احتل التعليم العالي في الإمارات مكانة متقدمة ضمن أولويات اهتمام الحكومة خلال الأربع سنوات الماضية، وقد انعكس ذلك في إستراتيجية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي تهدف إلى تحقيق الموازنة بين متطلبات سوق العمل ومخرجات التعليم العالي في الدولة، والارتقاء بالجامعات والكليات الإماراتية إلى مصاف أفضل المؤسسات التعليمية، باعتماد أفضل الممارسات والمعايير الدولية وتوظيفها وفقا للظروف والاحتياجات المحلية، وخصص للتعليم العام والعالي مبلغ ‬9,9 مليارات درهم وبنسبة ‬28٪ من الميزانية النقدية في ‬2009.

وفي السنوات الأخيرة شهدت الدولة ارتفاعا ملحوظا في عدد الجامعات، حيث وصل عددها ومؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة المعتمدة من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للعام الأكاديمي ‬2010 إلى ‬64 جامعة ومؤسسة منتشرة في الدولة.

ومن دون شك أن ذلك يعكس مدى اهتمام الحكومة بالتعليم العالي الذي ما زال يعاني من مشكلة «تسرب» الطلبة من الجامعات، خاصة في سنتهم الأولى، وذلك لأسباب عديدة تختلف بحسب ظروف الطلبة، ورغم عدم وجود إحصائيات واضحة تبين حجم المشكلة، إلا أن القضية «تؤرق» إدارات الجامعات التي تسعى بكل جهودها لإيجاد حلول لها عبر استحداث خطط وتخصصات جديدة قادرة على ضبط الطالب ومنعة من التسرب.

 

إحصائية مزعجة

كانت إحدى الدراسات الصادرة عن كلية دبي للإدارة الحكومية العام الماضي قد كشفت عن أن ‬27٪ فقط من الذكور المواطنين يلتحقون بالتعليم العالي مقارنة بأكثر من ‬70٪ من الإناث، واعتبرت الدراسة أن انخفاض معدلات مشاركة الذكور في التعليم العالي، المصحوب بارتفاع معدلات التسرب والأداء المنخفض في المرحلة الثانوية سبب كاف للقلق على مخرجات التعليم في الإمارات، وكشفت عن أن فجوة النوع الاجتماعي لدى الذكور في التعليم في الإمارات تنبع من عوامل مرتبطة بالدراسة، وخلفية الأسرة، والنظرة إلى عوائد التعليم الاقتصادية، وفيما يتعلق بعامل التعليم فقد رأت الدراسة انه يجب عدم الاستخفاف بدور المدارس في خلق بيئة يرغب الأولاد في النجاح من خلالها، في الوقت الذي أكدت فيه الدراسات التي أجريت حول جودة المدارس في الدولة أنها تفتقد إلى الدفء الداخلي، والإبداع، والمشاركة، ولا يتوقع فيها المعلمون من الطلاب الذكور إلا القليل.

وبالطبع فان ما أشارت إليه الدراسة السابقة وورش العمل التي شهدها المؤتمر السنوي لمستخدمي البرامج في الشرق الأوسط سحصا-‬02، والذي عقد مؤخرا في دبي إنما يثير عدداً من الأسئلة حول طبيعة الأسباب التي تقف وراء تسرب الطلبة من الجامعات؟ والحلول التي تقدمها الجامعات للحد من هذه المشكلة؟

 

تهيئة غائبة

وحول أبرز الأسباب التي تقف وراء تسرب الطلبة من الجامعات قال باسم سيف، مساعد مدير جامعة زايد بدبي: لعل السبب الرئيسي لهذه المشكلة هو عدم استعداد أغلبية الطلبة لدخول الجامعة، نتيجة لعدم تهيئتهم بشكل صحيح في مراحل ما قبل الجامعة، سواء من ناحية اكتساب مهارات اللغة الانجليزية أو المهارات الأخرى، كأعداد البحوث والمشاريع، والعمل ضمن مجموعات أو فرق، إلى جانب أن الاختلاف بين الجامعة والمدرسة قد يسبب صدمة لعدد من الطلبة لأنها تخالف الطريقة التي اعتاد عليها وهو ما يسبب له الإحباط، ومن الأسباب الأخرى، عدم وجود الوعي الكافي لأهمية الدراسة الجامعية والتي تتوازى مع مغريات دخول سوق العمل، حيث تسعى أغلب المؤسسات إلى استقطاب خريجي الثانوية العامة للعمل لديها بدلا أن تتنافس للبحث عن خريجي البكالوريوس، وذلك قد يرجع لأسباب تجارية بحتة من انخفاض الرواتب والمزايا لتلك الفئة، دون الالتفات إلى التأثير السلبي على المجتمع، وأشار أنه يمكن للمؤسسات التعليمية والمجتمعية محاصرة أغلب أسباب تسرب الطلبة والتغلب عليها للمحافظة على مستقبل الطلبة وتعليمهم.

أما عن طبيعة الحلول التي تعتمدها إدارة جامعة زايد لمنع تسرب الطلبة، قال سيف: لقد وجدنا في الجامعة أن السبب الرئيسي الذي قد يدفع الطالبة للخروج من التعليم الجامعي هو الزواج والارتباطات المنزلية، لذلك سمحت الجامعة للطالبة بتعليق دراستها لفترة زمنية تتمدد تبعا للظروف، ولذلك لم يتحول الأمر إلى ظاهره لدينا، بل على العكس، فالكثير من طالباتنا متزوجات واستطعن الموازنة بين الدراسة والعائلة، إلى جانب أن إدارة الجامعة وهيئتها التدريسية تبذل قصارى جهدها لمساعدة الطالبة على إكمال دراستها الجامعية، وتتكاتف جميع أقسام الجامعة لتحقيق ذلك، وبمجرد دخول الطالبة للجامعة، يتم تعيين مرشد أكاديمي يتابع مسيرة الطالبة ويبقى معها حتى التخرج، بالإضافة إلى وجود نظام مبتكر يعلم الإدارة مبكرا بوجود مشكلة لدى الطالبة في منتصف الفصل الدراسي، وبناءً عليه تسارع الإدارة إلى الاجتماع مع الطالبة لاكتشاف الخلل، فان كانت المشكلة أكاديمية يتم حلها في القسم الأكاديمي، ولو كانت مشكلة شخصية فيتم تحويلها إلى الأخصائية الاجتماعية لتحل في جو مناسب للطالبة، كما قامت الجامعة بإنشاء قسم خاص مهمته فقط المحافظة على الطلبة من التسرب لإدراكها أنها قد تتحول إلى ظاهره مستقبلا، ويقوم هذا القسم بالتواصل مع الطالبات المتعثرات دراسيا، ويقوم بمساعدتهن أكاديميا عن طريق عدد من البرامج المبتكرة، مثل القيام بحصص تعليمية إضافية، ودعوة الطالبات المتميزات لمساعدة زميلاتهن المتعثرات أكاديميا تحت إشراف المعلمين، ويقوم هذا القسم بمتابعة الطلبة وإعداد التقارير الدورية لإدارة الجامعة للمساعدة في اتخاذ القرارات الإستراتيجية.

 

قضية مهمة

وحيد السيد، مدير القبول والتسجيل بالوكالة في جامعة الشارقة قال: من دون شك تعتبر مسألة التسرب من الجامعات قضية مهمة للغاية وتسترعي اهتمام إدارات الجامعات، ومن خلال تجربتنا نرى أن التسرب عادة يكون ضعيفا في السنة الأولى، وترتفع نسبته بعد مرور أكثر من فصل دراسي، والسبب الرئيسي في ذلك مادي، حيث يفاجأ بعض الطلبة بعد مضيهم في الدراسة الجامعية أنهم غير قادرين على سداد تكاليف دراستهم، مما يضطرهم إلى سحب الفصل والتوجه إلى سوق العمل لمساعدة أهاليهم في ذلك. أما الأسباب الأخرى، فهي تكمن في حصول الطالب على منحة في جامعة أخرى، أو حصول الطالب على وظيفة، وبالتالي يعمل على استكمال دراسته بالانتساب إلى جامعة أخرى.

وحول إذا ما كان عدم تحديد التخصص سببا في ذلك قال وحيد السيد: لم يعد موضوع التخصص يشكل مشكلة كبيرة تواجه الطلبة، فالكثير منهم يتخرج من المدرسة وهو مدرك تماما لما سيدرس في الجامعة، خاصة وان الزيارات الجامعية للمدارس وإدارات المدارس تلعب دورا في توجيه الطالب نحو التخصص الذي يتناسب مع قدراته، وحتى لو جاء الطالب إلى الجامعة دون معرفة كاملة عن التخصصات، فالجامعة تعمل على إرشاده من خلال توفير المرشدين الأكاديميين، والكتيبات التي تشرح طبيعة التخصصات التي تقدمها الجامعة، بالإضافة إلى توجيه إدارة التسجيل والقبول للطالب والخطط التي تضعها للطالب.

وعن الطرق التي تغلبت فيها جامعة الشارقة على مشكلة التسرب أوضح وحيد بقوله: لحل هذه المشكلة وفرت الجامعة عددا من الحلول، منها منح الطالب المتفوق في الثانوية العامة خصما بنسبة ‬50٪ لأول فصل دراسي كنوع من التشجيع له، ويمكن أن يستمر الخصم معه حتى التخرج إذا استمر في تفوقه، كما قامت الجامعة بإنشاء صندوق الطلبة لإعانة الطالب المحتاج، ويعمل الصندوق على توفير الكتب وبعض الاحتياجات الأخرى للطلبة المحتاجين، ومن جهة أخرى عملت الإدارة المالية في الجامعة على مساعدة الطالب المحتاج من خلال منحه نسبة خصم بمقدار ‬20٪، كمحاولة منها لمساعدته.

ولم تتوقف حلول الجامعة عند الحدود المادية، وإنما وفرت للطلبة حلولا أخرى تتمثل في الإرشاد الأكاديمي، الذي يساعد الطالب على وضع خطته الدراسية ورفع معدله التراكمي، والإرشاد الاجتماعي والنفسي الذي يعمل على حل كافة مشكلات الطالب وتوفير الأجواء المناسبة للدراسة، وقال وحيد: هناك تركيز كبير من إدارة الجامعة ممثلة في مديرها على الإرشاد النفسي للطالب حتى نتمكن من معالجة المشكلة من جذورها، وهذا هو الهدف من إنشاء مكتب النجاح في الجامعة، ونحن نعتمد كثيرا على تقارير الأساتذة الذين يتعاملون بشكل مباشر مع الطلبة ويقيمون أوضاعهم.