكون المريض مثقفاً من الناحية الطبية، وأن يعرف مكونات الدواء الذي يتناوله حتى لو وصفه له الطبيب أو الصيدلاني، وأن يشغل عقله بدلاً من استعراض عناده.
جهل
إخفاء المرضى للحقائق يفاقم حالاتهم
ليس من العدل أن توجه أصابع الاتهام إلى الأطباء مباشرة عندما تزداد حالة المرضى سوءاً، لأنهم مسؤولون أيضاً عن تردي صحتهم، فقلة وعي البعض تدفعهم إلى تناول أدوية الغير دون الرجوع إلى طبيب مختص، كما أن البعض الآخر يستسلم لآلام المرض ومضاعفاته عدة أيام وبعدها يذهب إلى المستشفى حتى يتحمل الأطباء نتيجة ما سيحدث، والمصيبة أن غالبية المرضى يخفون حقائق مهمة عن الطبيب مثل ذهابهم إلى طبيب قبله وتناولهم لأدوية وصفها لهم، وذلك حتى يختبروا مهاراته في تشخيص مرضهم وتتضح لهم عيوب التشخيص السابق، دون الانتباه لنقطة مهمة وهي أنه قد يصف لهم أدوية قد تتفاعل في أجسامهم مع الأدوية السابقة ويتطور وضعهم إلى الأسوأ.
استشارة الأطباء أمر في غاية الأهمية خاصة إذا كانت في مرحلة مبكرة من الإصابة بالمرض، لأنها تعين المريض على التغلب على مرضه من خلال إطلاعه على المضاعفات التي قد تصيبه حتى لا يتفاجأ ويفزع، وإعطائه النصائح الطبية التي تناسب وضعه الصحي، ووصف الأدوية اللازمة لبدء عملية العلاج.
ثقافة
إهمال المرضى يزيد المشكلات
تطرق عدد من الأشخاص إلى الحديث عن أهمية اختيار الأسلوب الصحيح في التعامل مع الأمراض، والوعي الذي ينجينا من المشكلات الصحية والمضاعفات فيما بعد، فالاعتماد على أدوية الغير وتجاربهم مع الأمراض يعد مجازفة حقيقية بالصحة، كما أن شراء الأدوية من الصيدليات دون استشارة الطبيب أو حتى الاستماع لنصائح الصيادلة قد يزيد الأمر سوءاً، حيث أكدت صيدلانية أن عدداً كبيراً من المرضى يتجاهلون نصائحها ويصرون على شراء أدوية لا يجب أن يبدؤوا علاجهم بها بحجة أنهم يعرفون ما يناسبهم أكثر منها ومن الأطباء، كما اندهشت من الأمهات اللاتي يعرضن أطفالهن الصغار على الصيادلة بدلاً من الأطباء المتخصصين، وفي الإطار نفسه تعجبت إحدى السيدات من قدرة البعض على دفع مبلغ مالي كبير في أحد المطاعم أو محلات الملابس، ورفضهم دفع المبلغ نفسه في أحد المستشفيات للاطمئنان على صحتهم، في حين أوضح عدد من الأشخاص أن الغلاء والأخطاء الطبية التي يسمعون عنها والتي كانت السبب الأول في انعدام ثقتهم بمعظم الأطباء.. جميعها أسباب تدفعهم إلى جعل الذهاب إلى المستشفى آخر الحلول التي قد يفكرون فيها عند المرض.
